الإمارات، عبر شركة “موانئ دبي العالمية” وشركات أخرى، بنت سلسلة من الموانئ والمواقع اللوجستية على طول هذا القوس. لم تكن الاستثمارات في جيبوتي أو إريتريا أو “أرض الصومال” مجرد صفقات تجارية؛ كانت أيضاً توزيعاً لنقاط نفوذ على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. يضاف إلى ذلك الموانئ الإماراتية نفسها، من جبل علي إلى الفجيرة، التي أصبحت مراكز لإعادة التصدير والتخزين والتمويل.
السعودية، التي تمتلك أطول شاطئ على البحر الأحمر، بدت لفترة أقل استثماراً في هذا البعد البحري. لكن “رؤية 2030” غيّرت المعادلة. فجأة، تحولت جدة ويُنْبُع ومشاريع مثل “نيوم” ومدينة “أوكساغون” الصناعية المعلنة على خليج العقبة إلى أعمدة في تصوّر جديد لدور المملكة، ليس مجرد منتج نفطي، بل مركز لوجستي وسياحي وصناعي على تقاطع قارات ثلاث. بالتوازي، أطلقت الرياض “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” لتأطير الأمن والتعاون في الحوض تحت قيادتها.
هذه الرهانات البحرية والاقتصادية جعلت من اليمن، مرة أخرى، أكثر من مجرد “ملف أمني” بالنسبة للرياض وأبو ظبي. السيطرة – أو على الأقل النفوذ المُرجِّح – على سواحله وموانئه باتت جزءاً من معادلة أوسع، وبرز سؤال مستجدّ من ستكون بوابة التجارة والاستثمار في الخليج والقرن الأفريقي خلال العقود المقبلة؟
محاور متشابكة حول البحر الأحمر
الصراع على الممرات المائية من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس لم يعد مجرد تنافس ثنائي بين السعودية والإمارات، بل بات يدور ضمن شبكة أوسع من الحلفاء والشركاء على ضفتي البحر الأحمر. تميل القاهرة عملياً إلى التموضع أقرب إلى أبو ظبي، بحكم الاعتماد المالي والاستثماري، لكن أمن قناة السويس واستقرار سيناء يربطانها في الوقت نفسه بحسابات الرياض. ولا يجب أن يغيب عن البال أن أي نفوذ عسكري إسرائيلي مستقبلاً في “أرض الصومال”، يُشكّل تهديداً للأمن القومي المصري من زاوية التحكم بهذا الممر الحيوي للدولة المصرية. في المقابل، أعادت تركيا تموضعها من خصم مباشر لكلٍّ من الرياض وأبو ظبي إلى شريكٍ تفاوضي معهما، مستفيدة من وجودها العسكري في الصومال واهتمامها القديم بجزيرة سواكن السودانية، لتبقى لاعباً مرناً على هامش معادلة البحر الأحمر. غير أن الإقتراب الإماراتي من سعي تل أبيب إلى حجز موقع استراتيجي في “صوماليا لاند” يجعل أبو ظبي شريكة لإسرائيل في محاولة محاصرة النفوذ التركي في القرن الإفريقي. أما إيران، فحضورها البحري يأتي غالباً عبر “وكلاء” لا عبر قواعد رسمية، وتوسع هامش علاقات مرنة مع السعودية برغم دعمها للنفوذ الحوثي على ضفة باب المندب، ومحاولاتها المتكررة لتمرير السلاح بحراً إلى حلفاءها في كل من غزة ولبنان والقرن الإفريقي. وبين هذه المحاور، تحاول دول مثل السودان وإريتريا وجيبوتي والمملكة الأردنية الموازنة بين إغراءات الاستثمارات الإماراتية ووعود المشاريع السعودية الضخمة، ما يجعل خريطة التحالفات حول الممرات المائية أقرب إلى طيف مرن منها إلى معسكرين صلبين متقابلين.
انفجار الخطوط الحمر السعودية
على هذه الخلفية، بدت التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي اليمني كشرارة في حقل ممتلئ بالغاز.
