“ريسبونسيبل ستاتيكرافت”: القوة الجوية وحدها لن تكسر إيران
. - 1

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخطئ في اعتقاده أن قنابله وحدها ستُرغم طهران على الخضوع. فقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن الغارات الجوية غالباً ما تقوي العزيمة بدل أن تكسرها. وهذا ما سيحدث مع الجمهورية الإسلامية التي يتمتع نظامها بدرجة عالية من الصلابة والقدرة على التحمل. في الوقت نفسه ترامب لن يجرؤ على إرسال قوات برّية لأن ذلك سيضرّه سياسياً، بينما هذه القوات قد تكون أكثر ما يحتاجه إذا ما كان يأمل في أن تستسلم إيران، بحسب سينا أزودي (*)

في الأسابيع الأخيرة، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب حشداً ضخماً من القوات البحرية والجوية الأميركية في محيط إيران، سعياً لإجبار الجمهورية الإسلامية على توقيع اتفاق يصبُّ في مصلحة الجانب الأميركي. وقد ترافقت هذه القوات والأساطيل مع تحذيرات صريحة وعلنية لطهران مفادها: إما الامتثال والاستسلام أو التعرض للعقاب من السماء (قصف جوّي).

في غضون ذلك، يجري دبلوماسيون إيرانيون وأميركيون مفاوضات غير مباشرة، ومن المقرّر عقد اجتماع آخر غداً (الخميس) في جنيف، بهدف التوصل إلى حلٍ دبلوماسي لبرنامج إيران النووي: الولايات المتحدة تطالب إيران بتفكيك برنامجها لتخصيب اليورانيوم والتخلي عنه، بينما تُصر الأخيرة على أنها تمارس حقوقها بموجب المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ما يتكشف حتى الآن يحمل سمات ما يُعرف بـ”دبلوماسية السفن الحربية” في القرن الحادي والعشرين، حيث تُستخدم القوة البحرية والجوية ليس فقط كوسيلة ردع، بل كأدوات للمساومة القسرية.

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، ناقش ترامب خيار شنّ ضربات جوّية محدودة لإجبار إيران على توقيع اتفاق، أو مواجهة حملات أوسع نطاقاً ضدَّ “منشآت النظام” التي قد تهدف إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة يتضمن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ونجله مُجتبى. والمنطق الذي يفكر به ترامب واضح جداً: فهو يعتقد أنه بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو 2025، والاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها مدنٌ إيرانية عدة، ستكون القيادة الإيرانية، التي تعاني من أزمات متعدّدة، في حالة يأس وفي أمسّ الحاجة إلى اتفاق.

ما يفكر به ترامب يستند إلى فرضية استراتيجية مألوفة، وإن كانت خاطئة، مفادها أن الحملات الجوّية أداة فعّالة لإجبار الدول المُعادية على الخضوع والاستسلام. وفي حالة السياسة الأميركية المتَّبعة تجاه إيران؛ المطلوب هو الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. وهذا المفهوم يتردّد صداه في سلسلة طويلة من النظريات الخاصة بالقوة الجوية التي تعود إلى فكرة جوليو دوهيه في أوائل القرن العشرين، ومفادها أن قصف المدن يمكن أن يحطم الروح المعنوية ويجبر الحكومات على الخضوع للمطالب السياسية.

بالنسبة للرؤساء الحذرين من الحروب البرّية الطويلة، قد تبدو القوة الجوية وسيلة مناسبة لتنفيذ إجراء حاسم مع تقليل الخسائر الأميركية والتحرّر من الالتزامات الطويلة الأمد. وترامب من هؤلاء الحذرين. فمنذ توليه منصبه في كانون الثاني/يناير 2025، وجهت إدارته ضربات عسكرية سريعة في عدّة دول، من بينها إيران والعراق واليمن وسوريا ونيجيريا والصومال، وأيضاً في فنزويلا حيث اختطفت رئيسها نيكولاس مادورو (…). كل ذلك كان بتكلفة شبه معدومة ومن دون أن تتكبد واشنطن خسائر تُذكر أو الدخول في عمليات برية طويلة الأمد.

الإكراه بالقوة وحدها لن يُجدي

ومع ذلك، أثبتت الحروب الحديثة؛ مراراً وتكراراً؛ حدود هذا المفهوم.

