“الكائنات الفضائيّة”.. هل هناك من يُحضّرنا نفسيّاً؟

أعتقد أنّه باتَ من المشروع أن نبدأ بطرح التّساؤلات هذه بجدّيّة، برغم غرابة الموضوع للوهلة الأولى. لماذا تكثر الوثائقيّات (الجدّيّة وشبه الجدّيّة) والأفلام والكتب والمقالات وما إلى ذلك حول احتمال وجود أو تواجد الحياة في الفضاء (أو "خارج الأرض")، وحول الكائنات الحيّة المحتملة الوجود خارج كوكبنا، وحول برامج ومهمّات سرّيّة وغير سرّيّة قائمة أو مفترَضة تقوم بها بعض الدّول العظمى (بشكل خاصّ) في ما يعني هذه القضايا؟

الأقرب إلى “عقلانيّتنا” المعتادة أن نعتبر أنّنا هنا طبعاً أمام مجرّد حماسة عاطفيّة-خياليّة واعلاميّة وتجاريّة.. ولكن، هل يفسّرُ هذا الجانب وحدَه صرفَ كلِّ تلكَ الأموال والطّاقات الهائلة مؤخّراً؟

قد يبدو للمراقب وللمتأمّل: وكأنّ الأمر قد بدأ يتخطّى – ربّما – هذه المستويات البديهيّة والمباشرة والاعتياديّة.

فهل هناك من يُحضّرنا، بشكل أو بآخر، وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة: لإعلان “أمرٍ ما” حول قضيّة الحياة خارج كوكب الأرض (وربّما حول تلقّي بعض الإشارات قيد الدّرس حول هذا الموضوع)؟ هل أصبح هذا السّيناريو “المجنون” قريباً نسبيّاً؟ وإلّا، فما الذي يُبرّر هذه الموجة التي تخطّت الدّراما التّقليديّة وقصص الخيال العلميّ؟

حقّاً؛ ما أسباب هذه الموجة التي تبدو وكأنّها منسَّقة.. ومَن يقف وراءَها؟ وما هي أهدافُها الحقيقيّة؟ (كلّ هذا، مجدّداً بمعزل عن اعتقادنا أو عدم اعتقادنا – أو تشكيكنا – بفرضيّة “الوجود” أو بفرضيّة “التّواصل” مع أهلِ غيرِ الأرض).

***

هل لم تزلْ الظّاهرة محصورة ببعض القصص والرّوايات والأفلام التي تُعتبر عادةً من صنف الخيال أو من صنف الخيال العلميّ؟

من المُمكن أن يكونَ الأمرُ قد صار فيهِ شكٌّ ونظر. فراقب وتأمّل معي:

  • لماذا يتمّ، يوماً بعد يوم، اقحام فرضيّة “الحياة خارج الأرض” وفرضيّة الكائنات الفضائيّة الواعية في نقاشات حول أصل أو “هبوط” الحياة على الأرض؛ أو حول نشوء الحضارة الإنسانيّة؛ أو حول بعض الآثار والظّواهر القديمة المثيرة للعجب (كأهرامات مصر القديمة، أو أهرامات أميركا اللّاتينيّة، وما إلى ذلك من بقايا للحضارات القديمة ومن بعض ما تركته ممّا يُثير الحيرة العلميّة والدّهشة والعَجَب إلى اليوم)؟ ولماذا يتمّ اقحام كتّاب وأدباء وباحثين في هذا النّوع من النّقاشات.. عدا عن بثّه من خلال قنوات اعلاميّة والكترونيّة مُعتبرة (منها ما هو شعبيّ، ومنها ما هو علميّ-وثائقيّ، ومنها ما هو شبه علميّ إلخ..)؟ ولا لزوم هنا لتكرار ذكر الوسائل الاعلاميّة والثّقافيّة التي يتمّ اليومَ بثّ هذه الأفكار والنّقاشات من خلالها.

ما صار يُمكن تسميَته بـ”الطّرح الفضائيّ الذّكيّ” معروفٌ للمتابعين مثلاً لأحدث الإنتاج السّينمائيّ والوثائقيّ والتّاريخيّ وما إلى ذلك. ولكنّني سأتعمّد هنا عدم ذكر أهمّ هذه الأعمال، التي يمكن الوصول إليها بسهولة طبعاً.. والهدف هو ألّا أشارك مباشرةً في ترويجها طبعاً.

  • لماذا يتمّ انتاج أفلام وثائقيّة، منها ما هو ضخم ومُكلف نسبيّاً، تتناول تحقيقات حول وجود برامج سرّيّة داخل مؤسّسات تابعة للولايات المتّحدة وغيرها.. لاستكشاف امكانيّة – أو مشاهدة – “الحياة خارج الأرض”؟ بعض هذه الأعمال يتحدّث عن معلومات أمنيّة “سرّيّة” قد غدت “شبه سرّيّة”: تتعلّق بظواهر معيّنة شاهدها أو لاحظَها شهود متعدّدون.. ومنهم من ينتمي إلى المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الأميركيّة ذاتها!