خلال أسابيع قليلة في كانون الأول/ديسمبر 2025، شنّت قوات المجلس هجوماً سريعاً سيطرت خلاله على مساحات واسعة من محافظتي حضرموت (الغنية بالنفط) والمهرة في الشرق. في عدن، خرجت مواكب سيارات تحمل أعلام دولة الجنوب السابقة إلى الشوارع، إلى جانب أعلام الإمارات. على قناته التلفزيونية، تحدّث قياديون في المجلس صراحة عن “استعادة دولة الجنوب” وعن “حق تقرير المصير”.
بالنسبة للرياض، لم تكن حضرموت والمهرة مجرّد نقطتين إضافيتين على خريطة نفوذ المجلس الانتقالي. حضرموت تحديداً، بمساحاتها الشاسعة وحقولها النفطية وعلاقاتها التاريخية مع المجتمع السعودي – كثير من العائلات البارزة في المملكة تعود جذورها إلى هناك – تُعد منطقة حساسة. المهرة، بمحاذاتها لسلطنة عُمان وامتدادها إلى بحر العرب، ظهرت مراراً في دراسات عن مشاريع أنابيب نفط وغاز محتملة من الخليج إلى المحيط بعيداً عن مضيق هرمز.
حين تتقدم قوات مرتبطة بكيان انفصالي ومسنودة من دولة خليجية أخرى في هاتين المحافظتين، على تماس مباشر مع الحدود السعودية، يصبح الأمر في نظر الرياض أكثر من إعادة رسم نفوذ داخل اليمن؛ يصبح إعادة تركيب لخريطتها الأمنية والاقتصادية نفسها.
ليس مستغرباً في هذا السياق أنْ يصف فارع المسلمي، الباحث المتخصص في شؤون اليمن والخليج في “تشاتام هاوس”، ما حدث بأنه “تجاوز للخطوط الحمر السعودية”، محذّراً من أنّ الأسوأ من استفزاز الرياض هو إحراجها علناً، وهو ما حدث في نظره حين تجاهل المجلس الانتقالي تحذيراتها العلنية من التقدم في حضرموت.
غارة المكلا وإنذارات الرياض
رد الفعل السعودي كان حادّاً. كشف المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، أنّ سفينتين قادمتين من الفجيرة دخلتا ميناء المكلا “من دون الحصول على التصاريح الرسمية”، وأنّ طاقميهما عطّلا أنظمة التتبع قبل إنزال “كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية” دعماً لقوات المجلس الانتقالي. الغارة الجوية التي استهدفت جزءاً من تلك الشحنة لم توقع ضحايا، لكنّ رمزية الضربة كانت أوضح من أيّ توضيح، التحالف الذي تقوده السعودية مستعد هذه المرة لضرب ما يراه “دعماً عسكرياً خارجياً” لحليف سابق.
أبوظبي نفت الاتهامات، تحدّثت عن “ادعاءات” ينبغي التعاطي معها بمسؤولية، وأعلنت من جانبها إنهاء “ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها”، في محاولة واضحة للفصل بين حضورها السابق كجزء من التحالف، وبين صورتها الحالية كداعم لقوى محلية.
الولايات المتحدة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الطرفين، اكتفت بالدعوة إلى “ضبط النفس” عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو، مثنية في الوقت نفسه على “القيادة الدبلوماسية” لكلّ من السعودية والإمارات، في صياغة تعكس حرج واشنطن من الانحياز إلى نزاع بين اثنين من أهم شركائها في المنطقة.
على الأرض، تحدث مسؤولون يمنيون عن حشد أكثر من 15 ألف مقاتل على طول الحدود مع السعودية، بدعم وتمويل سعوديَّين، دون أوامر تحرك حتى الآن. السيناريو الذي يلوح في الأفق – وإن لم يحصل بعد – هو مواجهة محتملة بين قوات حكومية يمنية مدعومة من الرياض، وقوات المجلس الانتقالي التي حاربت لسنوات إلى جانب التحالف نفسه بدعم من أبو ظبي.
معادلات تحكم الخلاف السعودي–الإماراتي
ما يحدث اليوم في حضرموت والمهرة ليس قطيعة كاملة بين السعودية والإمارات، لكنه يعرّي خطوط التصدع العميقة في شراكتهما. فإلى جانب كل ما راكمتاه من استثمارات متبادلة وتنسيق أمني على مدى عقد، يقف الطرفان الآن أمام ثلاث معادلات يصعب التوفيق بينها بسهولة.
