كرة ثلج الفيول الفاسد تتدحرج.. من جنّس بجّاوي؟

علي نورعلي نور07/05/2020
ككل قضيّة من قضايا الفساد التي تبدأ خيوطها بالإنكشاف تدريجيّاً، يشعر المتابع أنّه أمام جحر أرنب عميق. كلّما إنكشف جزء جديد من أجزاء الفضيحة، تبرز تساؤلات جديدة تقودنا نحو أجزاء أخرى لم تنكشف بعد. جميع الخيوط في ملف الفيول المغشوش تقودنا نحو الإعتقاد بأن المسألة أكبر بكثير من الشحنتين اللتين جرى تعليق تسلّمهما خلال الفترة الماضية.

“المادّة 17: يتعهّد الفريقان بالحفاظ على خصوصيّة وسريّة هذا العقد. لا يُنشر هذا العقد ولا أي جزء منه، أو يفصح عنه لأي فريق ثالث، بإستثناء السلطات اللبنانيّة والجزائريّة المعنيّة”.

هذه المادّة لم تَرد في معاهدة شراء أو تطوير أسلحة إستراتيجيّة نوعيّة، ولا في إتفاقيّة تعاون إستخباراتي أمني بين دولتين، بل وردت ببساطة في إحدى أجزاء إتفاقيّة شراء فيول موقّعة من قبل الدولة اللبنانيّة منذ 15 سنة. طوال هذه الفترة، ظلّ العقد سر أسرار قطاع الكهرباء اللبناني، إذ لم يُنشر عند إقراره في الجريدة الرسميّة، على خلاف العقود الأخرى التي توقّعها عادةً الدولة اللبنانيّة، كما لم يُنشر الذي تبلغ مدته ثلاث سنوات، في كل من المرّات التي جُدد فيها (في الأعوام 2008 و2011 و2014 و2017). هُرّب العقد خلسةً في جميع المرّات التي جرى التصويت عليه في جلسات مجلس الوزراء، لا بل يصعب العثور على تفاصيل التجديد له في محاضر جلسات مجلس الوزراء.

ما تسرّب من العقد السرّي

بعد 15 سنة، تسرّبت أجزاء قليلة من بنود العقد إلى وسائل الإعلام عند إحالة ملف الفيول المغشوش إلى القضاء. كشف بعض ما تسرّب القليل من أسباب إحاطة العقد بكل تلك السريّة، لكن ذلك لم يؤدِّ الّا إلى إثارة المزيد من الأسئلة حول القضيّة، التي لن يجيب عنها سوى الكشف الكامل عن مضمون العقد وتعديلاته المتعاقبة على مرّ السنوات الـ 15.

أبرز ما إنكشف حتّى الآن هو أن “الفريق الأوّل” المعني بالعقد لم يكن شركة “سوناطراك” الجزائريّة المعروفة، بل شركة “سوناطراك ج.ع.ب” (أوف شور) المسجلة في جزر العذراء البريطانية، وهي ليست سوى أحد الأفرع المملوكة من شركة “سوناطراك”. تفتح هذه المعلومة الباب أمام الكثير من الإشكاليّات، أوّلها، التشكيك في كون العقد الموقّع هو فعلاً تعاقد من دولة إلى دولة، خصوصاً أن الطرف المعني في النزاع مقابل الدولة حاليّاً ليس الشركة النفطيّة الوطنيّة الجزائريّة نفسها، بل شركة أخرى مملوكة منها ومسجّلة في ملاذ ضريبي آمن جدّاً، وتحيط بها في الخارج الكثير من فضائح تهريب الأموال والتهرّب الضريبي.

هذه الحقيقة نفسها تفتح الأبواب على تساؤلات أخطر، تتعلّق بالأسباب التي أدت إلى لجوء الطرف الجزائري إلى توقيع العقد من خلال هذه الشركة تحديداً، وإصرار جميع الأطراف المعنيّة على إحاطة العقد بهذه الدرجة من الكتمان الشديد. وأخيراً، ثمّة تساؤلات بالغة الأهميّة تتعلّق بأثر هذا العامل على قدرة الدولة على تحصيل حقوقها في حال تطوّر النزاع القضائي مع “سوناطراك”، طالما أن العقد لا يشمل في إلتزاماته الشركة الأم بل شركة أصغر متفرّعة عنها.

