سوريا ومبادرة “خطوة بخطوة”.. المُحدّدات والمسارات المحتملة

قال المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون لصحيفة "الشرق الأوسط" (29-1-2022) أن لدى الأطراف الأساسية في الحرب السورية "شعورٌ بضرورة اختبار شيء جديد"، وأنهم "مستعدون للانخراط" في مبادرة "خطوة بخطوة" للحل/التسوية في سوريا؛ رافعاً سقف التوقعات حيالها.

يفتح كلام غير بيدرسون الباب أمام سيل من التأويلات والتقديرات، التي ذهب بعضها للحديث عن أن المبادرة هي محاولة لـ”تغيير النمط”، من دون تغيير كبير في الرهانات والأهداف العميقة، ومن دون استعداد للقيام بمقتضى المبادرة نفسها، ومن ثم فقد تكون ـ من هذا المنظور- “استمراراً للحرب، إنما بوسائل أخرى”.

لكن الأمور تتجاوز مجرد الرغبة في تجريب طرح جديد حول الحرب، إلى مستوى الحاجة والضرورة، ذلك أن ثقل الأوضاع والتداعيات يفوق قدرة السوريين على تحملها، ويخلق أزمات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة على سوري وتهدد أمن الإقليم والعالم. وهذا ما يجعل السوريين والمعنيين بالحدث السوري في حالة ترقب لأي مبادرات أو تطورات، يؤمل منها أن تدفع بالأمور نحو الحل/التسوية.

لكن، هل ان مبادرة “خطوة بخطوة”، هي مباردة أو طرح جديد، وما صلتها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وأي إكراهات أو عقبات قائمة أو محتملة أمامها، وكيف تقرأها دمشق، وما المواقف والاتجاهات حولها، وما المسارات المحتملة؟

المشكلة، بالنسبة لأطراف الحرب، أن المبادرة صيغت بطريقة يصعب معها رفضها، كما يصعب قبولها، إذ ان إكراهات الحدث، وثقل تداعياته، ومخاطره، وضعت مختلف الأطراف، وخاصة دمشق، في موقف صعب، فهي بحاجة لـ”نجاح” المبادرة، بقدر حاجتها لـ”إخفاقها”! كيف؟ هذا ما تحاول الورقة قراءته.

تتألف الورقة من مقدمة وثمانية محاور: أولاً- مقدمات وتراكمات، ثانياً- الفكرة والأطر المرجعية، ثالثاً- في المحددات، رابعاً- المواقف والاتجاهات، خامساً- الإكراهات، سادساً- موقف دمشق، سابعاً- المسارات المحتملة، ثامناً- الإشارات والتنبيهات، وخاتمة.

أولاً؛ مقدمات وتراكمات

تواصل روسيا والولايات المتحدة ـ بلا انقطاع – مداولاتهما حول الحدث السوري، وذلك بهدف “احتواء” أي تطورات “غير مرغوب فيها”، ورسمتا حدوداً وسقوفاً للسياسات والمواجهات العسكرية، لا يمكن تجاوزها[1]؛ كما تواصل روسيا جهوداً مستمرة مع أطراف مثل: الأردن ومصر والسعودية والبحرين وقطر، وكل من تركيا وإيران في إطار عملية استانة، من أجل الحل/التسوية في سوريا.

وتواصل الإمارات ـ بإصرارـ الدفع بملف “الانفتاح العربي” على دمشق؛ ودخل العراق على خط المداولات والوساطات وتيسير حوارات بشأن الحرب السورية، مثل الحوار بين دمشق وأنقرة، أو على صلة بها، مثل الحوار بين طهران والرياض[2].

وقام الأردن بطرح نسخته من مبادرة “خطوة بخطوة”، بصيغة “لا ورقة”[3]، وتم مناقشتها مع رؤساء الولايات المتحدة وروسيا، ودول الخليج العربية والعراق ومصر، وعدد من الدول الأوروبية، مقدماً مبررات براغماتية تنبع من مدارك المصلحة والأولويات الأمنية والاستراتيجية، وعلى مبدأ: “المبادرة-الاستجابة”.

