مصر الغائب.. الحاضر في مونديال العرب

من دلالات مونديال 2022 ثبات موقع الساحرة المستديرة عند المصريين بالرغم من سنوات منع حضور الجماهير وتجميد النشاط الرياضي وقبلها التحريم بصيغة سلفية تفشت منذ مطلع الألفية، وصولاً للإغلاق وقت جائحة كورونا.

مونديال العرب بدون منتخب مصر، لا يعني غياباً مصرياً تاماً عن البطولة الكروية الأهم؛ لا سيما مع السماح بالذهاب إلى قطر لحضور مباريات البطولة بعد سنوات من التضييق لدواعِ سياسية وأمنية، غير أن ذلك لا يحجب التحسر على عدم تأهل منتخب مصر لتحقيق منجز تاريخي يتمثل في الوصول إلى كأس العالم للمرة الثانية على التوالي، ليحل محله اخفاق فضائحي ظهر في مشوار التصفيات الذي شهد أخطاء تنظيمية وتدريبية كشفت عن فساد مزمن يحول دون اعتياد التأهل للبطولة، ويعيد سردية الحظ السيء والنحس واللعنات إلخ من مبررات فشل القائمين على المنتخب والمنظومة المصرية الكروية ككل.

استراحة مونديالية من الكرة المحلية

بالمبدأ، يُمثل المونديال وأي حدث كروي – على مستوى المنتخبات أو الأندية – لجمهور الكرة في مصر ليس فرصة للإستمتاع بالساحرة المستديرة بل مناسبة لنبش صراعات وهمية؛ فمثلاً تصبح تصريحات إعلامي رياضي أو مسؤول في أحد الأندية هي الأبرز في المشهد الكروي وليس نتيجة المباريات أو مستويات اللاعبين، وهو ما يُبرز الصراعات الفردية والضيقة بين شبكات المنظومة الرياضية والكروية ومعاركها الاستقطابية البعيدة عن كرة القدم.

فاستمرار الوجوه والأسماء وعقلية “الفهلوة” والاستثمار في الجهل فيما يخص كرة القدم، يعني أن المنظومة الرياضية والكروية في المحروسة ليست بخير؛ فعلى مستوى الأندية واتحاد كرة القدم بقي الحال في “الجمهورية الجديدة”، كما هو عليه منذ أيام حسني مبارك، بالوجوه نفسها والأداء نفسه والإدارة نفسها، وفق النمط المباركي بكل ما يحمله في طياته من فساد واستهتار وتلاعب ومحاصصة وسمسرة، بحيث يكون في آخر سلم أولويات القائمين على اللعبة وصول المنتخب الوطني للمونديال مثلاً، لمصلحة الاستفادة المادية والشخصية إلى الدرجة التي يتمنى فيها كابتن المنتخب سابقاً وبشكل علني الفشل للمنتخب الحالي لتمطيط “انجاز” التأهل لمونديال 2018 إلى أقصى مدة ممكنة على غرار هدف مجدي عبد الغني في مونديال 1990.

هذا التغول في شهوة الفساد في المنظومة الكروية المصرية، جعل من ورقة رابحة مثل المحترفين من اللاعبين المصريين في الدوريات الأوروبية، وعلى رأسهم محمد صلاح، بلا قيمة. لنأخذ مثل مونديال روسيا 2018 وكيف تم تحويل معسكر المنتخب إلى ملتقى كرنفالي مفتوح لمن يدفع أكثر لكي يلتقط صورة مع نجم الفريق وتوقيعه، وليس الاستعداد والتحضير للمباريات!

هذا الماضي القريب والحاضر الذي تدهور أكثر، جعل مونديال 2022 فرصة للابتعاد عن ضجيج بلا طحين غير متعلق برياضة كرة القدم أصلاً، بل باستمرار كيانات فردية واعتبارية طفيلية، جعلت من التردي السابق “صناعة” قائمة على الشحن والتجييش عبر الاعلام التقليدي والاجتماعي، الذي أصبح في سياقه المصري لا يمت للرياضة بصلة. وهو ما ينسحب على معظم نواحي الحياة، حيث يمثل شهر المونديال استراحة نسبية من متابعة مشهد إعلامي مشحون بما يغطي على تبعات الحرب الروسية -الأوكرانية المعيشية والاستعاضة عنها ولو لشهر فقط بمتابعة مباريات كأس العالم.

