“فورين أفيرز”: هذه أبعاد “رفقة السلاح” بين روسيا و”محور المقاومة”!

منى فرحمنى فرح19/02/2024
"روسيا وقوى محور المقاومة رفاق سلاح، يجمعهم هدف رئيسي كبير وهو إضعاف الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط؛ الأميركية على وجه الخصوص". ولن تستطيع واشنطن تقويض هذه "الشراكة" ما لم تسارع إلى وقف الحرب الإسرائيلية في غزة والعمل على تهدئة كل التوترات في المنطقة، بحسب "فورين أفيرز"(*).

منذ إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في شباط/فبراير 2022، بدأت موسكو بنسج روابط عميقة مع طهران. فبعد أن كانت تؤيد العقوبات الدولية ضدها بسبب البرنامج النووي الإيراني، صارت مستعدة لتوفير الحماية الدبلوماسية لها وتعزيز استثماراتها في الاقتصاد الإيراني. بدورها، قدمت طهران دعماً كبيراً للجيش الروسي في الحرب الأوكرانية، تضمن صفقة كبيرة من الطائرات الحربية المُسيّرة التي ثبتت فعَّالية دورها في إدارة المعارك لمصلحة الروس.

وعلى مدى العامين الماضيين، سعت موسكو إلى الإنفتاح أكثر على قوى “محور المقاومة” (إيران، حركة حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، حركة أنصار الله في اليمن، والميليشيات العراقية والسورية) والتي هي جميعها في مواجهة معلنة (وشبه مفتوحة) مع إسرائيل، وبالتالي مع أميركا. هذه “الشراكة” في غاية الأهمية، وإن لم تتضح كل معالمها أو أبعادها بعد.

وعندما بدأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزَّة، بادرت قوى “محور المقاومة” لمساندة المقاومة الفلسطينية؛ كلٌ على طريقته ومن على جبهته الخاصة: حزب الله فتح “حرب مساندة” وأشغل الجبهة الشمالية الإسرائيلية. حركة أنصار الله فرضت طوقاً أمنياً مشدداً على الشحن البحري الدولي في البحر الأحمر (من وإلى إسرائيل) وتستهدف كل سفن إسرائيل ومن يساندها ويقدم لها الدعم المباشر في عدوانها على الفلسطينيين؛ الأميركيون والبريطانيون على وجه الخصوص. و”الحشد الشعبي” العراقي يستهدف القوات الأميركية مباشرة في العراق وسوريا.

وقد وجدت روسيا في هذه “المساندة” فرصة جديدة لإضعاف أميركا وحلفائها، فسارعت إلى تقديم الدعم الدبلوماسي والتقني واللوجستي لكل من حماس و”الحوثيين” وحزب الله، وفي الوقت نفسه، رفعت من سقف انتقاداتها للولايات المتحدة وألقت عليها باللوم في كل ما يجري اليوم في المنطقة.

عدو عدوي

العلاقة بين موسكو و”قوى المحور” ليست بمستجدة: وفود حركة حماس تتردد على موسكو منذ العام 2006. الجيش الروسي تعاون مع القوات الإيرانية وحزب الله لدعم حليفهم المشترك الرئيس السوري بشار الأسد منذ العام 2015. وأقام أيضاً علاقات تعاون مع “الحشد الشعبي” في العراق. كذلك أنشأت موسكو مركزاً استخباراتياً رباعياً لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (“داعش”) في قاعدة حميميم يضم إيران والعراق وسوريا (…).

في العام 2022 (بدء الحرب الأوكرانية)، بدأت موسكو بتزويد “قوى المحور” بمساعدات أمنية منهجية: سلمت عدة مواقع رئيسية لقواتها في وسط وشرق سوريا لحزب الله والميليشيات المدعومة من إيران، وعزَّزت معهم مهمة تبادل المعلومات الاستخبارية. كما زوَّدت حزب الله بصواريخ مضادة للسفن، ثمة دلائل تشير إلى أن موسكو ستدعم حزب الله في حال اضطر لخوض حرب مفتوحة مع إسرائيل، ربما من خلال حرب إلكترونية متطورة. بالإضافة إلى ذلك، أعطت إيران الضوء الأخضر لتحديث الدفاعات الجوية السورية (بحسب “رويترز”). هذا الدعم ساعد “قوى المحور” في تعزيز قدراتهم العملياتية ومكَّنهم من استهداف المصالح الأميركية في شرق سوريا، على وجه الخصوص.

بالنسبة لـ”قوى المحور”، جاءت رعاية روسيا في اللحظة المثالية. فبعد اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، في مطلع العام 2020، بدأت في تحقيق اللامركزية بشكل مطرد، ما منح كلاً من هذه القوى المزيد من الاستقلالية للبحث عن شراكات دولية تؤمن لهم المزيد من الدعم. الجميع يتطلع إلى موسكو من أجل تعزيز الشراكة معها (…). كما جعلت اللامركزية “المحور” أكثر فائدة لموسكو من خلال جعل “قواه” أكثر مرونة، وبالتالي أكثر خطراً على واشنطن.

