“تحولات” تُكرّم طلال سلمان.. وجبة “السفير” الناقصة في زمن غزة!

تميز العدد 34 من مجلة "تحولات" (آذار/مارس 2024)، بملحق تكريمي لناشر جريدة "السفير" الأستاذ الراحل طلال سلمان، وذلك لمناسبة خمسينية تأسيس "السفير" (26 آذار/مارس 1974 - 26 آذار/مارس 2024). كما تضمنت هذه المجلة الفصلية التي تعنى بشؤون المشرق، مواضيع شتى، فكراً وثقافة وسياسة.

في العدد الأول من “السفير” يوم 26 آذار/مارس 1974 أو في افتتاحيات الأستاذ طلال سلمان النابضة بالحياة والموقف على مدى 43 عاماً، ثمة فلسطين، وربما فلسطينه التي لم تفارقه يوماً. وعندما نسمع طلال سلمان في فيلم محمود حجيج يتحدث عن “لوغو” جريدة “السفير” الذي حمله إلى طلال الفنان المصري الكبير حلمي التوني، عشية التأسيس، نشم رائحة ليمون حيفا الذي أعطى للصحيفة المولودة عبق فلسطين البرتقالي، مجبولاً برمال الصحراء العربية من المحيط إلى الخليج (جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان).

طلال سلمان وحلمي التوني
طلال سلمان وحلمي التوني

أيضاً، سنجد طلال سلمان “الذي كان وحده الصحافي بيننا ترقى في الصحافة من البدايات إلى الذروة”، كما يقول عنه الشاعر والروائي عباس بيضون، لا بل يرى أن طلال جعل “السفير” مدرسة جيل، بتضارباته وتبايناته، “لكن جعلها من حيث لم تخطط بل وببساطة لم تتعمدها، مكان طليعية مضطربة متعددة الوجوه”. كيف ذلك، إذا ما حاولنا التدقيق بكلام بيضون، أو بالأحرى بهذا التوصيف لشخصية مؤسس “السفير” الصحافي الذي ترقى من البدايات إلى الذروة؟ يتابع بيضون فيقول: “لم يكن هذا سوى ترجمة لما كان طلال يمثله في جيله وفي صحافيته وفي لبنانيته. يمكن لذلك أن نفهم كيف استطاعت السفير أن تكون قادرة على أن تجمع شتاتاً من مواقف وجهات. كيف استطاعت أن يكون لها إيمانها وأن يكون لها، على هامشه تطلعات أخرى. أنا شخصياً مثل على ذلك إذا صح لي أن أكون معارضاً داخل الجريدة، وأن تقبلني كمعارض”. هذه “النتعة” كانت تجعل طلال سلمان نصيراً لقضايا محقة، فكان يقترب بهذا المعنى من قبوله لمعارض مثل بيضون وسواه من الصحافيين في الجريدة. منها مثلاً، قضية المخطوفين والمفقودين، وهذا ما قالته وداد حلواني أنه في 26 كانون الأول/ديسمبر 1984، “أقام طلال سلمان الدنيا وأقعدها”، وخاطبني “الجريدة ملككم أيتها السيدة”. السيدة حلواني رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وقد رفعت الصوت عالياً مع أمهات هؤلاء يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1982 “للإفراج عن ذويهم الذين كانوا يُخطَفون ويُفقَدون يومياً على حواجز الميليشيات والأحزاب المتقاتلة خلال تلك الحرب”، فكان أن أفردت “السفير” صفحاتها لتغطية نشاط هذه اللجنة، وإثارة قضية المخطوفين والمفقودين.

عباس بيضون: “لم يكن هذا سوى ترجمة لما كان طلال يمثله في جيله وفي صحافيته وفي لبنانيته. يمكن لذلك أن نفهم كيف استطاعت السفير أن تكون قادرة على أن تجمع شتاتاً من مواقف وجهات. كيف استطاعت أن يكون لها إيمانها وأن يكون لها، على هامشه تطلعات أخرى”

حلواني التي رأت “روحه محلقة في سماء معشوقته فلسطين، وأراه الآن بأمّ عيني، أراه وهو يرصد غاضباً مجريات حرب الإبادة الجماعية في غزة”.. فلسطين التي يرى صلاح صلاح المناضل الفلسطيني وأحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنها “لم تغب عن ذاكرة وتفكير طلال سلمان المتواصل لما تتعرض له من مخاطر. كانت هاجسه، وكانت فلسطين عند العزيز أبو أحمد هي مقياس الوطنية لأي شخص والتزامه القومي”، مستذكراً ما كتبه أثناء الحرب العدوانية على غزة العام 2014 تحت عنوان “رسالة إلى غزة” من الشركاء في الجرح، وكأنها اليوم، فيقول سلمان “تستحق المقدّسة فلسطين، بعنوان غزة كل هذه الأرتال من الشهداء. جزيرة هي غزة أرضها رمل محروق، وبحرها مزروع بالموت الإسرائيلي”. ماذا لو أنك ترى من عليائك فما عساك تكتب عن لقمة الذل التي ألقاها الأشقاء العرب عبر طائرات الموت، فما كانت إلا لتزيد موت أطفال غزة وهم يتراكضون لالتقاطها؟.

