“هيكالو”.. فضاء ساخر لا مجرد خشبة

بعد مشاهدة مسرحية "هيكالو" للمخرج يحيى جابر والممثل عباس جعفر، تخرج وأنت تضحك موجوعاً؛ تتلمس إنارة في الشارع المحيط بالمسرح، فلا تجد إلا ظلاماً؛ لكأن بيروت التي كُنا نعرفها ما عادت بيروت وربما لن تعود قريباً.

نحن قومٌ استشهد لنا في عاصمتنا أكثر من مسرح ودار سينما. أقفل “مسرح بابل” وقبله “مسرح بيروت” ومسرح الكليمنصو ومسارح أخرى، وها هو “مسرح المدينة” يعاند حتى يبقى مُستمراً. نكاد نكون البلد الوحيد الذي يقتل مسارحه. يقتل المساحات المشتركة. مساحات إلتقاء الناس.

ويحيى جابر يكاد يكون الوحيد الذي يفتح الستارة على الضوء ويغلقها على “طرطقة” الأقدام على الخشبة. للمسرح الجابري هوية وسمات محددة ترتسم بوضوح شديد كلما غامر وجرّب وقدّم عملاً جديداً.

بهذا المعنى، لا تشذ مسرحية “هيكالو” عن المسار الجابري. هو بريختي بامتياز، يحيى جابر المخرج، الصحافي، الباحث، المؤلف، الشاعر، الرجل الذي لا يتوقف عن الفوران. كان هم بريخت كيف يُقوّض الشكل التقليدي للمسرح، وكيف يضع مداميك المسرح الثوري الملحمي عن طريق نشر الوعي السياسي ورفع المستوى الأدبي واللغوي بما يؤدي إلى إيقاظ المشاعر والتأثير في العقول وتنوير الرأي العام ووضعه على سكة التغيير.

بهذا المعنى أيضاً، ينتمي مسرح يحيى جابر إلى المدرسة البريختية ـ إذا جاز التعبير ـ وإن كان يحيى لا يشبه إلا نفسه، هوية وإشتغالاً وتجريباً وإقتحاماً للدوائر الصعبة وأحياناً المغلقة.

يخوض الرجل الذي صاغت شخصيته الحرب الأهلية اللبنانية في حيوات الأفراد. يُدقّق في التفاصيل. يسأل عن الأسماء والعائلات والأكل والشرب والمأثورات. يخوض في السيناريو والديالوغ والمونولوغ التي تنجم عن خيال شاعر وثائر ومتمرد على الواقع السوريالي الرهيب الذي نعيشه.

يبدو جلياً ان لعبة “وان مان شو” (One Man Show) تستهوي المخرج المسرحي والمؤلف يحيى جابر. لعبة تجعلنا في مواجهة خشبة مسرح لا يتحرك فيها إلا شخص واحد، سواء أكان ممثلاً أو ممثلةً، من بداية الفرجة المسرحية حتى نهايتها. فضاء ساخر يحتكره الممثل عباس جعفر، من دون الحاجة إلى استدعاء شخصيات أخرى، كما يبدو ذلك جلياً في المسرح العادي أو الكلاسيكي.

ربما يسأل البعض عن ارتباط هذه التجربة بظروف البلد الإقتصادية والإجتماعية، بمعنى أنها تُخفّض الأكلاف، لكن القصة ليست كذلك أبداً. مدرسة الـ”وان مان شو” لم يخترعها المخرج يحيى جابر. هو يسير على درب من سبقوه أمثال روجيه عساف ورفيق علي احمد وسامي خياط وغيرهم ممن قدموا تجارب ريادية في هذا المسرح الساخر أو المؤلم في العقود الأربعة الأخيرة.

بعد زياد عيتاني وأنجو ريحان وحسين قاووق، ها هو عباس جعفر يدخل في اللعبة متجاوزاً السكيتشات التلفزيونية الخفيفة إلى لعب دور مركب من عدة شخصيات لبنانية قاربها بإقتدار مُلفت للإنتباه ومميز حيناً وبمقدار من الإرتباك حيناً آخر، وهذا مبرر في العرض الأول (“دوار الشمس” قبل أن تنطلق العروض الأخيرة في “مسرح المدينة”)، فإذا بنا أمام ولادة جديدة لموهبة عباس جعفر التي من المرجح ان تتبلور مع التمرين والعمل المتواصلين للإمساك بناصية الجمهور، وذلك ليس بالأمر السهل، ولكن عباس أثبت أنه يملك طاقة ورغبة بالإجتهاد وتحدي الذات حتى يتمكن من تقديم أفضل ما عنده في الأعمال المقبلة.

وحتى وصل يحيى جابر إلى هذا المستوى من الإندماج بينه وبين عباس جعفر، كان لا بد من إيجاد لغة مشتركة. تواصل على مدى شهور بين بيروت والبقاع الشمالي، أفضى إلى تقديم “هيكالو” العمل الذي تمنيت لو أن المخرج إختصره مكتفياً بالفصل الأول.. الذي جاء أقوى من الفصل الثاني المثقل بالجدية التي لا تناسب الجمهور المتلقي في هذا الزمن اللبناني الصعب واللئيم. مزيج من العفوية والتلقائية والارتجال. تأرجح بين خطاب المتعة والفائدة وبين خطاب التثوير البريختي الهادف للتفاعل بين الواقف على خشبة المسرح والجمهور الجالس في مقاعد الصالة.