على أن مونديال 2022 ومثلما شكّل فرصة لاستعادة جمهور كرة القدم في مصر متعة المتابعة والتشجيع لأهم حدث كروي، فأن هذه الفرصة صاحبها إحساس بمرارة تفويت الفرص واهدارها بالفساد والمحسوبية؛ سواء كان ذلك عبر متابعة مشوار المنتخبات العربية والإفريقية، التي حظيت بمشوار تأهل وتأهيل فني وتدريبي كان من الممكن توافره مصرياً بسهولة، مثل تضييع فرصة التعاقد مع مدرب أجنبي محترف كالفرنسي هيرفي رينارد، قائد الفوز السعودي التاريخي على الارجنتين، أو مع مدرب مثل مدرب المنتخب المغربي وليد الراكراكي، بدلا من سلسلة من المدربين المتواضعين ممن تم تفضيلهم بسبب عائد السمسرة والعمولات تارة وبحجة عدم توفر دولارات في خزينة اتحاد الكرة تارة أخرى، أو اللحاق بمجموعة سهلة نسبياً مثل مجموعة منتخب السنغال، التي شهدت كواليس مباراة التصفيات الأخيرة معها تفاصيل يندى لها الجبين التنظيمي والتدريبي خجلاً لكل منظومة الكرة المصرية، ولاحقاً هزيمة المغرب لبلجيكا، واعتبارها من جانب معتبر من المصريين موازية لهزيمة المنتخب الأوروبي أمام المنتخب الوطني في مباراة ودية قبيل انطلاق المونديال!

مع قرب إسدال الستارة على مونديال قطر 2022، فإن الكثير مما سبقه، في حياة المصريين، لن يختلف عما بعده، سواء في الأوضاع المعيشية أو فيما يخص المشهد الكروي المحلي الفضائحي. المحصلة التنظيمية والكروية التي يستخلصها المصريون من مونديال العرب، تجعل هناك علامات استفهام كبيرة فيما يخص الكرة المحلية وكيفية الخروج من مستنقع الفساد الواقعة فيه منذ عصر مبارك

حضور وتشجيع ومتغيرات السياسة

“داخلين كاس العالم بالـ memes”، جملة يتداولها الكثير من جمهور كرة القدم ومحبيها منذ افتتاح البطولة، تُعبر عن مشاركة مصر الحتمية في مونديال العرب حتى وإن غاب منتخبها الأول عن المشاركة؛ فسواء كان الحضور في المدرجات أو أستوديوهات التحليل أو على الشبكات الاجتماعية، فإن التشجيع المصري للمنتخبات العربية تميز عن غيره كونه الأوفر عدداً والأعلى صوتاً والأكثر فكاهة والأهم الأكثر تعبيراً عن حس وحدوي عربي غاب كثيراً خلال العقود الأخيرة.

وشكل الحضور الكثيف للمصريين في مدرجات الملاعب القطرية إنعكاساً للمتغيرات السياسية الإقليمية خلال العامين الماضيين، ومن ثم فإن وجود المشجعين والرياضيين والمشاهير من المصريين في المدرجات والشاشات القطرية تجاوز ثنائيات الاستقطاب السياسي المهلك في السنوات الماضية، لأفق عربي أرحب تجسد في مزاج تشجيعي لكل المنتخبات العربية وآخرهم المنتخب المغربي عند تأهله للمربع الذهبي قبل أن يسقط لاحقاً أمام فرنسا، وهو ما يخالف المعتاد في تشجيع المصريين للمنتخبات العالمية حسب نجومهم العالمية – ميسي وكريستيانو مثلاً- المفضلين.