غلاف مجلة تحولات

هذه عيّنة من كلمات قيلت فيه، ووجدت طريقها إلى النشر على صفحات مجلة “تحولات” في عددها الصادر حديثاً، لناشرها ومديرها العام الزميل سركيس أبو زيد. والأسطر المشار إليها، أتت في سياق “تحية إلى طلال سلمان” في ذكرى خمسين عاماً على تأسيس جريدة “السفير”.

ومن المشاركين في المحور ـ التحية، الرئيس المؤسس لمؤسسة “عامل” الدولية الدكتور كامل مهنا الذي قال إنه لو كان طلال سلمان بيننا “أول ما كان يخطر في البال، أنه سوف يُحوّل الجريدة إلى حالة من الاستنفار الإعلامي حول غزة، ويفتح الجريدة على العالم، يحث كتّاباً وسياسيين على المساهمة في المعركة، عبر الكلمة والموقف والرأي والتحليل”.

أما الدكتورة فاديا كيوان الناشطة وأستاذة العلوم السياسية فتقول “إن مقالات طلال في افتتاحيات السفير كانت الوجبة الصباحية في وخز الإبر لضمير المسؤولين وصانعي القرار في لبنان وفي كل رحاب الوطن العربي الكبير. وما أكثر القضايا التي هزت مجتمعات عربية فانبرى الأستاذ طلال لينصرها”، إلى أن تخبرنا باكتشافها أن الأستاذ طلال “لم يكن يوماً عقائديا متزمتا بل ذو عقل مرن منفتح على الفكر الآخر والرأي الآخر”. ومن هذه النقطة، يكمل وزير الخارجية اللبناني د. عبدالله بو حبيب اكتشافه لشخصية الأستاذ طلال، فيقول “إن علاقتي بطلال مرآة للصيغة اللبنانية بفرادتها حيث آمنّا سوياً بمنطق الحوار والتفاعل. لقد تشاركت مع طلال قناعات لأننا لم نكن نؤمن بمنطق إلغاء الآخر”.

إقرأ على موقع 180  نقد الناسوت العربي  

بدورها، قالت الدكتورة نوال الحوار إن طلال سلمان و”السفير” وجهان لعملة واحدة، “وجه لبنان العربي وحكاية فلسطينية وسُلّم الحداثة ومحاولاتها المجبولة برمل الصحراء ومدن الملح، فالسفير صنو لبنان في الألق والنجومية.. كما في الغياب”.

في عدد “تحولات”، ثمة مقالات تشبه ما كان يؤمن به الأستاذ طلال، أو كان يلفته في السياق الثقافي وهو الممتلئ بأجواء الثقافة العربية الحضارية المنفتحة. فيكتب الدكتور كمال ديب عن “دحض دعوة الفيدرالية الطائفية في لبنان”، وهي قناعة الأستاذ طلال بلبنان الواحد لا الفيدرالي ولا المنقسم”، ويخلص إلى أن دولة الرعاية المدنية هي البديل، فلبنان بلد صغير من 10 آلاف كلم 2 ومناطقه مختلطة ولا يوجد في أي منها صفاء مذهبي ومن يدعو إلى الفدرالية في ذهنه ترحيل البشر بالقوة عبر اشعال الحروب.

وفي باب الفكر أيضاً، يكتب عضو مجلس الشعب السوري نبيل صالح بعنوان “تاريخ الهمج المقدس”، فيشير إلى أنه في بلدان حوض المتوسط مرّ كل انواع الغزاة والثقافات والأديان والأيديولوجيات التي غرست قدراً كبيراً من بذار الفرقة والكراهية وكلهم اليوم بحاجة إلى تبريد أحقادهم في جسد الآخر المختلف، لهذا لم تكتمل دولة المواطنة في هذه البلدان التي تعرضت خلال العقود الأربعة الأخيرة للحروب الأهلية وأهمها في لبنان والعراق وسوريا حيث عجر حكامها عن تفكيك عصبياتها فأدراوها واستثمروها ميكيافيلياً.

وتناولت أستاذة علم الإجتماع في الجامعة اللبنانية خديجة مصطفى قضية الأقليات في البلدان العربية، وكتب الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ والديموغرافيا ايلي جرجي الياس عن هاينرايش هملر، وهي مقالة تستحق التوقف عندها وقراءتها بامعان لما لهذه الشخصية المهووسة بالسلطة والقيادة من تأثير وأثر في التجربة النازية.

وتناولت الأستاذ المحاضرة في العلاقات الدولية نغم أبو شقرا قضية الصراع الدولي في إفريقيا والأستاذ المحاضر في القانون الدولي العام مجد عيون السود مسألة التطرف العنيف وانتشاره من خلال الثورة الرقمية وعرض طالب الدكتوراه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الجنان بلسم بهجت أبو شقرا لمصطلح “الأرابيسك” الإسلامي.. ومدلولاته التوحيدية.

Print Friendly, PDF & Email
منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  رسائل "ردع" أميركية لطهران.. ونتنياهو يقترب من ساعة الحقيقة