عند أعتاب “الريل وحمد”.. ومظفر النواب ـ القمة

في شرعية الإختلاف على المحبة، يُسدي لنا النصح إبن حزم الأندلسي: "ومن الناس من لا تصحُّ محبته إلّا بعد طول المُخافتة، وكثيرُ المُشاهدة، ومتمادي الأُنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يَحيك فيه مرُّ الليالي، فما دَخل عسيرا لم يخرج يسيرا" (طوق الحمامة).

الإختلاف والإتفاق من صفات الطبيعة. وما عداهما كالبحيرة الراكدة المملة. أحبُ الإختلاف وأؤمن بشرعيته على هديّ القول الشهير “الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”. هذا ما ينطبق عليّ وعلى صديقي الكاتب اللبناني فيصل جلول. قال لي في جلسة جمعتنا مع ثلة من الأصدقاء في رحاب بيروت، إن مظفر النواب هو أهم في ما كتبه من شعر العربية الفصحى.

سارعت إلى التعليق على ما قاله: مظفر هو الأكثر شاعرية في ما قاله من الشعر باللهجة العامية العراقية.

اختلفنا فيصل وانا على مذهب الأمير عبد الرحمن بن مساعد: (إختلفنا مين يحب الثاني أكثر واتفقنا أنك أكثر وأنا أكثر).

من منّا يحب مظفر أكثر ومن هو مهتم بحب مظفر؛ أشعره بالفصحى أم شعره بالعامية؟

انطلقت من قولي أن مظفر عظيم بالعامية مستشهدة ومستعينة بقول الشاعر العراقي الراحل سعدي يوسف، “أضع كل شعري عند أعتاب الريل وحمد”، وزدتُ عليه قول في الشعر للشاعر نزار قباني، “لا يوجد لفظة شعرية ولفظة غير شعرية. الشعر فنّ ملامسة الآخر”.

نعم القممُ تشهد لبعضها ابتداء من قول نزار قباني وصولاً لمقولة سعدي يوسف.. وسعدي قمة من هذه القمم.

***

أشاد صديقي فيصل جلول بقصيدة “وتريات ليلية”، وللحقّ هذه القصيدة قيل عنها إنها المعلقة الثامنة نظراً لمدى السحر الأخاذ في تركيبتها اللغوية والفنية الساحرة ولصورها التي تتهادى أمام من يقرأ أو ينصت لقارئها، كأنجم تضيئ وتخبو في السماء، ثم تبرق وترعد في ليل.

هذه القصيدة صارت اشبه بمنشور سري في العديد من الدول، يطال الخطر من يقتنيها فما بالك بمن يعزف بحنجرته على أوتارها الليلية، ومنها نستل بعض النغم:

“في تلك الساعة من شهوات الليل

وعصافير الشوك الذهبية

تستجلي أمجاد ملوك العرب القدماء

وشجيرات البر تفيح بدفء مراهقة بدوية

يكتظ حليب اللوز

ويقطر من نهديها في الليل

وأنا تحت النهدين، إناء.

في تلك الساعة حيث تكون الأشياء

بكاءً مطلقاً،

كنت على الناقة مغموراً بنجوم الليل الأبدية

أستقبل روح الصحراء

يا هذا البدوي الضالع بالهجرات

تزوَّد قبل الربع الخالي

بقطرة ماء.

***

لن اتحدث عن فصيح مظفر. الشاعر نفسه يكشف عن قماشته الشعرية الأخاذة؛ أما شعره العامي، فسأعرض لبعض الأفكار ومن ثم ندخل سوية في عمق قصيدة “الريل وحمد” ومحاولة شرحها.

اللهجات العربية متعددة وكلها جميلة بالتأكيد ومن يدخل في عمق اللهجة العراقية تحديداً، سيرى ما يُبهج النفس وينعش القلب المتعطش لكل ما هو أصيل.

من يسمع المقام العراقي سيأنس باللهجة البغدادية الجميلة، وفيه الكثير من مفردات الفصحى، ومعظمها قصائد مطعمة بالمحكية ويسمى “فنان المقام”؛ أما مدينة الموصل فالمحكية أو اللهجة العامية محكومة بالمفردات الأقرب للبادية السورية.