يتموضع عرض “هيكالو” بين السكيتش الهزلي والمسرح الفردي، أي أنه يجمع بين الجد والهزل، بين الكوميديا والتراجيديا. الداخل هو الخارج والعكس صحيح.

هو تكرار الوجع من الوجع، ثمة بكاء ونشيج يفلت من تلابيب الضحك أخرجنا منه يا يحيى، نطالبك بأن تخرج من جوفك شياطين الخيال وتجمح به وتنقلنا إلى جديد يطرح الأسئلة الكبرى.

وماذا بعد؟

لكي لا يتحول المسرح إلى نشرة أخبار كوميدية تظهر عرينا المخزي نطالبك يا يحيى بإطلاق افكارك المجنونة على الخشبة ولنشترك كلنا في هذا، ألسنا الحائط الرابع؟

في مسرحيته الجديدة “هيكالو”، يأخذنا يحيى إلى بعلبك. لم تنج المسرحية من تغطية كل القضايا الكليشيهات: الحشيشة، الثأر، العائلة، العشائر، الطائفية، اليتم ، المذهبية، فائض القوة، الشرطة، الإهمال التاريخي، التنمية المفقودة، إلخ.. تتناول مسرحية “هيكالو” حي الشراونة البعلبكي منذ نشأته الأولى وتدخلنا إلى خصوصيات الحياة فيه ونظرة المجتمع المحيط به، بعلبك ومهرجانات الفرح تلاصق الفقر المدقع.

قد يقول قائل ولكنه إختصر بعلبك في هذه الفئة من الطفار او المطلوبين، في حين ان بعلبك تزخر بالمعلمين والمهندسين الأطباء وفئات أخرى تعيش الإهمال ولكنها تنهض لمواجهته، وهذا صحيح. أغلب البعلبكيين لايعجبهم التنميط والنظرة المعلبة وهذا بحد ذاته إعتراض. كما لا يعجب الجنوبيون ان يسجنوا في الستيريوتيب الخاص بفائض القوة وأمور أخرى تفرضها المبالغات المسرحية.

إقرأ على موقع 180  لبنان إلى "نادي الكآبة".. الليرة بالكيس والشنطة!

كل هذه المواضيع أضحكتنا بشدة حتى أدمعت العيون ثم بعد التصفيق المدوي من الجمهور والضحك من شدة المصائب حد الدمع، لا يجوز لنا الثناء وكيل المديح فقط لمسرح يحيى جابر. صار من حقنا عليه أن نطالبه بأن يخرجنا قليلاً من واقعنا الممجوج ويأخذنا إلى مواضيع جديدة حتماً سيكون بارعاً في الخوض فيها.

خذنا إلى مسرح جديد، بخيالك الشعري الجامح وروح الفكاهة المتأججة. مسرح جديد نحتاجه نحن كمتلقين أتعبهم الواقع النمطي الذي يجثم فوق صدورنا وتحتاجه انت لتظهر إمكانياتك الكامنة كمون العطر في الزهر.

بالتأكيد صار بالإمكان الحديث عن يحيى جابر كصانع مسرحي محترف لنصوصه وأبطال مسرحياته. هذا المسرح هو حياتنا على خشبة، ألسنا معلقين على خشبة؟ لذلك نتوقع من يحيى المزيد ونطالبه بالجديد النوعي غير الإستهلاكي.

صحيح أنه في الشكل يطغى التقشف على الديكور، وتتماهى سينوغرافيا العدم مع التراجيديا التي نغرق فيها ولكن بقالب كوميدي بالغ الصدق. مسرحية فجة وواقعية، كما يقول زياد الرحباني. هكذا هي “هيكالو”.

بهذا المعنى خلق يحيى هويته وإحترفها، ويحيى شاعر وكاتب لديه خلفية فكرية معلنة ضد هذه الطبقة السياسية، هو ثائر مصاب بالخذلان على الدوام.

هذا الشاعر الذي يكتب بعض الجمل ويدسها في مسرحياته البالغة الواقعية يُريد لنا أن نتيقن أن ثمة ضوء في آخر النفق، لطالما كانت الفنون خشبة خلاص الشعوب المنكوبة بحكام ظالمين.

أظنني منحازة لمسرح يحيى جابر ولكل من يصنع فناً في هذه المرحلة المظلمة من تاريخ الوطن. ولا أخفي هذا الإنحياز دون أن يمنعني ذلك من الإشارة إلى بعض الهواجس. لقد خلقت هويتك يا يحيى. مزّقها يا صديقي وخذنا إلى واحة جديدة من واحات إبداعك الجميل..

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  يا حسرتي.. إنها "متلازمة ستوكهولم" اللبنانيّة!