اتسم حراكُ الأردن (وقبله الإمارات)، بقدر كبير من الواقعية، وانطلق من ضرورة القيام بـ”انفتاح” على دمشق، كخطوة أولى “تجريبية” أو “اختبارية”، وكمؤشر على حسن النوايا، قبل الدخول في مداولات معمقة معها بشأن المبادرة ككل، لأن ذلك يساعد ـ من هذ المنظور- على تلقي المبادرة، ويعزز الثقة بجديتها، ويزيد من فرص نجاحها.

مثلت المبادرة أو الـ”لا ورقة” الأردنية تكثيفاً لتحولات وتطورات وتراكمات في الحدث السوري، أهمها القناعة بأن اسقاط النظام السياسي غير ممكن، بوجود داعميه روسيا وإيران وحزب الله، ومِثلُ ذلك العودة بسوريا إلى ما قبل 2011؛ وان استمرار الأوضاع من دون حل/تسوية، ينطوي على مخاطر متزايدة، لسوريا والإقليم والعالم.

القناعة الأهم، هي أن “الإدارة المنفردة” للحدث/الحرب هي أمر غير ممكن، ولا بد من الدخول في عملية حل/تسوية على أسس يمكن التوافق حولها، تتضمن تنازلات متبادلة، وإجراءات بناء الثقة، بما يتجاوز الحدث السوري نفسه، إلى تداخلاته الإقليمية والدولية، وبالطبع رهانات ومصالح مختلف الأطراف الفاعلة فيه.

ثمة حديث عن “ملاحق سرية”[4]، واشتراطات ومطالبات حول العلاقة بين سوريا وإيران، والنفط والغاز، والأمن الإقليمي، والتطبيع الخ.. وهي أمور يترتب عليها التزامات بعيدة المدى، تجعل من مجرد الدخول في حديث حولها مسألة بالغة الصعوبة، بالنسبة لمختلف الأطراف، وخاصة دمشق.

يتعلق الأمر بمستويات رئيسة من “المبادرة” أو “الخطاب” حولها:

  • الأول يرتبط بالواقع الراهن، وحالة الجمود والانسداد في سياسات الحل/التسوية، وهذا الخطاب يدور في أفق القرار 2254، واشتراطاته.
  • الثاني يرتبط بتداخلات الحدث ورهانات أطرافه الرئيسة، روسيا والولايات المتحدة، تركيا وإيران، وإسرائيل، وعدد من الدول العربية، والتي تتجاوز الحدث السوري نفسه، كما سبقت الإشارة، إلى طبيعة الدولة في سوريا، وموقعها ودورها في تحالفات واصطفافات وقضايا الإقليم والعالم.
  • الثالث هو وجود نمطين أو مستويين من “الخطاب”، الأول علني، تجده في التصريحات والزيارات والمؤتمرات الخ.. والثاني سري أو مسكوت عنه، ولو أنه يتم الإفصاح عنه أو عن جوانب منه، من خلال “تسريبات”، ذات دلالة، مثل: “ملاحق سرية”[5]، ولقاءات غير علنية بين مسؤولين سياسيين وأمنيين من سوريا وأطراف أخرى (أمريكا، السعودية، تركيا، وغيرها)[6].

ليس من المتوقع لمبادرة، لا تزال في مرحلة “العصف الذهني”، حتى لو برزت مؤشرات واقعية وميدانية عليها، أن تحل في عشرة أيام أو عشرة أسابيع أو عشرة أشهر حرباً تجاوزت العشر سنوات، بكل تداخلاتها وتعقيداتها، إلا أن طرحها مؤشر على بروز مدارك متزايدة حول الحاجة لدفع الحدث السوري على سكة الحلول/التسويات

ثانياً؛ الفكرة والأطر المرجعية

يتحدث غير بيدرسون عن “عصف ذهني” بين مختلف الأطراف، من أجل تهيئة الظروف المناسبة أو تحقيق “حد أدنى” من التوافق على أطر للحل/التسوية، على قاعدة “خطوة مقابل خطوة”، ليس بالتتابع الزمني، بمعنى أن تكون خطوة تعقبها أخرى، أو أن تكون الخطوة شرطاً للأخرى المقابلة فحسب، ولو أن هذا قد يكون شرطاً أولياً أو ابتدائياً للدخول في العملية؛ وإنما على قاعدة التوافق على مدى “إمكانية” الفكرة، وقابليتها للتلقي، وتوفر الظروف المساعدة لانطلاقها، ومن ثم استمرارها، والتوافق على الخطوات المتوازية، و”العمل الجماعي” و”التمكيني” من قبل مختلف الأطراف، وفق الية متابعة وتدقيق وتعديل الخ أيضاً.