خلال عملية “الرعد المتدحرج” في فيتنام (1965-1968)، شنَّت الولايات المتحدة حملة قصف متواصل بهدف إجبار فيتنام الشمالية على التفاوض بشروط أميركية. لكن هانوي تكيَّفت مع الوضع بتفكيك البنية التحتية، وتعزيز الدفاعات، وحشد العزيمة السياسية. ولم يفلح القصف في كسر إرادتها أو إجبارها على تقديم تنازلات ملموسة.

وفي حرب الخليج الأولى، عام 1991، لم تُجبر الهجمات الجوّية المتواصلة العراق على الانسحاب من الكويت، بل كان الغزو البرّي الذي نفذته القوات الأميركية ودول أخرى هو العامل الحاسم. كذلك تؤكد الحملة الجوية والصاروخية التي تنفذها روسيا ضدَّ أوكرانيا الدرس الاستراتيجي نفسه: الضربات المتواصلة على البنية التحتية والأهداف العسكرية، من دون سيطرة حاسمة على الأرض، فشلت في إرغام القيادة السياسية في كييف على الرضوخ.

في دراسة منهجية أجراها حول الحملات الجوية يؤكد البروفيسور روبرت باب، أستاذ في جامعة شيكاغو، هذا النمط. فالقوة الجوية عادة لا تنجح في تدمير البنية التحتية المدنية، بل عندما ترتبط بتهديد حقيقي بالاستيلاء على أراضٍ أو السيطرة عليها. حتى في الحملة التي شنّها حلف “الناتو” في كوسوفو– التي غالباً ما تُذكر كمثال على انتصار القوة الجوية- لم تصبح أداة قسرية إلّا عندما تعرّضت القوات الصربية على الأرض لتهديد فعلي متزايد، وبدا احتمال غزو “الناتو” أمراً وارداً. والدرس المُستفاد واضح: من بدون المساس بالسيطرة على الأرض، نادراً ما يُجبر القصف وحده على الاستسلام أو الرضوخ.

إيران لن تخفض رأسها

من غير المرجّح أن تكون إيران استثناءً من القاعدة. فالتفوق الجوّي الأميركي الذي لا يُضاهى يُشكل أداة تدمير قوية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى خضوع سياسي. وقد عبّر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان عن ذلك بوضوح عندما أعلن في 21 شباط/فبراير أن “قوى العالم تصطفُ ضدّنا لإجبارنا على خفض رؤوسنا والاستسلام… لكننا لن نخضع رغم كل المشاكل والأزمات التي يخلقونها لنا”.

النظام الإيراني يتمتع بدرجة عالية من الصلابة والقدرة على التحمّل: وُلد من رحم ثورة، كثيرٌ من قادته تعرضوا للاغتيال، خاض حرباً شاملة مع العراق ثماني سنوات، رسَّخ مكانته في ظلّ عقودٍ من الحرب الاقتصادية والعقوبات القاسية.. ومع ذلك لم ينهار ولم يخضع ولم يستسلم

في الواقع، تستطيع إيران، بفضل مساحتها الشاسعة وعمقها الاستراتيجي، تحمّل الكثير من الضربات الجوية دون أن تستسلم. وآخر مرّة اضطرت فيها للاستسلام لخصم أجنبي كانت عندما انتهكت القوات البريطانية والسوفيتية حيادها خلال الحرب العالمية الثانية واحتلت إيران في آب/أغسطس 1941، بعد أن رفضت الاستجابة لمطالبهم بطرد الرعايا الألمان من أراضيها.

إقرأ على موقع 180  صواريخ قطر.. فرض مفاوض جديد ورسالة للعالم أجمع!

لقد أمضت الجمهورية الإسلامية عقوداً في الاستعداد لمواجهة تتسم بتفوق القوة النارية الأميركية، وتعتمد عقيدتها العسكرية على الحرب غير المتكافئة، والانتشار، والتحصينات القوية لمنشآتها. وتشير تقارير إلى أن إيران، واستباقاً للغارات الجوية الأميركية، بدأت بتعزيز منشآتها النووية للحد من تأثير الهجمات الأميركية. وحتى في حال التدمير الكلي، تمتلك إيران القدرة التكنولوجية والصناعية لإعادة بنائها تدريجياً: فالقنابل قد تدمر البنية التحتية، لكنها لا تستطيع القضاء على المعرفة والتكنولوجيا التي يمتلكها الإيرانيون.