يقود ذلك للإستنتاج أن الشركة المسجّلة في جزر العذراء كانت مجرّد غطاء، قام من خلالها وسطاء لبنانيّون بتزويد منشآت النفط اللبنانية بالفيول الذي تثار حوله ضجّة كبيرة حالياً. وفي النتيجة، إنطوت العمليّة على إرتكابات كبيرة شملت تزويد المنشآت برواسب ونفايات نفطيّة، وتزوير نتائج الفحوصات المتعلّقة بها. وفي الكواليس، تتردد اليوم أسماء رجال أعمال نافذين في قطاع النفط على علاقة بهذه المسألة، وتحديداً آل البساتنة في بادئ الأمر، قبل أن ينضم إليهم الأخوان تيدي وريمون رحمة في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي الحقبة التي ترافقت مع إبرام التسوية الرئاسية (2016) التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة، وتفرعت عنها “تفاهمات”، كان أحدها تملك حصص في بنك المتوسط لعدد من “العرابين” ولعل الأبرز بينهم رجل الأعمال علاء الخواجة (يتردد أن ثمة فضيحة جديدة متصلة بالأخوين رحمة على صلة بهذا المصرف نفسه).

فنيش والدفاع عن العقد

عند إنكشاف مكامن الخلل التي إنطوى عليها العقد، وجد الجميع نفسه أمام مسؤوليّة التبرير أو التوضيح. أوّل هؤلاء كان الوزير السابق محمد فنيش، الذي جهد للتأكيد على أن العقد نفسه لم يكن المشكلة، بل كمن الخلل فعليّاً عند تطبيق العقد لاحقاً. أوحت إفادة فنيش أن مجرد إقدان الدولة على استيراد الفيول قبل خمسة عشر عاماً كان بحد ذاته “قراراً ثورياً”، إذ أن الهدف كان التخلص من مافيا الشركات، لكن في الواقع، يمكن تفهّم هذا الإصرار على الدفاع عن العقد من قبل الوزير السابق، من زاوية كونه وزير طاقة سابق جرى توقيع العقد لأوّل مرّة في حقبته، اي سنة 2005. لكنّ دفاع الوزير السابق لم يقدّم الكثير من الأجوبة المقنعة، وبالأخص من زاوية تبريره لتوقيع العقد مع الشركة المتفرّعة عن الشركة الأم، حيث إكتفى فنيش بالقول أن الطرف الجزائري أكّد له شفهيّاً تبعيّة الشركة الموقّعة للدولة الجزائريّة (…)، وهذا يطرح أسئلة حول دور المستشارين القانونيين في وزارة الطاقة في تلك المرحلة وهل نبّهوا الوزير إلى محاذير التوقيع؟

كل هذه التطوّرات تحدث على مرأى من الوزراء العونيين المتعاقبين على الوزارة منذ 11 سنة، دون أن يشهد الملف أي تطوّر على المستوى القضائي أو الإداري. فماذا جرى فجأة حتّى إتخذ التيّار الحر هذا الموقف المندفع في القضيّة؟

على أي حال، بعض المتابعين إعتبروا أن إندفاع فنيش لتبنّي العقد بهذه الطريقة لم يكن الخطوة الأنسب، خصوصاً أن الوزير سلّط الأضواء على مسؤوليّته الشخصيّة، فيما تقع المسؤوليّة النهائيّة على مجلس الوزراء الذي ناقش وأقرّ بنود العقد في ذلك الوقت مجتمعاً. وفي كل الحالات، يمكن القول أنّ درجة المسؤوليّة نفسها يتشاركها وزراء الطاقة المتعاقبون، الذين أشرفوا على تطبيق العقد على مدى السنوات الـ15 الماضية، وحملوا الإقتراحات القاضية بتجديده.

إندفاعة العونيين المستجدة

خلال السنوات الثلاث الماضية، تلقّت وزارة الطاقة ما يزيد عن 77 رسالة خطيّة من إداريي الشركة المتعهّدة بتشغيل المحرّكات العكسيّة في معملي الذوق والجيّة، تعلّقت جميعها بنوعيّة الفيول الذي يجري توريده من خلال هذا العقد. وعلى أي حال، كانت الوزارة نفسها شاهدة في نيسان/أبريل من العام 2013 على حادثة تعطّل المولّدات العائمة على الباخرة “فاطمة غول”، نتيجة عدم تطابق الفيول المستورد مع النوعيّة الملائمة لهذه المحوّلات. حكاية الفيول غير المطابق للمواصفات ليست جديدة إذاً، وكانت حلقات هذا المسلسل تحدث طوال الفترة الماضية على مرأى وزراء الطاقة المتعاقبين. وللتأكيد على ذلك، يكفي الإلتفات إلى أن هناك أربع شحنات من الفيول التي رفضت الشركة المتعهّدة بتشغيل المحرّكات العكسيّة إستلامها منذ بداية 2019، بسبب نوعيّة الفيول المستورد.

كل هذه التطوّرات تحدث على مرأى من الوزراء العونيين المتعاقبين على الوزارة منذ 11 سنة، دون أن يشهد الملف أي تطوّر على المستوى القضائي أو الإداري. فماذا جرى فجأة حتّى إتخذ التيّار الحر هذا الموقف المندفع في القضيّة؟

يمكن لمراجعة تسلسل الأحداث أن تشرح جزءاً من هذه القضيّة.

