“مايسترو”.. إبداع متعدد الأبعاد وسيرة جذّابة بمفارقاتها

تعرض شبكة "نتفلكس" فيلم "مايسترو" (Maestro) المأخوذ عن قصة حياة وصعود المؤلف الموسيقي الأميركي الكبير ليونارد برنستاين. الممثل الأميركي برادلي كوبر يلعب دور المخرج والبطل في آن معاً، بعدما راقت له تجربة الإخراج إلى جانب التمثيل.. وزاد عليهما هذه المرة كتابة النص.

“أهذا ما تريده”؟ تسأله البطلة ليجيبها “أريد أموراً كثيرة”.

قد يُلخّص جواب برنستاين هذا رسالة الفيلم؛ أي الطموح اللامحدود للمبدع والثمن المدفوع خلال رحلة الصعود إلى القمة.. والهاوية التي يُمكن أن تليها.

فيلم “مايسترو” تدور أحداثه الصاخبة في فلك الموسيقى والمسرح وعالم الفن الرحب. يحكي قصة حب وزواج ومرض وموت وإبداع بلا حدود. المايسترو ليوناردو برنستاين؛ شابٌ، وبضربة حظ قوية، صار يتولى قيادة أهم أوركسترا في نيويورك إثر مرض وغياب القائد الرئيسي للأوركسترا في ليلة العرض. تشاركه في الحكاية فيليتسيا مونتيليغري على مدى 32 عاماً في علاقة معقدة من المساومات المفضية إلى الخذلان والعشق والإبداع والمفارقات المتناقضة.

أستدرك لأقول أنه يندر أن يخلو عمل فني من ظواهر مرضية لعل أبرزها مرض السرطان؛ هنا، تُسارع إلى سؤال نفسك إذا كان الواقع يفرض هذا الإيقاع او أنه صار مادة مثيرة للمشاعر الإنسانية مقابل معضلة الوجود واللاوجود.

***

يبدو للمشاهد المُدقّق أنه فيلم مشغول بعناية فائقة لحصد الجوائز (ولو أنه أخفق في جوائز الأوسكار 2024) خاصة عندما تجد مخرجين كباراً إلى جانب برنستاين مثل الأميركيين مارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ. وهكذا وجدنا أنفسنا نتنقل بين كادرات فيلليني المبهرة وسينما “النوار” و”المويزيكال” ومسرح “الفودفيل”. مزيج سينمائي أعطى هوية فنية رائعة للفيلم الذي بدا مُبهجاً برغم إنزلاقه التراجيدي بعد مرض فيليتشيا وموتها الفيزيقي بعد موتها الروحي وذبولها عقب خيانة زوجها الممنهجة لها مع تلامذته من الفتية الصغار.

ومصطلح (Film noir) يستخدم لوصف أفلام الجريمة الهوليوودية خاصة تلك التي تركز على الدوافع الشريرة والمحفزات الجنسية، وتتميز أفلام “النوار” الكلاسيكية في هوليوود من أوائل أربعينيات القرن الماضي حتى أواخر خمسينياته، بالإضاءة الخافتة واللونين الأبيض والأسود، ومن أبرز مخرجي هذه النوعية من الأفلام ألفريد هيتشكوك وبيلي ويلدر.

إذاً، هو فيلم سيرة ذاتية للفنان والملحن ليونارد برنستاين (1918ـ 1990). من إخراج برادلي كوبر وبطولته وكتابته رفقة الممثلين/ات: كاري موليغان (الزوجة مونتيليغري)، جيرمي سترونغ، مات بامر، مايا هوك وساره سيلفرمان.

من الواضح أنها سيرة نرجسية الفنان وولعه بالحب والحياة في كل ذرة من كيانه. إنسان يتسم بطموح لا محدود ورغبة بالصعود الصاروخي نحو المجد؛ يتجاوز كل قيود المجتمع ويتماهى مع حريته المطلقة في أن يحب إمرأته الممثلة، وأن يحب النوع الآخر من الرجال إلى حد عقد إتفاق مع زوجته على إحضارهم إلى سرير الزوجية.

يتنقل الفيلم بين الأسود والأبيض في ثلثه الأول (بداية مسيرته الفنية في الخامسة والعشرين من عمره) ليدخل في الألوان عندما كبر برنستاين وصار إسماً لامعاً في عالم الموسيقى والألحان، في دلالة على مرور وتطور الزمن وبدا ذلك مستحباً في نقل الإحساس بالزمن وعبوره في مخيلة المشاهدين وكذلك فعلت الديكورات والأزياء وأماكن التصوير التي تدور في أهم المسارح في مدينة نيويورك لا سيما قاعة كارنيغي العريقة.

سيناريو الفيلم الذي شكّل رافعة العمل وركيزته الأساس كان مُصاغاً بطريقة شاعرية تتناغم مع جو الموسيقى والمسرح والتمثيل، وتشكل بيئة العمل الفنية حاضنة جيدة للعبارات والجمل الرومنسية.

***

في أحد المشاهد القوية التي تُعبّر عن معضلة المبدع مع عملية الخلق وتعثرها يقول المايسترو ليو لزوجته فيليتسيا:

“غنّى الصيف فيّ منذ مدة ولكنه لم يعد يغني”.

تجيبه فيليتسيا:

“إذا كان الصيف لم يغنِّ فيك فلا شيء يغنيّ فيك ولا يمكنك صنع الموسيقى”.

وكلما انتقلنا من المشاهد المبهرة للعرض الموسيقي والجسدي لعصا المايسترو الساحرة، أمكننا الإستفاضة في تناول الأداء التمثيلي العالي للممثل برادلي كوبر الذي بدا متماهياً إلى أقصى حدود الإقناع مع شخصية الموسيقار والملحن المدخن والمدمن على الجنس والمخدرات والموسيقى والجمال وكل مغريات الحياة مع مسحة كآبة مفرطة السوداوية. وبرغم أنه كان كاثوليكياً وغير مثلي فقد جسّد الدور ببراعة وإستطاع أن يكون حقيقياً في ظروف غير حقيقية. وفي الوقت نفسه، لم يكن أحد ينافسه إلا زوجته التي برعت في التمثيل حد الإبهار.

***

لعب الممثل برادلي كوبر في حياته الفنية أدواراً مميزة. برع في “صداع الكحول” The Hangover (2009) للمخرج تود فيليبس، كما في دور الجندي المضطرب في فيلم “قناص أميركي” American Sniper للمخرج كلينت إيستوود (2014)، ثم جاء دوره كمدرس سابق يعاني اضطراب ثنائي القطب في فيلم “المعالجة بالسعادة” Silver Linings Playbook (2012) وأداؤه الصوتي لشخصية البطل المشاكس روكيت راكون في أفلام “عالم مارفل” السينمائي.

في الخلاصة، أفلام السير الذاتية شديدة الجاذبية خصوصاً إذا قُدّمت في إطار سيناريو وإخراج وتمثيل يحترم عين المشاهد وعقله. حينها يكون الفيلم يستحق المشاهدة وذلك ينطبق على فيلم “مايسترو”..

إقرأ على موقع 180  مع النصراوي من براغ إلى دمشق وبغداد.. وبيروت (4/4)

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  تل أبيب - أنقرة.. حان وقت تعميق العلاقات