بعد “طوفان الأقصى” (2023)، وصل التعاون إلى مستوى آخر: أجهزة التشويش الإلكترونية في قاعدة “حميميم” الروسية (غرب سوريا) عطَّلت الحركة الجوية التجارية لإسرائيل. والطيارون الروس كثفوا دورياتهم على طول خط فض الاشتباك الإسرائيلي السوري في هضبة الجولان. وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية، فإن حزب الله، عندما ضرب قاعدة “ميرون” الجوية الإسرائيلية الشهر الماضي، استخدم صواريخ موجهة مضادة للدبابات روسية الصنع (كورنيت معدل). وكان مسؤولون أميركيون قد حذروا من أن قوات “فاغنر” شبه العسكرية؛ التي تعمل وزارة الدفاع الروسية على تفكيكها وإعادة تسميتها؛ قد توفر أنظمة دفاع جوي لحزب الله في الأشهر المقبلة.

كذلك قدّمت روسيا مساندة دبلوماسية قوية عندما حوَّلت كل الانتقادات الدولية التي تم توجيهها إلى حماس في أروقة الأمم المتحدة وجعلتها ضد أميركا، عندما قالت إن واشنطن تحتكر عملية السلام وتديرها بطريقة خطيرة، وبالتالي تتحمل مسؤولة تجدد أعمال العنف في الشرق الأوسط. كما دافعت موسكو عن “الحوثيين” في مجلس الأمن ورفضت إدانة ما يفعلونه لجهة استهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، وقالت إن ما تسميه أميركا وبريطانيا “هجمات إرهابية” إنما هي “رد فعل على المذبحة” التي تمارسها إسرائيل (مدعومة من الأميركيين والبريطانيين) بحق الفلسطينيين في غزة.

موسكو ستتصدى لأي جهود دبلوماسية لإضعاف “قوى المحور” أو الإستفراد بإملاء خطط “اليوم التالي” في غزة

يُذكر أن بعض هجمات الحوثيين أصابت، عن غير قصد، سفناً كانت تنقل نفطاً روسياً. كما أن احتمالية أن تتسبب تلك الهجمات في إغلاق قناة السويس؛ التي من خلالها تصدر روسيا معظم نفطها؛ يعني أن موسكو ستتكبد تكاليف باهطة. لذلك، سعت موسكو لإدخال تعديلات على اقتراح مجلس الأمن الخاص بأمن الشحن التجاري في البحر الأحمر، الأمر الذي ساهم في صرف الانتقادات الموجهة إلى الحوثيين. وبرغم أن اضطراب التجارة العالمية يؤدي إلى التضخم ونقص العرض، فإن من مصلحة روسيا أن تلحق هذه العواقب الضرر بالاقتصادات الغربية (…).

لذلك، لم تتأخر موسكو عن مساعدة الحوثيين. واستضافت ممثليهم في وزارة خارجيتها، في أواخر يناير/كانون الثاني. بالمقابل، وعد مسؤولون حوثيون بتوفير ممر آمن للسفن الروسية والصينية التي تعبر البحر الأحمر (…).

إقرأ على موقع 180  فورين أفيرز: عُمران خان "أكبر تهديد للجيش الباكستاني"!  

ثمة مخاوف غربية بشأن الدور المحتمل أن تلعبه روسيا في حال توسعت الحرب في غزَّة إلى إقليمية (بين إسرائيل و”قوى المحور”)، أو بين إسرائيل وحزب الله على وجه الخصوص. وعلى الرغم من أن موسكو تفضل عدم توسع الصراع، لأن ذلك سيطال سوريا لا محال، وبالتالي سيهدد مصالحها هناك. لذا من المرجح أن تدعم روسيا حزب الله من خلال تكثيف التشويش الإلكتروني (على سبيل المثال)، أو الإعلان عن “إغلاق” المجال الجوي السوري. بالطبع، روسيا ستتجنب إسقاط طائرات إسرائيلية بنيرانها الخاصة، ولكن إذا اضطر الجيش السوري لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي فسيفعل ذلك بفضل ترسانته من أنظمة الدفاع الصاروخي التي توفرها له موسكو، إلى جانب المعلومات الاستخباراتية الدقيقة والتشويش الإلكتروني من قاعدة “حميميم” الروسية (…).

ممنوع إضعاف “المحور”

لكن دعم موسكو لـ”قوى الـمحور” سيبقى محدوداً: فهي تريد الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية؛ الخليجية على وجه الخصوص حيث لديها مشاريع إستثمارية كبيرة. فالسعودية والإمارات، على سبيل المثال منحتا موسكو فوائد اقتصادية مهمة، وهاتان الدولتان لديهما علاقات غير مستقرة (وأحياناً عدائية) مع بعض “قوى المحور”.

وتريد روسيا أيضاً أن تُبقي إسرائيل حليفة لها وأن تحافظ على حد أدنى من الكياسة معها، لا سيما مع وجود عدد كبير من الجالية الناطقة بالروسية في إسرائيل، كما أن إسرائيل قد تقدم الدعم العسكري لأوكرانيا في المستقبل.

