دروس النكبة.. وسبل إحياء عملية السلام

عقود سبعة ونصف من الزمن ستكون قد مرت فى منتصف هذا الشهر على قيام دولة إسرائيل ١٤ مايو/أيار وذكرى النكبة ١٥ مايو/أيار فى لحظة حاملة لتحولات كبيرة وخطيرة من حيث تداعياتها المحتملة وكيفية التعامل مع هذه التداعيات من قبل كافة الأطراف المعنية.

تراجعت القضية الفلسطينية عن جدول الأولويات الإقليمية لاعتبارات تتعلق بالتطورات الصراعية المعقدة بأسبابها وبتعدد أطرافها والتشابك بينها فى إطار مصالح اللاعبين المعنيين والمنخرطين بأشكال مختلفة فى هذه الصراعات. صراعات زادت من حدة السخونة فى المنطقة. الأمر الذى جعل القضية الفلسطينية بمثابة القضية المنسية. ولا نشير إلى مخاطر ذلك من منطلق مبدئى أو تضامنى هوياتى أو قانونى دولى فحسب بل بسبب التداعيات المختلفة بخطورتها وبأوقاتها على الأمن والاستقرار فى المنطقة، كونها قضية جاذبة للتدخل والتعبئة والتوظيف باسم أيديولوجيات هوياتية أو سياسية كبرى يستطيع توظيفها كافة المشاركين فى «لعبة الأمم» فى الإقليم.

وما يساعد فى هذا الاتجاه أيضا سياسة حكومة اليمين الدينى الأصولى المتطرف فى إسرائيل. سياسة تقوم على تديين الصراع ليعبر عنها بشكل واضح وحاسم سواء على مستوى الخطاب أو فى الممارسة على الأرض، فى إسرائيل وفى الأراضى الفلسطينية المحتلة. سياسة تقوم على تهويد الأرض عبر حركة استيطانية ناشطة أسقطت الكثير من القيود التى كانت قائمة نتيجة تفاهمات أو اتفاقات سابقة للحفاظ على الوضع القائم على الأقل وبهدف عدم نسف أسس السلام التى يفترض أن يتحقق يوما. سياسة استيطانية أيضا تهدف لخلق كافة الظروف الطاردة للشعب الفلسطينى من أرضه. والجدير بالذكر أن عملية السلام التى انطلقت فى مؤتمر مدريد منذ عقود ثلاثة وأكثر صارت فى حالة موت سريرى منذ عقدين من الزمن على الأقل.

***

سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية جاءت لتعزز بشكل ناشط وقوى وحاسم نظام التمييز العنصرى ضد فلسطينيى الداخل وضد فلسطينيى الأراضى المحتلة إلى جانب أنها أيضا أحدثت فى خطابها العقائدى الدينى الأصولى شرخا فى المجتمع اليهودى والمؤسسة السياسية اليهودية فى إسرائيل، خاصة فى مجال إعادة تنظيم السلطات وموقف ورؤية الأصولية الدينية فى ذلك. إن هدف هذه السياسة شديد الوضوح إلا لمن لا يريد أن يرى: الهدف هو إقامة دولة إسرائيل الكبرى فى الجغرافيا والتاريخ والسياسة من البحر إلى النهر.
استراتيجية تقوم على تعزيز سياسة الأمر الواقع ثم قوننته بشكل تدريجى. ولا تكفى التحذيرات الدولية الكلامية من مخاطر هذه السياسة على مستقبل السلام فى المنطقة، طالما أنها تبقى دون أى فعل سياسى رادع لتلك الاستراتيجية القائمة على تعزيز الاحتلال وشرعيته داخليا، طالما يكتفى الخارج بالتحذير أو التنبيه أو الإدانة فى أقصى حد.

