بن غفير يقود نتنياهو وحكومته إلى.. المجهول!

لن يكون إحتلال "الصهيونية الدينية" للمركز الثالث بـ14 مقعداً، في إنتخابات الكنيست الـ25 أمراً عابراً، لا سيما إذا دققنا جيداً في هوية "الضيف الجديد": إيتمار بن غفير.

مصطلح “الصهيونية الدينية”، هو مصطلح يُطلق على التيارات الدينية الإسرائيلية التي تزاوج بين التطرّف القومي والديني، وتعتمد على التوراة بصفتها تمنح الحقّ لليهود باحتلال كافة الأراضي الفلسطينية. ويؤمن أتباع هذا التيار بـضرورة الفعل البشري النشط من أجل تحقيق سيادة يهودية على كامل أرض فلسطين (إسرائيل التوراتية).

تألفت قائمة “الصهيونية الدينية” من ثلاثة أحزاب صهيونية يمينية متطرفة: حزب “الاتحاد الوطني- تكوما” بقيادة بتسلئيل سموتريتش، الذي يترأس القائمة. وحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير (القائد الفعلي للقائمة). وحزب «نوعام» بقيادة آفي ماعوز.

الأول هو حزب صهيوني قومي تأسّس في العام 1999 من ائتلاف أحزاب يمينية صغيرة، فيما نشأ الثاني إثر تفكك “الإتحاد القومي” في العام 2013، حيث قام آرييه إلداد وميخائيل بن آري بتأسيس حزب “عوتسما يهوديت – قوة لإسرائيل” الذي أصبح حزب بن غفير (كان مساعداً لبن آري). وثمة من يُردّد في إسرائيل أن بن غفير استغل موقعه القريب من الأخير وسيطر على الحزب الوليد. فيما أسّس الثالث (نوعام)، ماعوز في العام 2019، مستلهماً تعاليم الحاخام تسفي إسرائيل تاو.

لا اختلاف جوهرياً بين الأحزاب الثلاثة، فجميعها يدعو إلى “تطبيق التعاليم الدينية وبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى”، ويلتزم بـ”مبدأ أرض إسرائيل، وشعب إسرائيل، وفقاً للتوراة”، ويدعم الاستيطان وينادي بالقدس موحدة عاصمة لإسرائيل، ويدعو إلى ترحيل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

نجم الصهيونية الدينية

ولا تكتفي الصهيونية الدينية ببناء دولة “إسرائيل الثانية” في الضفة الغربية، بل تسعى لاحتلال “إسرائيل الأولى” وتصحيح “الخطأ التاريخي” و”إعادة التوازن” الذي يجب أن يقوم بين الأهداف الدينية للحركة الصهيونية التي تقوم على فكرة “الإنقاذ” و”أرض الميعاد” و”جمع الشتات”. وذلك مع احتفاظ “عوتسما يهوديت” برصيد أكبر من العنصرية والفاشستية، تمتد جذوره الفكرية إلى أكثر الأحزاب يمينيةً وتطرفاً وإرهاباً (“موليدت” و”كاخ”)، وهذا يعود إلى ما نشأ عليه رئيسه بن غفير.

بداية، برز اسم بن غفير في كل الأحزاب اليهودية المتطرفة، بدءاً من “موليدت” الذي أسّسه داعية الترحيل رحبعام زئيفي في نهاية الثمانينيات، وكان من دعاة تهجير المواطنين العرب من إسرائيل، مروراً بـ”كاخ” المصنف “إرهابياً” وفق القانون الإسرائيلي، ولدى الولايات المتحدة الأميركية التي ترفض التعامل مع بن غفير، خصوصاً إذا آلت إليه وزارة الأمن الداخلي (إحدى أبرز الوزارات التي على تماس مع الفلسطينيين)، وصولاً إلى “الصهيونية الدينية” التي أدخلته إلى الندوة البرلمانية للمرة الثانية.