يُقدّم غير بيدرسون تصوراً أولياً عاماً عن مراحل المبادرة من خلال: “[1] تحديد خطوات تدريجية، و[2] متبادلة، و[3] واقعية، و[4] محددة بدقة، و[5] قابلة للتحقق منها، [6] تُطبق بالتوازي، [7] بين الأطراف المعنية بالأزمة السورية [8] وصولاً إلى تطبيق القرار الدولي 2254”[7].

وقد أجرى بيدرسون مداولات كثيرة من مسؤولين من روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران، ووزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وزار دمشق مرتين[8]، والتقى “هيئة التفاوض” المعارضة. ويركز بيدرسون على تحديد “خارطة طريق”، في خطوطها العامة، والاتفاق على “خطوات تدريجية”، فهذا أقرب للتفاهم، ويساعد في المراجعة والتعديل، إذا لزم الأمر. وأن تكون قابلة للتطبيق أو متناسبة مع إمكانات وقدرات الأطراف على الالتزام بها أو تحقيقها. وواضحة، وغير قابلة للتأويل أو أقل خلافية بين الأطراف، الخ

كل ذلك “وصولاً إلى تطبيق القرار الدولي 2254″، وهذه واحدة من الإحالات المرجعية للمبادرة، إذ انها في أفق القرار المذكور، وهذا يفتح الباب أمام “مواجهات نصية” و”تأويلية” و”تفسيرية” لا حصر لها تقريباً، ويهدد بـ”إعادة إنتاج” تلك المواجهات التي شهدها الحدث السوري في جولات جنيف وغيرها، حول: ما المقصود ببنود وفقرات القرار، ومن الذي يفسر أو يوضح أو يحدد المعنى، ومن الذي يتولى حسم أو ضبط الاختلافات والخلافات حول تلك البنود..؟

وهكذا، يمكن الحديث عن مرجعيات للمبادرة تتمثل مرجعيين اثنتين: الأولى، مرجعية إطارية نصية، وهي القرار 2254، إذ أن المبادرة هي “جزء منه”، بتعبير بيدرسون، وفي أُفقه. الثانية، هي “مرجعية الواقع”، وتتمثل في خرائط السيطرة، والتفاهمات المعلنة (والمضمرة)، وأولويات ورهانات فواعل مؤثرة في المشهد مثل: روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل والإمارات والسعودية وقطر وغيرها.

ثالثاً؛ في المحددات

يمكن الحديث عن محددات أو خطوط معنى وتأثير، مثلت بيئة مناسبة لطرح المبادرة، وذلك في النقاط الرئيسة الآتية:

  • يقول بيدرسون ان “لا خلافات استراتيجية” بين أميركا وروسيا في سوريا، وإنه حصل على “دعم صلب” من مجلس الأمن الدولي ودول أوروبية وعربية، للمضي قدماً في مقاربته الجديدة “خطوة مقابل خطوة” بين الأطراف المعنية[9]. فضلاً عن أن “التوقيت مناسب للمضي قدماً في هذه المقاربة”، ولو أن الأمور ما تزال “في مرحلة العصف الفكري” حول الموضوع، ويتطلب عقد “جولات إضافية من المشاورات”.
  • تحدث بيدرسون عن “جمود استراتيجي” في الحدث السوري، وقناعة الأطراف الأساسية بأن “مرحلة العمليات العسكرية انتهت”، وان “لا طرف سيحتكر الخاتمة”، ومن ثم فإن “هناك شعوراً بضرورة اختبار شيء جديد”، كما تتكرر الإشارة.
  • ثقل الواقع وإكراهاته، والقناعة بأن أحداً لن يتمكن من تحقيق أهدافه أو رهاناته، ومن ثم لا بد من تغيير النمط، وربما تغيير المقاربات والأدوات والكيفيات، ولو ان الأمر لم يصل إلى تغيير كبير في الرؤية العميقة لمقاصد ورهانات الحرب.
  • ان صيرورة الحدث، أكبر من قدرة أي طرف من أطرافه على “الإمساك به” أو “تجاهل” ما تريده الأطراف الأخرى، ولذا فإن واشنطن تخلت عن هدف “تعيير النظام”، وأصبحت تركز على “تغيير سلوكه”. وهذا يفسر تركها الباب موارباً أمام بعض “الانفتاح العربي” على دمشق، فيما تبدي موسكو استجابة نشطة لهواجس وأولويات واشنطن، وأيضاً أطراف أخرى مثل: أنقرة وتل أبيب وغيرها حيال دمشق، وخاصة تفاعلات وتحالفات الأخيرة مع طهران.
  • ان حالة الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وان التفكير في حل/تسوية هو في أفق القرار 2254، ولو أن لكل طرف قراءته للقرار المذكور، وهذا باب فيه كلام كثير.