***

في هذا السياق، نشأ مظفر إبن بغداد وتربى على ثقافة ولهجة البغداديين، لكن بسبب طبيعة عمله السياسي السري والإعتقال ثم الهروب من السجن، قرر أن يتخفى طويلاً في منطقة الأهوار التي أثّرت في شعره، واندمج مع اللهجة العراقية الأكثر صعوبة وتسمى (الحسجة)، فكتب نصوصه بالعامية (الحسجة)، وهي لهجة قديمة جداً وريفية بحتة بحيث إذا أردت التحدث عن أي موضوع علمي بهذه اللهجة فلن تجد فيها مفردة تفي بالغرض، فهي مقتصرة على الغناء والحداء وعالم الريف ومقتضياته وناسه وطبيعته.

هي لهجة لا يجيدها كل أهل العراق بل يتحدث بها أهل الجنوب فقط: العماره؛ البصرة؛ الناصرية، وهذه المدن الثلاث، كانت الخزان الثقافي للعراق، ومن أعلامها داخل حسن، مسعود العمارتلي، حسين نعمة وسعدون جابر، وغيرهم ممن صنعوا مجد العراق الغنائي، وكذلك جاء تاج الشعر من هناك من بدر شاكر السياب وسعدي يوسف وشعراء العامية مثل زهير الدجيلي وعريان السيد.

في هذا المناخ الطبيعي، ومكان إلتقاء نهري جلة والفرات، وعلى جنباتهما نبت القصب وجاءت معه النايات الحزينة. مظفر تأثر بالمكان وطيب أهله، ليفجّر شاعرية مذهلة لم يسبقه أحد إليها.

صوت مظفر في الغناء ذو طبقة متوسطة لكن يتميز ببحته الحزينة التي تنسجم مع صوت الناي؛ لذا عندما غنىّ قصائده تلقفها كبار المطربين في العراق مثل رياض أحمد “الصوت الجريح” كما يُسمّى، (والد المطربة رحمة رياض)، والذي غنّى له قصيدة “العب العب” و”الريحان”. كما غنّى له المطرب العراقي النجفي ياس خضر الذي فاز بالجواهر النوابية مثل البنفسج/ حنّ وأنا حنّ/ والريل وحمد.

***

لا أنسى طفولتي ومطالع صباي في قرانا المقيمة قرب الحدود العراقية السورية عندما يفتح أهالينا المذياع لنسمع المذيع يقول “هنا بغداد” ثم تأتي الفترة المسائية ومعها أغاني الريف، فتُصدّح الحناجر بقصائد مُظفر النواب وعلى رأسها “الريل وحمد”، وهي كانت السبب لأن اركب الحافلة من القامشلي إلى دمشق بمسافة تفوق الثمانمائة كلم، فقط لأسمع مظفر النواب متكئة على هذا الإرث العظيم الذي اختزنته أرواحنا. ذهبت إلى الرجل لأخبره عن قرية صغيرة تقع عند آخر نقطة من الحدود السورية مع العراق حيث نشأتُ وأقمتُ، وكيف كان “الريل” الذي يصل عند السابعة مساء وهو يصيح بصافرته الحزينة ليوقظ المدينة من سباتها، وهي تغرق في الظلام وليلها الساكن فيُصدّح القطار لتنبيههم وتذكيرهم أن هناك حياة.

إقرأ على موقع 180  معركة في كادوقلي.. نُذر المواجهة مع "قدس"

للمناسبة، بيتنا كان قرب المحطة، يهتز عند مرور القطار فنُنشد مردّدين:

“مرينا بيكم حمد وحنا بقطارالليل/ وسمعنا دك كهوة/ وشمينا ريحة هيل”.

هذه القصيدة بالذات أحبها مظفر أكثر بكثير من بقية قصائده وكان يُردّدها في مجالسه أينما حلّ، وروى مظفر لأبي ظروف كتابتها عندما حلّ ضيفاً علينا في بيتنا في القامشلي قبل ثلاثة عقود. قال مُظفر إنها شكّلت هلاهيل فرح في روحه؛ ” والهلاهيل” تعني بلهجتنا الزغاريد.