أيضاً وفي سياق السياسة، لا يمكن عزل المونديال عموماً ومونديال قطر تحديداً عن السياسة ومتغيراتها، التي لا تعنى فقط بالجانب الرسمي المتمثل في صورة الافتتاح الأبرز بين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان يتوسطهما تميم بن حمد، ولكن أيضاً بتهيئة وتفعيل هذه التحولات السريعة على مستويات إعلامية وشعبية تنهي حالة الاستقطاب الإقليمية المستعرة والمصطنعة لسنوات، والتي لم تكن وجوه المشهد الكروي وإعلامه في مصر بعيدة عن التورط فيها طيلة السنوات الماضية، وهو ما يحدث حالياً بأشكال مختلفة وكذلك وجوه مختلفة، تمتد من مستويات نخبوية في استكشاف أفق استعادة العلاقات مع قطر واستفادة القطاع الرياضي في مصر -كغيره- من ذلك في المستقبل القريب.

إقرأ على موقع 180  إيران.. الحرب على مدى كاتيوشا؟  

وفيما يخص التطبيع، الذي يعني هنا التطبيع مع تل أبيب وليس الدوحة، أتت ردود فعل المصريين في قطر مماثلة لغيرهم من مواطني الدول العربية وجنسيات أخرى لرفض التفاعل مع الإسرائيليين سواء كأفراد أو إعلام؛ حيث تعويل الأطقم الإعلامية الإسرائيلية التي انتشرت في الأيام الأولى للمونديال لاختبار موجات التطبيع وفاعليتها شعبياً وما يتعلق بهذا الأمر من سياقات انتخابية استقطابية في الكيان الصهيوني، على أسبقية مصر في إبرام اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ومن ثم توقع رد فعل مغاير للرفض والاستهجان الذين قابلوا به من الجميع، ليتفاجأوا بالإصبع المصري مصاحباً لهتافات “تحيا فلسطين”.

بين الاحتكار.. والمنع

مشاهدة مباريات المونديال عبر الشاشات تعد من التحديات التي يواجهها عموم المصريين منذ مونديال 2010 على الأقل، ليس فقط لدواعي الاحتكار والسعر، ولكن أيضاً لدواعي التضييق والمنع التي تجلت في مونديالي 2014 و2018، حيث أصبح العثور على جهاز استقبال “بين سبورت” وشراءه أمراً في غاية الصعوبة، ويرفع سعره وسعر الاشتراك في باقة كأس العالم لأضعاف ما هي عليه بسبب تضييق بيعها في السوق المصري على وقع الخلافات مع قطر في السنوات الماضية، وهو ما تحايل عليه المصريون بأشكال مختلفة طيلة هذه السنوات، فبداية من شبكات البث التلفزيوني الغير قانونية، التي عرفت بـ”وصلة الدش”، حتى سيرفرات ومواقع المشاهدة المقرصنة عبر الأنترنت.

وعلى الرغم من أن التضييق السابق قد أختفى تقريباً، وتضاعف معدلات الاشتراك في باقات “بين سبورت” في السوق المصري إلى مستويات غير مسبوقة، إلا أن هذا توازى مع تضخم غير مسبوق في تفضيل شبكات وسيرفرات البث المقرصن، حتى مع انخفاض كُلفة الاشتراك الشرعي لحدود المئة دولار لفترة كأس العالم فقط، كون أن المقرصنة مجانية تقريباً، سواء كانت عبر سيرفرات “آي بي تي في”، والتي تم تمصيرها في أشكال مختلفة تتنوع ما بين شراء جهاز استقبال مبرمج سلفاً، لا يتجاوز ثمنه 20 دولاراً، يضم قنوات “بين سبورت” وغيرها من القنوات المدفوعة رياضية كانت أو غيرها، بالإضافة إلى مكتبات أفلام ومسلسلات ضخمة، أو تحميل تطبيقات البث المقرصن والمشاهدة المباشرة على أجهزة المحمول وغيرها، وهي الطريقة الأكثر انتشاراً حالياً، خاصة أنها تتجاوز تحكم أصحاب المقاهي في فرض تسعيرة لمشاهدة المباريات كما كان الحال قبل 8 سنوات.