لا يكفى الانتقاد أو التحذير من مخاطر السياسة الإسرائيلية وتداعياتها بل يجب العمل على ردع هذه السياسة قبل فوات الأوان. إنها سياسة تؤدى إلى خلق مزيد من عناصر التوتر والصراعات فى شرق أوسط يعيش كافة أنواع الصراعات والتوترات والحروب التى تغذى وتتغذى على بعضها البعض كما نذكر دائما

كثيرون يعتبرون أن حل الدولتين اللتين تعيشان جنبا إلى جانب قد سقط نهائيا من خلال العمل الناشط والهادف إلى إلغاء كافة المقومات الأساسية الضرورية لهذا الحل. وبالتالى حسب هذه القراءة صرنا أمام حلين لا ثالث لهما. الأول يقوم على تكريس دولة إسرائيل الكبرى ذات النظام العنصرى الذى يذكر بالنظام الذى كان قائما فى جنوب أفريقيا فى الماضى. الأمر الذى سيؤدى، بعكس ما يعتقده أصحاب هذا النظام، إلى حرب أهلية مستمرة، وتحديدا من خلال انطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة مختلفة فى حجمها وامتدادها الجغرافى وطبيعتها عن الانتفاضتين السابقتين. فلا إسرائيل قادرة أن تفرض الاستقرار والتطبيع وبالتالى إقامة سلمها حسب هذه الاستراتيجية من جهة، ولا الشعب الفلسطينى قادر وحده من جهة أخرى أن يفرض على إسرائيل التراجع كليا عن أهداف هذه السياسة وإسقاطها كخيار قائم. فنحن أمام ما يعرف «بالنزاع الاجتماعى الممتد» القابل للتصعيد والتخفيض فى حدته ولكن لا يؤدي للحل حسب ما هو مطروح.
الحل الثانى هو الدولة الواحدة أيضا بين البحر والنهر ولكنه نقيض للحل الأول، إذ يقوم على مفاهيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان والتى هى بالتالى نقيض لدولة إسرائيل وللفلسفة التى قامت عليها. وقد طرحه البعض فى الماضى وعاد آخرون لطرحه حاليا. ولكن يبقى ذلك الحل برغم جاذبيته الأخلاقية والقيمية والسياسية أمرا مستبعدا كليا من منطلق جد واقعى إذا ما نظرنا إلى شروط قيامه: شروط تمثل نقيضا كليا لفلسفة قيام دولة إسرائيل.

***

إن أولى الشروط الواقعية للتوصل إلى التسوية الشاملة والعادلة والدائمة، حسب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والمواقف الدولية المؤيدة لتلك التسوية، ولدعم هذا الخيار الصعب وشبه المستحيل ولكنه الوحيد الممكن لتحقيق السلام الفعلى، يستدعى العمل على التصدى لهذه السياسة الإسرائيلية الناشطة ووقفها. وهذا ليس بالأمر السهل بالطبع ولكنه يبقى بالأمر الممكن والضرورى إذا ما توافرت النية والإرادة عند الفاعلين على الصعيد الدولى، والمعنيين بتحقيق الاستقرار الفعلى فى المنطقة الذى هو لمصلحة الجميع. وتبقى هنالك مسئولية عربية أساسية للمبادرة والتنسيق مع الأطراف الدولية الفاعلة والمعنية، بغية الدفع بهذا الاتجاه.
فلا يكفى الانتقاد أو التحذير من مخاطر السياسة الإسرائيلية وتداعياتها بل يجب العمل على ردع هذه السياسة قبل فوات الأوان. إنها سياسة تؤدى إلى خلق مزيد من عناصر التوتر والصراعات فى شرق أوسط يعيش كافة أنواع الصراعات والتوترات والحروب التى تغذى وتتغذى على بعضها البعض كما نذكر دائما.
فهل يستفيد المعنيون من دروس وعبر التاريخ البعيد والقريب فى هذا الصدد للتحرك الأكثر من ضرورى لوقف هذه السياسة وإعادة إحياء فعلى ولو بشكل تدرجى لعملية السلام فى المنطقة. سؤال لا بد من الإجابة عليه قبل فوات الأوان.

إقرأ على موقع 180  بلينكن.. وزيراً لخارجية إسرائيل

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
ناصيف حتي

وزير خارجية لبنان الأسبق

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  توازنات الإقليم الجديدة.. و"الحل السوري" المطلوب؟ (3/1)