ترامب يُغذي الفوضى العالمية بمهاجمة فنزويلا.. واعتقال مادورو

توّج الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته على فنزويلا، اليوم (السبت)، بحملة قصف جوي وصاروخي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة ليحاكم بتهمة الاتجار بالمخدرات. ومع هذا التطور الخطير، يُدشن ترامب عهداً أميركياً جديداً من التدخلات العسكرية الهادفة إلى تغيير أنظمة الدول التي تتعارض سياساتها مع السياسة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.. وربما أبعد.   

في لحظة عالمية تتوجه فيها الأنظار إلى مناطق نزاع أخرى في العالم، من أوكرانيا إلى غزة وجنوب اليمن والسودان وإيران والصين وتايوان، وجّه ترامب ضربته لفنزويلا، سعياً منه لاستبدال نظام عُرِفَ منذ ثلاثة عقود وأكثر، بمعارضته للسياسة الأميركية في أميركا الجنوبية وتحالفه مع كوبا وروسيا والصين وإيران.

فرضت القوات الأميركية منذ أيلول/سبتمبر الماضي حصاراً بحرياً على فنزويلا، يفوق ذاك الذي فرض على كوبا إبان أزمة الصواريخ السوفياتية عام 1962، وتعرضت عشرات الزوارق قبالة السواحل الفنزويلية في الكاريبي لضربات جوية من سلاح الجو الأميركي، بزعم نقلها مخدرات، ما أسفر عن مقتل نحو مئة شخص، في عمليات تصفية خارج القانون، أثارت استياء الأمم المتحدة ودول أوروبية. وتطور الحصار الأميركي إلى فرض حظر على الرحلات الجوية إلى فنزويلا، ومصادرة ناقلتي نفط. وفي 22 كانون الأول/ديسمبر الماضي، هدّد ترامب بنقل الضربات إلى البر الفنزويلي، مكرراً مطالبته مادورو بالتنحي، متهماً إياه بتزعم “كارتيل” مخدرات، كما اتهم فنزويلا بسرقة نفط وأراضٍ أميركية. وفي الأول من كانون الثاني/يناير الجاري، عرض الرئيس الفنزويلي، بلا جدوى، تقديم تنازلات لترامب، واقترح إجراء مباحثات تتعلق بتجارة المخدرات.

ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة بشكل أحادي في أميركا اللاتينية. وإبان الحرب الباردة، لم تتردد في شن عمليات ضد القادة المنتخبين ديموقراطياً والحركات المناهضة للسياسات الأميركية، من بناما والأرجنتين إلى تشيلي ونيكاراغوا.

واعتقل ترامب مادورو، في سيناريو مستعاد من اعتقال الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، الرئيس البنامي السابق مانويل نورييغا عندما نزلت القوات الأميركية في بناما في 20 كانون الأول/ديسمبر 1989، بتهمة الاتجار بالمخدرات، حيث خضع للمحاكمة.

ويؤشر اعتقال مادورو إلى أن ترامب عازم على تطبيق “مبدأ مونرو” (نسبة إلى الرئيس الأميركي جيمس مونرو في القرن الـ19)، الذي رفض أي تدخل أجنبي (تحديداً أوروبي) في دول أميركا اللاتينية، التي اعتبرتها واشنطن حديقة خلفية لنفوذها، وهو الأمر الذي أشارت إليه وثيقة الأمن القومي الأميركي للعام 2025 التي صدرت قبل نحو شهر من الآن، باعتبارها النصف الغربي من الكرة الأرضية فضاءً حصريًا للنفوذ الأميركي، يجب أن يُطهَّر من أي منافس خارجي، لا سيما الصين وروسيا وربما إيران، مع التشديد على أميركا اللاتينية، الكاريبي، والممرات البحرية الأطلسية التي تربط غرب إفريقيا بالساحل الأميركي. وحدّدت الوثيقة مجموعة أدوات تنفيذية: إعادة تموضع عسكري بحري في الكاريبي وغرب الأطلسي، تشديد غير مسبوق على أمن الحدود والهجرة غير النظامية، وتوظيف اتفاقات التجارة والاستثمار كآليات لضبط تموضع الحكومات المحلية في مواجهة خصوم واشنطن. وثيقةٌ تعتبر “مكافحة الهجرة”، و”مواجهة الجريمة المنظمة”، و”تجفيف منابع المخدرات” وغسل الأموال”، بوصفها أدوات صراع جيوسياسي مع قوى تنافسية تعتقد واشنطن أنها تسعى لزرع نفوذها في حديقتها الخلفية.