يقول مظفر النواب:

“كنت انهض من النوم أكتب المقطع الذي يأتي على الخاطر وأعود لنومي وبدأت بكتابتها في العام 1956 وانهيتها في العام 1958… حينها، ألهمتني في كتابة القصيدة إمرأة أربعينية جميلة الملامح كانت تجلس قبالتي في قطار الدرجة الثالثة وبدت متعبة وجافاها النوم. كان القطار يمر بقرية أم شامات وهي قرية الرجل الذي أحبته ويُدعى حمد. لم يسمح الأهل بإكتمال قصة الحب، فهربت معه إلى بغداد لم تكن قصة الزواج سعيدة كقصة الحب”.

أخذ مظفر النواب هذه الحكاية ونسج عليها حوارية بين هذه السيدة الأربعينية وبين حمد تخاطب قطار الجنوب وسأكتفي بشرح بعض المقاطع:

“على ماء الصبح أحبته.

على ماء الليل، كان للهجر قمر

ومر القطار “.

“مرينا بيكم حمد وحنا بقطار 

الليل 

وسمعنا دك كهوة

وشمينا ريحة هيل 

يا ريل صيح بقهر 

صيحة عشكك ياريل 

هودر هواهم 

حدر السنابل كطه”.

في شرح المقطع أن الحبيبة هاجت بها الذكريات عند مرور القطار بالقرب من مضارب عشيرة حمد، فتذكرت رائحة القهوة الممزوجة بالهيل، فطلبت من القطار المندفع أن يصيح بشدة صيحة عشق ممزوجة بالألم والمعنى. من “حدر السنابل كطه” هو تشبيه الشاعر لشعر المرأة المسدول كسنابل القمح التي تختفي تحتها طيور الكطه وأراد لمعنى الكطه أن نهديها متحفزان وخائفان مختبئان تحت السنابل. هنا تحديداً هذا المقطع يُذكرني بتشبيه غريب استخدمه البدو في شعرهم. يقول الشاعر:

“نهده جما الدهدار ولا يداني 

اللمس 

مثل الهوا ما ينكظب بالايديني”.

المعنى هنا أن الدهدار هو بيت العنكبوت وجاء التشبيه أن النهد حساس كبيت العنكبوت يتداعى من مجرد اللمس.

هناك مقطع وصفي في القصيدة تتغزل فيه الحبيبة بجمال حمد وجاء فيه:

جن حمد فضة عرس 

جن حمد نركيلة 

مدكدك بمي الشذر 

ومشنشل شليله 

في هذا المقطع نجد أن النواب يرسم صورة ملونة للحبيب، صورة الفضة في ليلة العرس:

منشاشل شليله، أي منقوش طرف ثوبه بماء الذهب والخرز الأزرق.

***

لقصيدة “الريل وحمد” قراءات مختلفة وهذه سمة من سمات العمل الإبداعي وجاءت الطبعة الأولى من القصيدة في غاية الصعوبة نظراً لكثرة الأخطاء وكانت مؤلفة من ثمانية مقاطع وأعيد نشر الديوان بشكل أوضح لكن جاء هذه المرة بعشرة مقاطع، وقد اختلف الكثيرون حول هذا النص نظراً لرمزيته، وذهب البعض للقول إنه نص سياسي وأنّ “الكطه” وخوفه هو تعبير عن حالة الظلم التي كان العراق يعيشها..

أيّاً كان التفسير العاطفي أو السياسي لا يمكننا إلا أن نُسلّم أن قصيدة “الريل وحمد” أفضل قصيدة عربية لشاعر بالمحكي. شاعر مزج بين الحقيقة والمجاز ومهّد لفتح جديد للترويج للقصيدة الشعبية، سار عليه الكثير من الشعراء في العقود الأخيرة.

أختم بشكر فيصل جلول لأنه أتاح لي فرصة التأمل والكتابة.

Print Friendly, PDF & Email
نوال الحوار

شاعرة وإعلامية سورية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "جنرال الوقت" والتحولات الدولية.. ضد الكرد!