رابعاً؛ المواقف والاتجاهات

يمكن تركيز الاتجاهات الراهنة والمتوقعة حيال المبادرة في النقاط أو الخطوط الرئيسة الآتية:

  • التعاطي من دون إقدام أو حماسة، وهذا يمثل سمة غالبة لدى مختلف الأطراف، ربما بسبب الغموض أو عدم الثقة، إلا أن المزيد من المشاورات والعصف الذهني، قد يساعد في دفع الأمور قُدماً.
  • انتظار ما تؤول إليه الفكرة، هل تنطلق بنجاح، وتحقق تقدماً، أم تتعثر وتتراجع؟
  • الحذر في مقاربة الموضوع، وهذه سمة غالبة لدى مختلف الأطراف، لأن مجرد الإعلان عن تأييد الفكرة، ينطوي على مواقف سياسية، وله تداعيات، قد لا تُفضِّل الأطراف تقديمها “من دون شروط” أو “ضمانات”.
  • الرفض، وفيه أنماط، رفض مسبق، وهو ما أعلنته مثلاً “هيئة التفاوض” المعارضة، وتعلنه ـ إنما من خلال الخطاب الموازي والوقائع على الأرض – أطراف مثل الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي، التي تعلن موافقة ابتدائية مشروطة على المبادرة، بحسب تعبير بيدرسون، وفق تأويل محدد لها. وقد تجد مثل ذلك لدى الحكومة السورية، وهذه النقطة تتناولها الورقة في حيز آخر منها.
  • العرقلة أو الاحتواء، فقد يكون مبدأ “خطوة مقابل خطوة” مناسباً نظرياً أو من حيث المبدأ، إلا أن الاشتراطات والمضامين المطلوبة لكل خطوة، يمكن أن تمثل عوامل عرقلة واحتواء في أي لحظة. وقد تُقدم يكون ذلك أحد تكتيكات أو استراتيجيات العرقلة أو الاحتواء لدى بعض الأطراف، عندما تشعر أن الأمو لا تسير بشكل يتناسب مع أهدافها ورهاناتها.
  • ارتباطاً بالنقطة السابقة، من المحتمل أن تكون الأبعاد والرهانات والفواعل غير السورية، وبما يتجاوز الحدث السوري نفسه، لها قوامة أو أولوية في اعتبار “الخطوات” و”الخطوات المقابلة”، وفي ديناميات التحقق والمتابعة الخ.

خامساً؛ الإكراهات

يُفترض بمبادرة “خطوة بخطوة” أن تعبر عن مدارك متزايدة لدى الأطراف الرئيسة في الحرب، بضرورة التوصل إلى مقاربات جديدة، وان “الجمود” في المشهد، ربما يخلق أوضاعاً اجتماعية وسياسية وكوارث إنسانية ووقائع انقسامية وأزمات معقدة. وهذا دافع للإقدام والانخراط في أي مبادرة للحل/التسوية.

لكن الأمور لا تقف هنا، ذلك أن الجميع يدرك مدى التعقيد في المشهد، وان طول مدة الحرب، والإخفاق المستمر لمسارات الحل/التسوية، لا يبعث على الثقة بأن الأفكار والمبادرات، يمكن أن توصل إلى شيء. وهذا دافع للإحجام عن أي مبادرة.

فقدان الثقة بين مختلف الأطراف، وصعوبة تقديم ضمانات يمكن التوافق حولها، واختلاف القراءات والتقديرات حول المبادرة، بل حول أي أمر يتصل بالحدث السوري، والتداخلات الإقليمية والدولية في المشهد، إذ ان ثمة إكراهات تتجاوز الحدث السوي نفسه، والمواجهات المتداخلة و”المتمفصلة” معه، وخاصة بين كل من إسرائيل وإيران، تركيا وإيران، إيران ودول الخليج، وبالطبع روسيا والولايات المتحدة الخ.