هذه المرّة، شهد الملف الإمتناع عن تسلّم شحنتين متتاليتين من الفيول، بسبب رداءة نوعيّته. أدّى هذا التطوّر إلى توقّف المحرّكات العكسيّة عن الإنتاج وبدأت المسألة بالتسرّب تدريجيّاً إلى وسائل الإعلام. في هذه المرحلة بالذات، ظهرت أولى تغريدات الوزيرة السابقة ندى البستاني حول القضيّة، تلاها تقدّم المحامي العوني وديع عقل بالإخبار لدى النائب العام في جبل لبنان القاضية غادة عون.

قد يكون ما حدث يشكل تقاطعاً بين عدّة عوامل، أوّلها محاولة التيّار إستباق التحقيق القضائي من خلال رمي الكرة في ملعب القاضية غادة عون، المحسوبة سياسيّاً على العهد. وقد تكون أولويّة التيار من هذه الناحية بالذات تكمن هنا في محاولة حصر المسألة بشحنتي الفيول المغشوشتين، دون أن تمتد المحاسبة لتشمل كامل ملف العقد مع “سوناطراك” منذ 2005، وجميع الأطراف المتورّطة في تجديده والتغاضي عن المخالفات التي تحيط به.

عامل آخر يدخل هنا، ويتعلّق تحديداً بالرؤوس الكبيرة التي سيطالها الملف، وبدايةً من مدير عام منشآت النفط سركيس حليس، المحسوب على الوزير السابق سليمان فرنجية. كما تشمل القائمة هنا الأخوين تيدي وريمون رحمة، اللذين طوّرا شبكة من العلاقات السياسيّة والإجتماعيّة التي تخطّت التيار وربما خالفت خطوطه الحمر، وخصوصاً مع القوات اللبنانيّة وفرنجية من خلال تمويلهم مجموعة من الخدمات والمؤسسات في منطقتي بشري وزغرتا. ومع قرب إنتهاء صلاحيّة عقود النفط، من الطبيعي أن تحصل تجاذبات ومشادّات ومناورات مرتبطة بهذا الإستحقاق، المتعلّق بعقود تترتب عليها عوائد ضخمة.

عودة إلى “سوناطراك”

هكذا، تتنوّع المسائل التي تحيط بالملف، من صراعات النفوذ المحليّة إلى مصالح رجال الأعمال النافذين وصولاً إلى قضايا الفساد العالميّة المتعلّقة بشركة “سوناطراك” خلال السنوات الماضية. لكنّ السؤال الحقيقي يكمن اليوم حول طبيعة الأطراف التي ضغطت وروجت للعقد الإشكالي ولتجديداته المتتالية، وطبيعة علاقة الشبكة المحليّة بشبكات الفساد داخل شركة “سوناطراك” الجزائرية نفسها؟

فشركة “سوناطراك” المسجّلة في جزر العذراء محاطة بتقارير دوليّة (أحدها من نشرة “غلوبال واتش أناليسيس”) تؤكّد أنّها ليست سوى واجهة لأكثر من 15 شخصيّة جزائريّة، تستفيد منها للقيام بأنشطة غير مشروعة تنطوي على عمليّات إختلاس وفساد. كما تؤكّد التقارير أن الشركة لا تملك فعليّاً موظّفين أو مكاتب للقيام بعمليّاتها التجاريّة، بل حتّى أن الشركة تستفيد من خدمات مكتب خدمات محلّي لتوفير العناوين البريديّة لها.

يعيدنا كل هذا التساؤل عن هويّة الأطراف المحيطة بكل هذه الفضيحة، من الناحيتين الجزائريّة واللبنانيّة. وعن الشبكة المتضامنة من الرؤوس الكبار التي ساهمت في تمرير العقد وتجييره من عقد من دولة لدولة إلى عقد من دولة إلى مجموعة من الوسطاء والمستفيدين. هل من قبيل الصدفة – مثلاً – أن يكون فريد نور الدين بجاوي (زوجته لبنانية)، أحد أبطال فضائح الفساد في “سوناطراك” والملاحق دوليّاً من الإنتربول، هو نفسه أحد أبطال مرسوم التجنيس الشهير الذي جرى تمريره منذ حوالي السنتين؟ ومن الذي تبنى سياسياً ملف بجاوي، خاصة عندما قدم الأمن العام لائحة بأسماء مدرجة على لائحة “الأنتربول”، بينها إسم بجاوي، لكنها وضعت في الأدراج؟ ولماذا يريد بجاوي (51 سنة) أن يحمل أربع جنسيات غير جنسيته الجزائرية؟

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course