وقد يكون التعاون بين “المحور” وروسيا مقيداً أيضاً بحقيقة مفادها أن الطرفين لديهما أهداف مختلفة على المدى القصير. فالكرملين يريد تقييد النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، في حين تريد “قوى المحور” طرد القوات الأميركية.

لكن هذه العقبات لن تحول دون توطيد العلاقة، خصوصاً وأن جميع الأطراف مستفيدة: فمؤخراً، على سبيل المثال، ادعت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن الطيارين الروس، الذين يُشغّلون طائرات حربية إيرانية مسيَّرة، يتلقون تدريبات خاصة على يد قادة حزب الله في سوريا.. وبين روسيا و”المحور” رغبة مشتركة في إضعاف نفوذ أميركا في الشرق الأوسط. وقد حذر الروس من أنهم لن يسمحوا لواشنطن بإملاء خطط “لليوم التالي” في غزة والمنطقة، ما يشير إلى أن موسكو ستتصدى لأي جهود دبلوماسية مقبلة قد تفوح منها رائحة “نجاح أميركي” منفرد على حساب إضعاف أو حتى تهميش “قوى المحور”.

بالنسبة للولايات المتحدة، لن يكون تقييد هذا المخطط بالأمر السهل، لأن ليس لديها نفوذاً مباشراً على روسيا ولا على “قوى المحور”؛ وهذا ما ثبت عندما وجّهت ضربات عسكرية ضد الحوثيين والميليشيات العراقية (الشهر الماضي). ولكن تستطيع واشنطن وقف الحرب الإسرائيلية في غزة، فكلما طال أمد هذه الحرب، كلما أتيحت لروسيا مضاعفة مساراتها لدعم “قوى المحور” والاستفادة من أنشطته المعادية لإسرائيل وأميركا.

والأهم من ذلك هو أن واشنطن قادرة على الانخراط في جهود دبلوماسية جادة لتسوية الصراعات المنتشرة في المنطقة. إن تركيز واشنطن الحالي على إضعاف إيران لن يوقف تعزيز العلاقات بين “المحور” وروسيا. إن احتواء “قوى المحور” وإضعافهم يتطلب من أميركا الانخراط بجدية مع بلدان “قوى المحور” من أجل تعزيز هياكل الدولة الخاصة بهم (…).

وأخيراً، يجب على واشنطن تشجيع طرف ثالث على استخدام نفوذها لدى موسكو لتقييد المساعدة المتبادلة بين الكرملين و”المحور”. وبما أن روسيا تحتاج لدول الخليج كشركاء اقتصاديين، فقد تكون عرضة للضغوط من جانبها للتخفيف من أشكال مساعدتها الأكثر ضرراً للجماعات الموالية لإيران. وهذه الدول، في الوقت الحاضر، تتحد مع “المحور” في سخطها على الحرب الإسرائيلية في غزة، ولذلك لم تجعل ممارسة هذا الضغط أولوية. ولكن بمجرد انتهاء الحرب، سيكون من السهل على واشنطن الحصول على دعم دول الخليج.

بالنسبة للمسؤولين الأميركيين، قد لا يبدو الضغط بقوة لتفكيك “الشراكة” بين “المحور” وروسيا مهمة ملحة. فواشنطن منهمكة فعلاً في الحرب الأوكرانية، وفي التصدي لـ”محور المقاومة”، وكذلك في حرب التنافس مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ. لكن الحقيقة هي أن واشنطن لا يمكن أن تأمل في معالجة مشكلة واحدة دون معالجة الأخرى. كانت الحرب الروسية الأوكرانية دائماً عالمية في نواياها ونطاقها، وهو ما يعكس رغبة روسيا في تغيير النظام الدولي “الأحادي القطب” القائم. وما رعايتها لـ”محور المقاومة” إلا جزء لا يتجزأ من تلك الحملة. فـ”المحور” لا يطمح إلى طرد الأميركيين من الشرق الأوسط فحسب، بل وأيضاً إلى توجيه ضربة قوية لبلد يعتبره “إمبراطورية إمبريالية شريرة”. وموسكو لا ترحب بكل أنشطة “المحور” لأنها ببساطة تصرف الانتباه عن أوكرانيا، و”قوى المحور” ليست مؤيدة لروسيا لمجرد أن الكرملين يعرض المساعدة. وبدلاً من ذلك، ينظر الطرفان إلى بعضهما البعض باعتبارهما “رفاق سلاح” في محاولة أوسع لإضعاف هيمنة الغرب. إذا كانت واشنطن جادة في تقويض مخططات كل طرف، فيجب عليها فض الشراكة بينهم.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) حميد رضا عزيزي، زميل زائر في “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية” وهانا نوت مديرة “برنامج أوراسيا” لمنع انتشار الأسلحة النووية في “مركز جيمس مارتن.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الفلسطينيّ المُهمّش في "التجمعات".. "جل البحر" نموذجاً