يتطلب موقف الاتحاد الأوروبي تركيزاً خاصاً، إذ إن الاتحاد يقف بثبات ضد أي محاولة للانفتاح على دمشق. وقال وزراء خارجية دول الاتحاد لبيدرسون، “إنهم مستعدون للانخراط [في مبادرة خطوة بخطوة] تحت سقف الشروط الثلاثة “لا للمساهمة بالإعمار، لا لرفع العقوبات، لا للتطبيع قبل تحقيق تقدم سياسي”[10]، كما لو أنها “لا” في مورد “النَّعَم”.

إقرأ على موقع 180  الجنوب السوري إلى الواجهة: خاصرة التسويات الهشة

ثمة إلى ذلك، إكراهات ذات طابع إجرائي، وهي ليست محض إجرائية، ويتعلق الأمر بـ “من يبدأ أولاً”، والموضوعات التي يمكن إدراجها، وترتيب الأولويات، وهذه من الأمور التي تتطلب الكثير من المداولات و”العصف الذهني”، بتعبير بيدرسون نفسه، يفترض أن يشمل:

“المعتقلون والمختطفون والمفقودون، المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر والبناء على التقدم المحرز من خلال اعتماد قرار مجلس الأمن 2585، شروط العودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين، تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي انهارت بعد أكثر من عقد من الحرب والنزاع، والفساد، وسوء الإدارة، والأزمة المالية في لبنان، وجائحة “كوفيد – 19″، ترسيخ الهدوء في عموم سوريا وتحقيق الاستقرار، وهو بالتأكيد أمر أساسي، وفي الوقت ذاته التعاون في مكافحة الإرهاب، ثم يلي ذلك ما أطلق عليه القضايا الدبلوماسية.. هناك سلة من الأمور، وفي حال تحركنا فيها، سينعكس ذلك على حياة السوريين”[11].

أجندة طويلة، وتكاد تشمل الحدث السوري بكليته، فضلاً عن أنها خلافية إلى أبعد الحدود، كما أن لدى الأطراف ما تقوله بشأنها، وخاصة دمشق، التي لديها قراءة مختلفة للأولويات، يعرفها متابعو الحدث السوري، وخاصة جولات جنيف واجتماعات اللجنة الدستورية؛ وهذا ما يجعل المهمة بالغة الصعوبة.

يُفترض بمبادرة “خطوة بخطوة” أن تعبر عن مدارك متزايدة لدى الأطراف الرئيسة في الحرب، بضرورة التوصل إلى مقاربات جديدة، وان “الجمود” في المشهد، ربما يخلق أوضاعاً اجتماعية وسياسية وكوارث إنسانية ووقائع انقسامية وأزمات معقدة. وهذا دافع للإقدام والانخراط في أي مبادرة للحل/التسوية

سادساً؛ موقف دمشق

ترى دمشق ان الهدف العميق للمبادرة، ليس حل/تسوية الأزمة السورية، وإنما اختبار إلى أي حد أثرت الإكراهات والعقوبات على دمشق ـ وإلى حد ما حلفائها – لِتَقْبَل اليوم ما كانت ترفضه بالأمس، فهي ـ من منظور خصومها – بحاجة لأي قدر من الانفتاح وتخفيف العقوبات، ولدى أولئك الخصوم أوراق قوة عديدة، فيما تتضاءل ـ من المنظور نفسه أيضاً – قدرة حلفائها على إحداث تغيير، وتتنازعهم تقديرات ورهانات مختلفة، خاصة بكل منهم، ومنشغلون في الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب.

بالمقابل، ثمة قراءة مختلفة، ترى أن المبادرة مدفوعة بتغيرات متزايدة في الموقف الإقليمي والدولي من الحرب، وأن طرحها، جاء بعد ثبات النظام السياسي، وحدوث صدوع في جُدُر الحصار والمقاطعة المفروضة أمريكياً وأوروبياً وإلى حد ما عربياً على دمشق؛ ومن ثم فإن المبادرة ترفع سقف التوقعات، بحدوث تحولات حاسمة وغير مسبوقة في الحدث، وأن ثمة واقع إقليمي ودولي جديد، يدفع خصوم دمشق لمراجعة مواقفهم وسياساتهم حيالها.

