في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تناولتُ أبرز المشاريع التي تعمل عليها قطر في لبنان، والتي سيتمّ الإعلان عنها في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والطاقة والغاز، في سياق سلسلة مقالات بعنوان «المساعدات العربية في لبنان». أما في هذا المقال، فأضع بين يديّ القارئ مشاريع جديدة ستعلن عنها قطر في المرحلة المقبلة، وأضعها في سياق مقاربة قطرية مؤطَّرة للشأن اللبناني، تخاطب الدولة اللبنانية ومؤسساتها؛ فالدور القطري في لبنان ليس جديدًا، وقطر لم تغب عن الملف اللبناني تحديدًا منذ ما بعد حرب العام 2006 وصولًا إلى يومنا هذا. غير أن ما برز بشكل أكثر وضوحًا في المرحلة الحالية، ويستحقّ التوقف عنده، هو التحوّل في طريقة مقاربة الملف اللبناني، لا من زاوية «ماذا سيُقدَّم للبنان»، بل من زاوية «كيف يُدار الدعم، وتحت أي سقف سياسي».
في البداية ثمة إشارة إلى أن الدولة القطرية تستعد للإعلان عن مرحلة جديدة من الدعم للبنان في قطاعات مختلفة سيذكرها هذا المقال، تبدأ بإعادة الإعمار وقضية إعادة اللاجئين السوريين في لبنان إلى بلادهم، مرورًا بدعم الجيش وقطاعي الصحة والتعليم. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه المبادرات التي يجري التحضير للإعلان عنها عن تقاطعات دولية وعربية، بل هي عناصر مترابطة في معادلة واحدة عنوانها تثبيت الحدّ الأدنى من الدولة، من دون الانزلاق إلى إدارة خارجية كاملة لأزمتها. ومن هنا، لا يصبح السؤال ماذا ستقدّم قطر للبنان فحسب، بل كيف يُعاد تعريف الدعم الخارجي في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، وما الذي يكشفه ذلك عن موقع لبنان في الحسابات الإقليمية والدولية المقبلة.
إعادة الإعمار.. أداة للضبط
بعد نتائج الحرب الأخيرة والمرحلة السياسية الانتقالية التي يمرّ بها لبنان، تحوّلت قضية إعادة الإعمار في جنوب لبنان إلى أداة سياسية–أمنية تُدار بدقّة في مرحلة ما بعد الحرب. فقد أظهرت التجارب السابقة أن ضخّ الأموال من دون إطار إشرافي واضح، ومن دون ربط الإعمار بسؤال الاستقرار والحوكمة، لم يؤدِّ إلا إلى إعادة إنتاج الهشاشة نفسها، وربما إلى تكريس وقائع ميدانية جديدة خارج سلطة الدولة، وهو ما يفسّر قرار دول صديقة للبنان، وتلعب دورًا تاريخيًا فيه، التريّث قبل الإقدام على أي خطوة إلى حين بدء الإصلاحات المرتقبة والمتوقّعة من الدولة اللبنانية بتركيبتها التي نشأت إثر انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتعيين نواف سلام رئيسًا للحكومة..
في هذا السياق، لا يمكن فصل الحديث عن إعادة إعمار الجنوب عن المقاربة الدولية الأوسع لإدارة مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. وتشير المعلومات إلى أن قطر ستعلن رسميًا، من خلال مسؤول الملف اللبناني الدكتور محمد الخليفي، موافقتها الرسمية على تمويل إعادة إعمار ما هدمته الآلة الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على لبنان. وقد يعيد هذا الخبر القارئ إلى دور قطر في إعادة إعمار الجنوب عام 2006، لكن ما يختلف هذه المرة، وبحسب المعلومات، هو أن شركات أميركية ستتولى تنفيذ أعمال إعادة الإعمار في الجنوب، بناءً على طلب وتوجّه أميركيين. ويعكس هذا المعطى تحوّلًا في طريقة مقاربة الملف اللبناني.
كما يكشف هذا المعطى عن إشكالية تهدّد صورة الدولة دوليًا، إذ إن أي حديث عن دعم للبنان، أكان عربيًا أم دوليًا، لم يعد قائمًا على الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على الإدارة، ولا على التعويل على توازنات داخلية هشّة، بل على إدارة خارجية محسوبة تسعى إلى ضبط النتائج لا التدخّل المباشر. فماذا يعني ذلك بالنسبة لقطر؟ تكمن أهمية قطر في هذه العملية في دورها الضامن لمسار إعادة الإعمار ضمن الصيغة التي يتمّ رسمها دوليًا، وتحديدًا أميركيًا. وفي هذا الإطار، تكرّس هذه الخطوة قدرة قطر على العمل ضمن مقاربة أميركية من دون أن تُصنَّف كامتداد مباشر لها، ما يمنحها هامش حركة لا يتوافر لجهات عربية أخرى على الساحة اللبنانية.
تكمن أهمية الدور القطري منذ الانهيار المالي والسياسي في أن قطر ساعدت على إدارة المرحلة الانتقالية، إذا صحّ التعبير، ومنع الانهيار الكامل للمؤسسات، لكنها لا تشكّل بديلًا عن وجود الدولة، وهو ما تشدّد عليه القيادة القطرية بوضوح. فالاختبار الضروري والأكبر للبنان، يكمن في كيفية استفادة الحكم الحالي من هذا الدعم لتحويل المبادرات إلى سياسة عامة مستدامة ومسار مؤسساتي
قطر لإعادة 400 ألف نازح سوري
ويُشكّل ملف النازحين السوريين أحد أبرز القضايا الإشكالية في لبنان، لما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية. فإضافةً إلى فشل الدولة اللبنانية في حلّ هذا الملف وتأمين عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، لغياب أي خطة واضحة بسبب الانقسام السياسي والطائفي، فضلًا عن الفساد السياسي والمالي في هذا الملف وغياب القدرة المؤسساتية، يرتبط هذا الملف بعوائق سياسية وأمنية إضافية، أبرزها الخلاف مع الدولة السورية الجديدة حول الشروط السياسية التي يطلبها النظام الجديد قبل حلّ هذا الملف، وتحديدًا مسألة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية.