يعني ذلك أن ترامب لا ينطلق في رغبته بتغيير النظام في فنزويلا، من حبه للديموقراطية أو غيرته على 30 مليون فنزويلي يعيش معظمهم تحت خط الفقر، وإنما تحركه مطامع اقتصادية، كون فنزويلا من الدول التي تحتوي على أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، وتالياً لن يترك الصين وروسيا تستأثران بالنفوذ في هذا البلد.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، يظهر ترامب نيات توسعية، إزاء أميركا الجنوبية، حيث طالب باستعادة قناة بناما، بذريعة أن الشركات الصينية هي التي تشغلها وتفرض رسوماً هائلة على السفنة التجارية التي تمر عبرها. ولم يتوانَ عن التهديد بإرسال قوات “المارينز” لاعتقال كارتيلات المخدرات في المكسيك. وأطلق تهديدات ضد كولومبيا أيضاً، متهماً إياها بتصدير المخدرات والمهاجرين إلى الولايات المتحدة، وأعلن مساندته للأنظمة اليمينية المتطرفة في أميركا الجنوبية ومن بينها الأرجنتين والتشيلي والسلفادور، ومؤخراً في هندوراس، ويتهم الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو “لولا” دا سيلفا، بأنه يضطهد الرئيس السابق جايير بولسانارو لأنه ينتمي إلى اليمين المتطرف.. ويؤيد ترامب!

مرة أخرى، تلجأ أميركا إلى تسوية خلافاتها مع الدول بالقوة، لتكرّس زعامة القطب الواحد على العالم، منذ انتهاء الحرب الباردة. وعندما يهاجم ترامب فنزويلا بذريعة الدفاع عن المصالح القومية الأميركية، يضعف الكثير من حججه أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي هاجم أوكرانيا قبل نحو 4 أعوام بالذريعة نفسها. وهنا لا يعاد يُسأل ترامب عن سبب تأييده لمطلب بوتين بضم إقليم دونباس في شرق أوكرانيا

وعلى رغم أن ترامب سبق له وأن ندّد بأسلافه الذين اعتمدوا سياسات تدخلية في العالم، فإنه يسير على خطاهم. وبعدما قصف المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان خلال الحرب الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو الماضي، فإن الرئيس الأميركي كرّر قبل يومين تهديده للنظام الإيراني من مغبة قتل المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي تشهدها مدن إيرانية منذ أيام على خلفيات مطلبية. والأسبوع الماضي، كرّر ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقف إلى جانبه في فلوريدا، تهديده بإرسال “قاذفات بي-2” إلى إيران، في ما لو اكتشفت واشنطن أن طهران قد عاودت العمل ببرنامجها النووي.

إقرأ على موقع 180  "رسالة إيرانية" إلى تل أبيب وعمّان.. من التنف!

وربما ليس صدفة أن يختار رئيس الولايات المتحدة الانقضاض على مادورو، في تاريخ رمزي صادف مرور ست سنوات بالضبط على اغتياله قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني في بغداد.. ولطالما، ربط ترامب بين النظامين في فنزويلا وإيران.

مرة أخرى، تلجأ أميركا إلى تسوية خلافاتها مع الدول بالقوة، لتكرّس زعامة القطب الواحد على العالم، منذ انتهاء الحرب الباردة. وعندما يهاجم ترامب فنزويلا بذريعة الدفاع عن المصالح القومية الأميركية، يضعف الكثير من حججه أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي هاجم أوكرانيا قبل نحو 4 أعوام بالذريعة نفسها. وهنا لا يعاد يُسأل ترامب عن سبب تأييده لمطلب بوتين بضم إقليم دونباس في شرق أوكرانيا. وقد ينسحب الأمر كذلك على الصين في تعاملها مع جارتها تايوان. ومراراً، اشتكى ترامب من صغر حجم إسرائيل على الخريطة، وكأنه يؤيد اقدامها على اقتطاع أجزاء من الدول المجاورة لها.

ما تجدر ملاحظته، أن روسيا والصين اكتفتا في الأشهر الأخيرة بإبداء التعاطف اللفظي مع مادورو، من دون أي جهد ملموس لدعم فنزويلا في مواجهة الحملة الأميركية، وهذا ما يثير التساؤل حول المقابل الذي قد تكون حصلت عليه الدولتان. وعند الحديث عن روسيا يتبادر إلى الذهن أوكرانيا، وعند الحديث عن الصين تقفز تايوان إلى الواجهة.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": إحتمالات الاتفاق الأميركي الإيراني باتت ضئيلة