لكن خطاب دمشق ومقاربتها للأمور، لا يحيلان مباشرة إلى مبادرة “خطوة بخطوة”، وإنما إلى “قراءة موازية” لها، تتضمن التنبه إلى الإكراهات التي فرضتها، وإبراز مؤشرات الانفتاح وتحولات الخطاب السياسي والإعلامي، والانفتاح الاقتصادي، والزيارات واللقاءات من جهة، والتحفظ على المبادرة نفسها، من جهة أخرى، وصولاً إلى رفضها، في بعدها المتصل بالقرار 2254، والاشتراطات المعلنة والمضمرة حول ضرورة التخلي عن تحالفاتها، مع إيران بصفة خاصة.

الموقف معقد للغاية، لكن أولويات دمشق يمكن تحديدها، كما ان استجابتها يمكن تلمسها أو توقعها، فهي تنظر للمبادة نظرتها للقرار 2254، كما سبقت الإشارة. قد تُضطّر لمجاراتها، صيغة ما من المجاراة، إلا أنها لا تستطيع القبول بها، على الأقل في منظور خصومها لها، ومن ثم فإن المبادرة، مقبولة ومرفوضة في آن، كيف؟

  • مقبولة، لأن البدايات الناجحة لمنطق “خطوة مقابل خطوة”، قد تحقق أغراضاً عديدة مثل: إمكان توظيف مؤشراتها في الخطاب السياسي والإعلامي، لتأكيد “صوابية الموقف”، خلال سنوات الحرب؛ ورفع سقف التوقعات بأن المستقبل ينطوي على انفراجات، وصدوع في الخطوط والجبهات المناهضة لها. كما أن تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وغيرها جراءة المبادرة، سوف يضع فواعل السياسة والاجتماع في سوريا أمام الحاجة للمزيد، وإذ يختبرون مكاسب من المبادرة، فقد يشجعهم ذلك على المضي في الخطوات التالية، إنما إلى حدود معينة[12].
  • مرفوضة، إذا كان الهدف منها إعادة إنتاج القرار 2254، وفرض سياسات تسوية وانتقال سياسي، من منظور خصوم دمشق، وهذا موضوع رفض دائم من قبلها، كما أن المبادرة مرفوضة، لأن البدايات المتعثرة أو رفض الفكرة من قبل النظام السياسي، سوف ينعكس مزيداً من الإحباط، ويفاقم أزمة الداخل، ويزيد الصدوع بين المجتمع والنظام السياسي والدولة. وقد يمثل ذريعة للمزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على دمشق، ومن ثم المزيد من الأزمات على صعيد العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي والدولة.

وهذا هو بالضبط ما تقصده الورقة من أن دمشق بحاجة لنجاح المبادرة بقدر حاجتها لإخفاقها، نجاحها بما هي انفتاح وفك أو تخفيف للحصار، وإخفاقها بما هي إعادة إنتاج أو تأويل للقرار 2254، كما سبقت الإشارة؛ الأمر الذي يفسر محاولة دمشق التعاطي معها، بكثير من الحذر، والتشكيك، وقليل من الإقدام، ليس من منطلق “الرفض-القبول”، وإنما من منطلق المداولة والمحايلة والمداورة، والمدافعة، والترقب، والمساومة.

سابعاً؛ المسارات المحتملة

إذا بدأت المبادرة بخطوات واقعية، مثل خطوات للانفتاح الاقتصادي (خط الغاز العربي والكهرباء، إلى لبنان عبر سوريا)، والسياسي والأمني (زيارات المسؤولين السياسيين والأمنيين، بين دمشق والقاهرة وأبو ظبي وعمان وغيرها، وعودة دمشق إلى عدد من المؤسسات الدولية، مثل الانتربول)، فإن المتوقع ـ بالمقابل – هو أن تُقبِل دمشق على “استجابات متناسبة”، المبادرة بهذا المعنى هي سلسلة، يمكن لأي انقطاع في حلقة من حلقاتها، أو اختلال أو تعثر في تنفيذها، أن يهددها كلياً.