يدأب بن غفير في تظهير نفسه بصورة منفصلة عن الحاخام العنصري مئير كهانا، مؤسس حزب “كاخ” المحظور، الذي علّمه التوراة، رغم أن طروحاته ورؤاه لا تختلف عنه قيد أنملة. إذ يكفي أنه ما زال يحتفظ في صدر منزله بصورة تجمعه بالإرهابي باروخ غولدشتاين، الذي ذبح 29 مسلماً بدمٍ بارد في الحرم الإبراهيمي عام 1994، وهو أحد الذين حرّضوا على أحداث العنف التي سبقت اغتيال رئيس وزراء الكيان الأسبق إسحاق رابين، في تسعينيات القرن الماضي. ولم يتوان بن غفير عن الدفاع عن قاتل الأخير يغئال عمير، إلى حد المطالبة بتحريره.

بن غفير اسم برز في كل الأحزاب اليهودية المتطرفة والعنصرية، وفي تلفيق الملفات الملكية المزيفة في حي الشيخ جرّاح.. وعلى جبينه مطبوع: “وصمة عار”

استمر بن غفير في تسطير سجله العنصري، لا سيما بعد أن درس الحقوق ودخل نقابة المحامين بعد جهد جهيد نتيجة رفض الأخيرة له بسبب أعماله التحريضية والعنصرية. وكان يرافع بدون أجر عن المستوطنين الذين يدّعون الملكية لمنازل فلسطينيين في حي الشيخ جرّاح. ويُلفق لهم الملفات الملكية المزيفة. وينظم ويتصدر اقتحامات المستوطنين لذلك الحي الذي شهد احتكاكات وتصادمات عدة بين الفلسطينيين والمستوطنين، وسقط فيها قتلى وجرحى وأسر العديد من الشبان الفلسطينيين، ومنهم من الأطفال. ينطلق بن غفير من قاعدة طالما رددها على الإعلام؛ ” يجب إزالة أعداء إسرائيل من أرضنا”، في إشارة إلى الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين.

من هوامش الحياة السياسية إلى قلب قصر بلفور

بن غفير (46 عاماً) أب لخمسة أطفال. تسكن أسرته مستوطنة “كريات أربع”، المقامة على أراضي الخليل. والداه من جذور شرقية (الأب من أصول عراقية، والأم من كردستان العراق)، وكلاهما ناشطان في الحركة الصهيونية، لا سيما والدته المشاركة في عمليات عدائية ضد الفلسطينيين.

بن غفير رجل نشيط، قومي متطرف، راديكالي وفوضوي، ومطبوع على جبينه “وصمة عار” بالمعيار الإسرائيلي، كونه لم يُكمل خدمته العسكرية إثر اعتقاله بتهمة “الإرهاب” اليهودي. وحتى الأمس القريب، ظلَّ شخصاً غير مرغوب فيه، ومرفوض في الوعي الجمعي الإسرائيلي. لكن مع تغلغل اليمين المتطرف في المجتمع الإسرائيلي، وسيطرته على الحكم وذهاب أحزاب اليسار الصهيوني؛ التي أسّست الكيان الإسرائيلي؛ في أدراج الرياح، تمكن الرجل من إلحاق الهزيمة بأهم قادة رؤساء الأركان في الجيش الإسرائيلي على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، مثل بيني غانتس وغادي إيزنكوت.

إقرأ على موقع 180  حياد الشرق الأوسط في حرب أوكرانيا ممكن.. ولكن!

أحدثت الانتخابات الأخيرة تغييراً جوهرياً، ورأى بعض كتبة الأعمدة في الصحافة الإسرائيلية وجود تشابه بين الصعود المرتقب لـ”الصهيونية الدينية” إلى الحكم وصعود “الليكود” عام 1977. انتقال غير مألوف لأمثال بن غفير وسموتريتش من هوامش الحياة السياسية الإسرائيلية إلى قلب قصر بلفور.