الأولى، تتعلق بوحدة اليمن من عدمها. الرياض، برغم تأييدها لمبادرات تقاسم سلطة فضفاضة، لا تزال ترى في تقسيم اليمن رسمياً خطراً إستراتيجياً، شمالٌ في قبضة الحوثيين المتحالفين مع إيران، وجنوبٌ في قبضة كيان انفصالي مسلّح تحوم فوقه أعلام دولة سابقة وأعلام دولة خليجية شقيقة. أبو ظبي، في المقابل، تبدو أكثر راحة مع فكرة “يمنَين”، شمال مستقر نسبياً تُدار العلاقة معه ببراغماتية، وجنوب يمكن التعامل معه كشريك أمني – اقتصادي متجانس مع مشروعها.
الثانية، تتعلق بمن يمسك بمفاتيح البحر والساحل. بالنسبة للإمارات، استمرار نفوذها في موانئ اليمن وجواره جزء من شبكة أوسع تمنحها ثقلاً خارجياً يفوق مساحتها. بالنسبة للسعودية، أيّ شريط ساحلي جنوبي تتحكم فيه قوى قريبة من أبوظبي – خصوصاً إذا ما تداخل مع مشاريع أنابيب وممرات تجارية جديدة – يحدّ من قدرتها على إعادة هندسة جغرافيتها الاقتصادية كما تخطط “رؤية 2030”.
الثالثة، تدور حول من سيكون “المركز” في الخليج نفسه. خلال عقدين تقريباً، لعبت دبي دور العاصمة غير المعلنة للشركات والمستثمرين الأجانب في الشرق الأوسط. الآن، تحاول الرياض عبر حوافز اقتصادية وقوانين جديدة، وعبر ضخ مئات المليارات في مشاريع عمرانية وصناعية، أنْ تنتزع جزءاً من هذا الدور. اليمن، بما يمثله من ثقل ديمغرافي وموقع على مفترق بحري، يدخل أيضاً في هذه المنافسة الهادئة على من ستكون بوابة الأسواق الإقليمية مستقبلاً.
اليمن مرآة الخليج الجديد
في هذه الأثناء، يبقى اليمنيون عالقين في قلب معادلة لا تملك أطرافها ترف التراجع السهل. بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، يعيش البلد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وقد انقسم فعلياً إلى مناطق نفوذ، شمال في يد الحوثيين، وجنوب وشرق يتقاسم السيطرة عليهما تحالف واسع الأطراف، زادته الانقسامات السعودية – الإماراتية هشاشة.
هل تنزلق الأمور إلى مواجهة كاملة بالوكالة بين الرياض وأبو ظبي على الأرض اليمنية، أم يجري احتواء التصعيد عبر تفاهمات جديدة تعيد رسم حدود النفوذ في الجنوب والسواحل؟ في الرياض، يراهن بعض المسؤولين على أنّ العلاقة المتشابكة بين الدولتين – من الاستثمارات إلى المظلة الأمنية الأميركية المشتركة – ستمنع تحوّل الخلاف إلى قطيعة. في أبو ظبي، ثمة قناعة مماثلة بأنّ لا مصلحة في مواجهة مفتوحة مع الجار الأكبر، خصوصاً في لحظة توتر إقليمي على جبهات عدة.
لكن ما بات واضحاً هو أنّ اليمن لم يعد فقط مسرحاً لحرب أهلية طويلة أو مواجهة سعودية – حوثية. إنه أيضاً، وربما أساساً الآن، المرآة التي تنعكس عليها تحوّلات عميقة في الخليج نفسه، صعود نموذجين للحكم والاقتصاد والسلطة، يتشابهان في كثير من السمات، ويتنافسان بهدوء وعين على من سيملك الممرات، وبالتالي من يملك حقّ الحلم بالمستقبل.
(*) راجع الجزء الأول بعنوان: إرهاصات الشرق الأوسط الجديد.. بوابات البحر الأحمر
(*) راجع الجزء الثاني بعنوان: لعبة الممرات البحرية.. من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي
(*) راجع الجزء الثالث بعنوان: الصراع الإماراتي السعودي.. من شرارة المكلا إلى تفكك أسطورة “محور الاستقرار”