  • المخاوف من حدوث انقطاع، قد تدفع الأطراف لتشكيل “مجموعة اتصال”، على ما ذكر بيدرسون، وهذا من الأمور اللازمة في حالات من هذا النوع، إلا أن تجربة الحرب، وتجارب الحروب المماثلة، لا تشجع كثيراً على توقع نجاحات أو إنجازات مهمة. وهذا باب فيه كلام كثير.
  • من المحتمل أن يتواصل الحديث عن مبادرة “خطوة بخطوة”، ليس بوصفها مبادرة جديدة بالتمام أو تمثل قطيعة مع المبادرات السابقة في الحرب السورية، وإنما بوصفها محاولة لتحريك فضاء النقاش في الحدث السوري، وساحة مواجهة نصية وإعلامية وسياسية، لن تغير كثيراً من واقع الحدث ووجود خرائط للصراع والسيطرة والنفوذ في سوريا، الروسية والأمريكية والتركية بصفة خاصة، ولا طبيعة الاحتدام بين إيران وإسرائيل فيها، الخ..
  • من المحتمل أن تستمر الفكرة في فضاء الحدث لبعض الوقت، لكنها لن تحل محل المبادرات والعمليات الأخرى مثل عملية استانة وعملية جنيف (اللجنة الدستورية). وسوف تمثل غطاء وعنواناً لانفتاح عدد من الأطراف على دمشق، لكن من دون تحقيق إنجازات أو خروقات كبيرة، باعتبار أن الرهانات العميقة لدى الأطراف لم تتغير.
  • من المحتمل أن تقف المبادرة بين-بين، بين قبول ورفض، إقدام وإحجام، وسوف تستمر في حال توافق الروس والأمريكان حولها، لا تراجع عنها، ولا انخراط جدياً فيها، عملية أو مبادرة يشعر كل طرف بالحاجة لها، لكنه غير مستعد لتلبية متطلباتها، وسوف يحاول ألا يكون مسؤولاً عن إخفاقها.

ثامناً؛ الإشارات والتنبيهات

  • تقرأ دمشق المبادرة بوصفها تأويلاً للقرار 2254، وعنواناً أو غطاء لاشتراطات كثيرة مُفخَّخَة أكثر منها قناعات أو رغبة بالتوصل إلى حل/تسوية للحرب، وأن الخطابات الموازية والممارسات العملية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها تفصح عن أغراضها ومقاصدها العميقة، الأمر الذي يقلل من فرص التعاطي الجدي معها، أو أن ذلك ربما يحدث بكثير من الارتياب والتوجس.
  • تبدو دمشق بحاجة ماسة لانفراجات في المواقف الإقليمية والدولية، إلا أن الأثمان والاشتراطات المطلوبة قد تجدها كبيرة، وربما تفوق قدرتها على تحملها أو الإيفاء بها، على افتراض قناعتها بها. هذه مسألة يجب التعاطي معها، بقدر كبير من الجدية والحساسية، إذ ان المطلوب من دمشق أو النظام السياسي ـ من هذا المنظور- أن يغير نفسه بنفسه، ويسلم ما لم يسلم به خلال سنوات الحرب. وهذا لن يحدث، فضلاً عن أن المطالبة به، تهدد بنكوص حاد في المواقف والسياسات، ليبدو كل حديث عن “إصلاح” أو “انتقال سياسي” حديثاً عن “إسقاط النظام”. وهذه واحدة من أعقد المفردات أو الموضوعات في سياسات الحرب السورية اليوم.
  • يمكن لدمشق وأطراف المبادرة أن يتفقوا على أطر عامة وتفاهمات رئيسة، والبدء من توافقات “الحد الأدنى”، كما يمكن لأطراف الحرب الرئيسة، مثل روسيا والولايات المتحدة، أن تدفع بتوافقات ومسارات داعمة موازية، مثل: احتواء الإرهاب، وتخفيف العقوبات، والحد من مصادر ومدارك التهديد المتبادلة، وضبط الاندفاعات والتوترات الناتجة عن تحالفات مختلف الأطراف. وهذا يمكن أن يساعد في التخفيف من مدارك التهديد لدى دمشق وطهران الناتجة عن مطالب التخفيف من طبيعة التحالف بينهما، والتخفيف من مدارك التهديد لدى دول الإقليم الناتجة عن ذلك التحالف. ولو أن المهمة شاقة!
  • يمكن لبغداد أن تُواصل جهودها في الدخول على خط المداولات وتيسير اللقاء والاقتراحات لتذليل العقبات، ويبدو أنها قامت بأدوار مهمة في هذا الباب، كونها من الأطراف القليلة التي لديها إمكانية اتصال جيدة مع أكثر أطراف الحرب.
  • إذا لم يتم الإعداد الجيد للمبادرة، وتهيئة الظروف المناسبة لها، بعيداً ما أمكن عن التصريحات والإعلام وفضاءات الحدث، فسوف تنتهي إلى الإخفاق، وسوف تكون أقرب لـ”تشكيل خطابي” حول الحرب، منها مشروع للحل/التسوية.