إسرائيل إلى أين؟

ما حصل يطرح عدة أسئلة، قد لا نقع على أجوبتها اليوم. أولها، إلى إين ذاهبة “إسرائيل”؟ ثانيها، هل يقوى المجتمع الإسرائيلي على السير بنهج متطرف إلى الحد الذي ترسمه الصهيونية الدينية ونجمها بن غفير؟ ثالثها، ماذا عن الفلسطينيين إذا ما تولّى الأخير حقيبة قوى الأمن الداخلي، وهو الذي كان مُحرضاً ضد الشرطة ومتحدياً لها في مواجهته للفلسطينيين. وهو لطالما شهر مسدسه في الساحات وعلى قارعة الطريق، فهل سيُشهر مسدسه وهو وزير؟ رابعها وهو الأخطر؛ هل سيكون بن غفير الخليفة الأول لنتنياهو في قصر بلفور؟ حينها كل شيئ يمكنك أن تتخيل حصوله، حيث لا ضوابط ولا موانع تحول دون تنفيذ مشيئة الحاخامات التي ينظر إليها بن غفير بشيء من القدسية، ويحترم الفتاوى التلموذية الإرهابية التي تعتبر الفلسطينيين “وحوشاً” وقتلهم والانتقام منهم “فريضة دينية”.

يحتفظ “عوتسما يهوديت” برصيد أكبر من العنصرية والفاشستية بين أحزاب الصهيونية الدينية، وجذوره الفكرية تمتد إلى “موليدت” و”كاخ”، وهذا يعود إلى ما نشأ عليه رئيسه بن غفير

ثمة سناريو محتمل بأن يلقى بن غفير حتفه قبل أن يغرس نهجه ورؤيته العنصرية المتطرفة في الوعي الجمعي الإسرائيلي، ويشعل الداخل الفلسطيني، أي على غرار “معلمه” مئير كهانا الذي قتله شاب مصري في أحد فنادق مدينة نيويورك عام 1990.

عود ثقاب بيد نتانياهو

وفي دلالة جديدة على خطابه العنصري الذي يريد تضمينه في برنامج الحكومة الإسرائيلية الجديدة، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أنه “وفقاً لاقتراح بن غفير فإن كل فلسطيني أدين بتنفيذ عملية قتل بدافع العداء تجاه الجمهور الإسرائيلي، وبهدف الإضرار بدولة إسرائيل، سيكون الحكم عليه بالإعدام أمراً إلزامياً، أي أن يكون الإعدام عقوبة إلزامية، وليست تقديرية. ولن يكون بالإمكان تخفيف عقوبة من صدر بحقهم حكم نهائي”.

أمّا في “الكنيست”، فسيسعى بن غفير الى تقديم أو دفع الائتلاف الحكومي إلى التصويت على مشاريع “قوانين انتقامية” بحق الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال قوانين تتعلق بتشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين وإبعاد أسر الشهداء من الضفة الغربية، وتسهيل تعليمات إطلاق النار في الضفة الغربية، وشرعنة جرائم الجيش، بالإضافة الى دعم مخططات التوسّع الاستيطاني.

حتماً يُدرك نتنياهو أنه سيجد نفسه أمام أزمة أمنية صعبة في الضفة الغربية خلال بضعة أسابيع أو أشهر. وإلى جانب ذلك توتُّر عالٍ في العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من دون قدرة على التوقُّع كيف سيتصرف مع إيران (وحزب الله). وفيما ينتظر سموتريتش وبن غفير مناصب كبيرة في الحكومة، يطرح عاموس هرئيل، المحلل العسكري في “هآرتس” السؤال التالي: “إلى متى سيستمران في هذه المناصب، وفي أيّ ظروف؟”.

جرت العادة أن يأتي قادة الحكومات بأكثر الأشخاص حكمة إلى المناصب العسكرية والأمنية، لكن في حالة بن غفير وسموتريتش، فإن نتنياهو يأتي بمن يحمل عود الثقاب وأمامه حقول واسعة من الأزمات القابلة للإشتعال في كل الإتجاهات.. واللحظات.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مفاوضات فيينا: أبواب مفتوحة.. ولا إتفاق!