في هذا الإطار، تشير المعلومات إلى أن قطر بصدد الإعلان عن مبادرتها لتأمين عودة 400 ألف نازح سوري إلى بلادهم، بعد التوصّل إلى تسوية مع الدولة السورية يتمّ بموجبها فصل هذا الملف عن قضية الموقوفين، وبعد تأمين تمويل مستلزمات العودة عبر الأمم المتحدة، والذي بلغ حتى الآن نحو 20 مليون دولار أميركي.
ماذا تعني هذه المبادرة؟
عمليًا، مع الإعلان عن هذه المبادرة، تكون قطر قد نجحت في نقل ملف النازحين من حالة الاشتباك السياسي المفتوح إلى إدارة أممية بشراكة قطرية–عربية. ويُقرأ الدور القطري هنا كعامل تسهيل لتذليل العقبات والعُقَد السياسية والمالية التي حالت طويلًا دون تطبيق أي مسار عملي، وهي خطوة تندرج ضمن إطار أوسع لإعادة هندسة الاستقرار، حيث تتمّ معالجة أحد أكثر الملفات تفجيرًا سياسيًا وأمنيًا، وتمهّد لتسهيل الحوار وإنضاج التسوية مع الدولة السورية حول استكمال هذا الملف لاحقًا، كما القضايا الخلافية الأخرى.
الجيش رمز الحدّ الأدنى من الدولة
منذ انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية والقطاع المالي والمصرفي عام 2019، دخلت قطر على خطّ دعم الجيش اللبناني، بدءًا من دفع الرواتب وصولًا إلى تأمين الفيول وغيرها، حتى يومنا هذا، وذلك تحت عنوان «دعم مؤسسات الدولة اللبنانية». إقليميًا ودوليًا، لا يُنظر إلى المؤسسة العسكرية كمؤسسة أمنية فقط، بل كآخر أعمدة الدولة القادرة على الصمود في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي. ومن هنا، فإن استمرار الدعم القطري للجيش اللبناني يضع الدوحة في موقع الدول القليلة التي حافظت على خط دعم ثابت لمؤسسات الدولة، بمعزل عن تقلّبات السياسة اللبنانية وتفككها وإخفاقاتها.
وفي هذا الإطار، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الدعم المستمرّ يهدف إلى منع الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة، وبالتالي منع الفراغ، من دون الانخراط في صراعات السلطة أو إعادة إنتاج الانقسامات.
وبحسب المعلومات، فإن قطر، بالإضافة إلى مساعداتها المالية والعينية المستمرّة، ستعلن عن حزمة جديدة من المساعدات العسكرية، وتحديدًا تأمين 114 آلية عسكرية لاستخدامات مختلفة، كان الجيش اللبناني قد أعلن حاجته إليها لاستكمال مهامه في الجنوب، ولتأمين القدرة التقنية واللوجستية لتكريس حضوره وتعزيز قدراته العسكرية.
وتشير المصادر إلى أن قطر تأمل أن تنضمّ دول عربية أخرى إلى مسار إعادة الإعمار في الجنوب، ولا سيّما المملكة العربية السعودية، وبخاصة بعد دخول الرياض على الخط مباشرة مع الجانبين الأميركي والفرنسي، والدور المباشر الذي تؤديه في هذا الملف، لا سيّما من خلال تنظيم المؤتمر المرتقب لدعم الجيش اللبناني في غضون الأسابيع المقبلة.
وفي سياق آخر، لا يمكن متابعة الدور القطري في لبنان حاليًا بمعزل عن وجود تقاطع نادر تستفيد منه الدوحة لتعزيز موقعها القائم أساسًا. ويقوم هذا التقاطع على قبول أميركي، إذ ترى الولايات المتحدة الأميركية في قطر شريكًا قادرًا على إنجاز مقاربات عديدة من دون ضجيج سياسي، سواء في إعادة الإعمار أو في الملفات الحساسة، فضلًا عن غطاء عربي وقدرة على العمل على الساحة اللبنانية من دون أن تُصنَّف الدوحة مع أي طرف لبناني. وإذا أردنا توصيف هذا الدور، فهو منع الانهيار من دون وصاية على الدولة اللبنانية.
في الختام، تعمل قطر على دعم مؤسسات الدولة في لبنان، ولا بدّ من الإشارة إلى وجود حراك عربي كبير وملفت للانتباه تجاه لبنان سأتناوله في مقالات لاحقة. غير أن كل هذه المبادرات تدلّ على واقع الدولة اللبنانية الخطير المستمرّ منذ عقود. وتكمن أهمية الدور القطري منذ الانهيار المالي والسياسي في أن قطر ساعدت على إدارة المرحلة الانتقالية، إذا صحّ التعبير، ومنع الانهيار الكامل للمؤسسات، لكنها لا تشكّل بديلًا عن وجود الدولة، وهو ما تشدّد عليه القيادة القطرية بوضوح. فالاختبار الضروري والأكبر للبنان، يكمن في كيفية استفادة الحكم الحالي من هذا الدعم لتحويل المبادرات إلى سياسة عامة مستدامة ومسار مؤسساتي، وإلّا فإن البقاء في حلقة إدارة الأزمات سيؤدي إلى إعادة إنتاج هذه الأزمات نفسها.