والأهم من ذلك، أن النظام السياسي للجمهورية الإسلامية يتمتع بدرجة عالية من الصلابة والقدرة على التحمّل. فقد وُلد من رحم ثورة قادها مؤسس الجمهورية آية الله الخُميني. وكثيرٌ من قادته نجوا من عمليات اغتيال. وخاض حرباً شاملة مع عراق صدام حسن دامت ثماني سنوات، تكبّد خلالها مئات الآلاف من الضحايا العسكريين والمدنيين. كما استطاع أن يرسَّخ مكانته في ظلّ عقودٍ من حرب اقتصادية وعقوبات قاسية؛ أميركية وغربية وحتى عربية. ومع ذلك لم تنهار الجمهورية الإسلامية، ولم تخضع، ولم تستسلم.

ترامب لن يُرسل قوات برّية لأنه يعلم أن ذلك سيضرّه سياسياً، بينما هذه القوات هي بالضبط ما يتطلبه الأمر إذا ما كان يأمل أن تستسلم إيران

ما جرى عكس ذلك تماماً. لقد تمَّ تأطير الحرب التي فرضها عليها صدام حسين كدفاعٍ مقدسٍ عن الوطن، وأصبحت لغة التضحية والاستشهاد متجذرة في أيديولوجية الدولة وأدوات التعبئة السياسية. لهذه التجربة التاريخية أهمية بالغة ودلالة عميقة؛ إذ أن النظام محصنٌ بنيوياً بحيث يستوعب أي ضغط شعبي على نحوٍ يحدُّ من معالية أدوات الإكراه التي تسعى القوة الجوية الأميركية إلى تحقيقها، كما يمتلك آليات مؤسساتية تضمن استمرارية القيادة حتى في حال تعرض لضربات “قطع الرأس” تستهدف تصفية القيادات العُليا.

في الوقت ذاته، يُدرك صُنّاع القرار في إيران طبيعة التفاوت في حساسية الخسائر البشرية. فالثقافة السياسية الأميركية، التي تشكلت بفعل المساءلة الديموقراطية والرقابة الإعلامية، تميل إلى ردّ فعلٍ حادٍ تجاه الخسائر المتواصلة. على النقيض من ذلك، أظهرت الثقافة الإيرانية؛ تاريخياً؛ قدرة أعلى بكثير على تحمّل المشقات والتضحية في مواجهة الهجمات الخارجية- مهما طال أمدها. في ظلّ هذه المعطيات، من المرجّح أن يُسهم القصف الجوّي العقابي في تعزيز تماسك النظام وتقوية العزيمة القومية الوطنية، بدلاً من إرغامه على الاستسلام والرضوخ.

تعدُّ القوة الجوية أداة غير كاملة للإكراه السياسي. فهي قادرة على تدمير المنشآت، لكنها لا تستطيع احتلال الأراضي، أو استبدال الأنظمة، أو فرض استسلام سياسي مُستدام في غياب تهديدات برّية فعلية وذات مصداقية. للمنظّر العسكري البروسي المشهور، كارل فون كلاوزفيتز، تحذير معروف ومهم جداً، مفاده أن للحرب ديناميكياتها الخاصّة بمجرد اندلاعها. قد يختار القادة السياسيون متى يبدأونها، لكنهم لا يتحكمون في مسارها بشكل خطي. فبمجرد إطلاق العنان للقوة، غالباً ما يتبع التصعيد، والرد بالمثل، والانتقام، والعواقب غير المقصودة، على نحوٍ لا يستطيع أي مخطِّط أن يتنبأ به بالكامل.

إذا مضت واشنطن قُدماً وهي تعتقد أن قنابلها وحدها قادرة على إكراه طهران، فقد تكتشف ما أثبته التاريخ مراراً وتكراراً: أن العقاب القادم من السماء (الغارات الجوية) غالباً ما يقوي العزيمة بدل أن يكسرها؛ وأن الحروب التي تبدأ كأدوات ضغط يمكن أن تتطوّر إلى صراعات أوسع بكثير مما كان من أشعلوها يقصدونه في البداية.

– ترجمة بتصرف عن “ريسبونسيبل ستاتيكرافت“.

سينا أزودي، أستاذ في سياسات الشرق أوسطية، ومدير “برنامج دراسات الشرق الأوسط” في جامعة جورج واشنطن. وهو مؤلف كتاب “إيران والقنبلة: الولايات المتحدة وإيران والمسألة النووية”.

 

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حذار من "ثورة الزعيم"..