في هذا السياق، يوضح عمر شريف (40 عاماً – فني تركيب أطباق هوائية وأجهزة استقبال) أن الفارق بين مونديال 2022 ومونديال 2014 أو حتى 2018، أن السبب الأول لانتشار سيرفرات البث المقرصن وقبلها شبكات البث التلفزيوني أن “جهاز بين سبورت غالي الثمن، وليس بمقدور معظم المصريين دفع ما يتجاوز 100 دولار لمشاهدة مباريات البطولة.. حتى كأس العالم 2002 كانت المباريات تُذاع مجاناً، وفي بطولة 2006 كان من الممكن أن تدفع ما بين عشرة إلى ثلاثين جنيهاً كل شهر نظير “وصلة دَشّْ” تشاهد بواسطتها القنوات التي تذيع المباريات وكذلك عدد لا بأس به من الأفلام والمنوعات والبرامج، وعندما أصبحت تكلفة الهوائي وجهاز الاستقبال في متناول الجميع انتهت الفكرة تقريباً. لكن مع عودة احتكار بث المباريات من جانب قناة وحيدة عادت الفكرة مرة أخرى، مع تطويرها وإيجاد بدائل موفّرة ورخيصة وشبه مجانية.. لماذا أدفع 2700 جنيه نظير تركيب جهاز استقبال القناة المُحتكرة حال توفره أصلاً، وبإمكاني في الوقت نفسه تركيب جهاز بسيط بجنيهات معدودة يقوم بنفس الوظيفة”.

من جانبه، يقول ياسر (52 عاماً – صاحب مقهى) “كأس العالم يجب أن يكون مجانياً، هذه مناسبة مفرحة تحدث كل أربع سنوات، في السابق كانت المقاهي لا تفرض رسوماً اضافية في حالة إذاعة المباريات. منذ سنوات قليلة اصبحنا نفعل العكس ونحدد تسعيرة مناسبة لمشاهدة المباراة نتيجة للاشتراك في القنوات التي تذيعها أو لتكلفة الأجهزة واشتراك الانترنت لكسر شفراتها.. في كل الأحوال لا تتجاوز خمسة 10 جنيهات للفرد”.

ما بعد المونديال

مع قرب إسدال الستارة على مونديال قطر 2022، في الساعات المقبلة، فإن الكثير مما سبقه، في حياة المصريين، لن يختلف عما بعده، سواء في الأوضاع المعيشية أو فيما يخص المشهد الكروي المحلي الفضائحي. المحصلة التنظيمية والكروية التي يستخلصها المصريون من مونديال العرب، تجعل هناك علامات استفهام كبيرة فيما يخص الكرة المحلية وكيفية الخروج من مستنقع الفساد الواقعة فيه منذ عصر حسني مبارك، خاصة أنه حتى مع الموارد الضخمة التي أنفقتها الدوحة على تنظيم البطولة، لا ينفي إمكانية أن تحظى المنظومة الكروية المصرية بحد أدنى من التنظيم والتقنية، وعلى مستوى فني وتنافسي.

باختصار ينتظر الكثير من محبي كرة القدم في مصر ما ستؤول إليه منظومة الكرة المحلية على كل المستويات التنظيمية والفنية والتنافسية، خاصة مع القفزة المهولة في الإمكانيات التنظيمية والفنيات الكروية في شمال أفريقيا والخليج. وهو ما يضع القائمين على أطر ومؤسسات كرة القدم المصرية، من أندية واتحادات ولجان، أمام أسئلة لا تصلح عقلية الإزاحة والتسويف والتضليل المباركية كإجابة لها، والتي أتت خلال الأسابيع القليلة الماضية عبر شائعات وتصريحات أطلقها مسؤولون رياضيون حول التقدم لتنظيم كأس العالم 2030 بمشاركة السعودية واليونان، وهو سرعان ما تم نفيه من جانب مسؤولي البلدين، لتبقى علامات الاستفهام والتعجب السابقة في انتظار من يجيب عنها.

Print Friendly, PDF & Email
إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بدائل دياب: فوضى.. الحريري أم حكومة عسكرية؟