 تاسعاً؛ خاتمة

ليس من المتوقع لمبادرة، لا تزال في مرحلة “العصف الذهني”، حتى لو برزت مؤشرات واقعية وميدانية عليها، أن تحل في عشرة أيام أو عشرة أسابيع أو عشرة أشهر حرباً تجاوزت العشر سنوات، بكل تداخلاتها وتعقيداتها، إلا أن طرحها مؤشر على بروز مدارك متزايدة حول الحاجة لدفع الحدث السوري على سكة الحلول/التسويات، وهذه فرصة يجب اغتنامها، وتحويلها من مجرد “مبادرة” أو “تشكيل خطابي” إلى سياسات، ثم إلى وقائع مادية على أرض الحدث وفي فضائه وأفقه.

إن مجرد الأمل بحدوث تغيير، أصبح أمراً نادراً أو يوتوبياً، بغياب مؤشرات واقعية كافية، ذلك أن الأمور معقدة لدرجة يصعب معها التوصل إلى تقديرات أو استخلاصات متفائلة حولها، والمشكلة أن الجميع تقريباً أصبحوا موقنين بأن الحياة ممكنة مع الحدث، وأن ما بعد المبادرة مبادرة أُخرى، وما بعد الحرب حرب أُخرى. ولسان الحال لدى السوريين، هو دعاء أو نداء يردده أهل العراق: “يا صحاب الفَرَج، يا عالياً بلا درج”!

(*) بالتزامن مع مركز البيان للدراسات والتخطيط

[1] انظر مثلاً: Stéphanie Fillion, Colum Lynch, and Robbie Gramer, “us-russia-deal-assad-syria”, Foreign Policy, 8/2/2022 

[2] انظر مثلاً: “قمة أمنية تضم إيران والسعودية وتركيا وسوريا في بغداد؟”، الأخبار، 8 أب/اغسطس 2021.

https://al-akhbar.com/Arab/313539

[3] تتضمن الورقة الأردنية اقتراح القطع مع سياسة “تغيير النظام”، والتحول إلى “تغيير متدرج لسلوك النظام”. للمزيد من التفاصيل، انظر: إبراهيم حميدي، “”وثيقة سرية” تقترح خطوات لـ”تغيير متدرج لسلوك النظام” السوري، الشرق الأوسط، 2 تشرين الأول/أكتوبر 2021.  

[4] ملحق سري لـ«وثيقة التطبيع العربي» مع سوريا”، الشرق الأوسط، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

[5] المصدر نفسه.

[6] انظر مثلاً: “اجتماعات سرية” بين الحكومة السورية ومسؤول أميركي في دمشق”، سكاي نيوز عربية، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2021. و”دمشق تكشف عن مفاوضات أمنية سرية مع أنقرة”، العرب، 30 أيار/مايو 2021.

[7] غير بيدرسون، حوار مع جريدة الشرق الأوسط، 29 كانون الثاني/ يناير 2022.  

[8] “بيدرسون يبحث مع وزير الخارجية السوري في دمشق تطورات الأزمة السورية”، موقع أخبار الأمم المتحدة، 16 شباط/فبراير 2022.

https://news.un.org/ar/story/2022/02/1094222

[9] المصدر نفسه.

[10] المصدر نفسه.

[11] المصدر نفسه.

[12] بمعنى أن وضع المبادرة في أفق القرار 2254، ووفق تأويل مناهض للحكومة، والاشتراطات والمطالب الأخرى، سوف يضع الحكومة في موقف بالغ الصعوبة، لتبدو كما لو أنها تقبل بالمبادرة ما لم تقبل به في مسار جنيف وغيره، وتسلم بالسياسة ما لم تسلمه بالحرب.

Print Friendly, PDF & Email
عقيل سعيد محفوض

كاتب وأستاذ جامعي، سورية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل نشهد "ربيعاً إيرانياً" أم ضياع "أندلس" جديدة؟