بل يمكننا مشاهدة أو قراءة أعمال، يشهد فيها ويتحدّث.. ضبّاط سابقون في الجيش الأميركيّ أو في أجهزة الاستخبارات الأميركيّة.. وبأسمائهم ورتبهم السّابقة! هل من المعقول أن يظهر كلّ هؤلاء بهذه الطّريقة، وبشكل متكرّر وأكثر علانيّة.. فقط بالصّدفة، أو بسبب بعض الأهداف التّجاريّة والماليّة المباشرة أو السّطحيّة؟

قد يكون من المشروع اليومَ البدء بالتّشكيك بالفرضيّة البريئة إن صحّ التّعبير.. بمعزل عن الرّسالة الحقيقيّة المقصودة من خلف هذه الموجة أو الموجات الإعلاميّة والصّحفيّة والثّقافيّة القديمة والجديدة معاً.

بعض هذه الأعمال مثلاً يأتيك بضبّاط أو بمسؤولين سابقين، منهم ذوو رُتب رفيعة: يُحدّثك أحدهم عن وجود “أدلّة” على مشاهدة الجيش الأميركيّ وغيره لأجسام غريبة في الجوّ، منها “ما” أو “مَن” أعطى مؤشّرات “ذكاء” من نوع مُعيّن!

ومن هذه الأعمال ما يذكر، في نفس الإطار، مشاهدةَ ظواهر يُمكن تأويلها على أنّها محاولات “تواصل”.. مع أهل الأرض! ومنها من يحدّثك عن وجود ملفّات وبرامج في هذا السّياق في “عهدة الأجهزة المختصّة”! ومنها ما يوحي وكأنّ فرضيّة “محاولة التّواصل مع الأرض” أصبحت جدّيّة.. ومن هؤلاء جميعاً من يُحدّث عن وجود صُور لما يُمكن اعتباره كائنات فضائيّة! وقد ذهب بعضهم إلى عرض بعض “الأدلّة” والصّور مثلاً على البرلمانيّين المكسيكيّين مؤخّراً، وبشكل علنيّ!

إذن: حديث عن مشاهدة أجسام غريبة؛ حديث عن استقبال مؤشّرات حول “ذكاء” من نوع يُمكن وصفه “بغير البشريّ”؛ حديث عن أدلّة على وجود محاولات “تواصل مع الأرض” يتمّ العمل على تأويلها (أو أبعد من ذلك) من خلال أجهزة ومراكز مختصّة؛ حديث عن “حوادث” أو “مشاهدات” غريبة جدّاً قد لاحظَها الكثيرون، بل المئات أو الآلاف من النّاس في بعض المناطق (إلخ.).

كلّ ذلك: مع تدخّل شهادات لبعض الشّخصيّات ذات الطّابع العلميّ-الأكاديميّ أو الأمنيّ-العسكريّ أو الاعلاميّ-الثّقافيّ المرموق والمحترم؛ ومع اقحام لشهادات ولتصريحات ولوثائق ولتحليلات حول تواجد ملفّات جدّيّة قيد الدّرس داخل بعض المؤسّسات والفرق الرّسميّة؛ ومع استخدام لوسائل اعلاميّة ووسائل نشر من النّوع المرموق والثّقيل ربّما (إلخ.).

إقرأ على موقع 180  التكرار لا يعلم الجنرال.. البرهان على خطى لوران كابيلا

فهل جُنّ هؤلاء جميعاً، أم نحن من يُجنّ؟ وما الهدف من وراء كلّ ذلك؟ ولماذا الآن؟ هل يعلم “أحدهم” شيئاً ما: لا يعلمه أو لا يعلم به الأكثرون؟ هل يُخفي أحدهم شيئاً ما؟ هل يُحضّر أحدهم الجماهير والشّعوب حول العالم.. “لإعلانٍ” من نوعٍ ما؟

أم أنّنا أمام مجرّد قضيّة “موضة” اعلاميّة وتجاريّة؟ وهل يُقحم بكلّ هذه الأسماء والمؤسّسات والأموال.. لمجرّد قضيّة “موضة”؟

فعلاً.. المسألة قد غدت مُحيّرة نوعاً ما. ويصحّ ذلك خصوصاً إذا ما حاولت تأويل “الرّسائل” خلف بعض الأعمال السّينمائيّة والفنّيّة والأدبيّة والفكريّة المتكاثرة مؤخّراً:

  • إذ: لماذا تكثر الأعمال السّينمائيّة والفنّيّة (إلخ.) التي تتحدّث عن اقتراب.. “اليوم الفضائيّ الموعود” وبهذا التّوقيت الإجماليّ؟ لا يقتصر الأمر على تصوير وصول الكائنات الفضائيّة إلى الأرض مثلاً، كما كان يحدث في النّصف الثّاني من القرن المنصرم بشكل خاصّ (على سبيل المثال أيضاً). القضيّة هنا أعمق: فقد يُحسّ المُراقب بأنّ هناك من يريد اثارة تساؤلات محدّدة عنده حول الذي سيحدث عند حصول “إعلان” كهذا؛ حول الذي سيحدث اجتماعيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً.. ولكن أيضاً: في داخل عقل ونفس هذا المراقب نفسه.

قد يُحسّ المُراقب بأنّ هناك من يسأله أسئلة ضمنيّة كتلك:

  • ماذا لو حدَثَ “ذلك”؟
  • من يريد أن يُخبئ هذا “الأمر” عنك؟ ماذا لو تمّ “الإعلان” عنه غداً؟
  • أين المشكلة في نهاية المطاف؟ ما الذي يُمكن أن يُقلقَك؟
  • لماذا لا تنفَتحُ على هذه “الامكانيّة”؟
  • من قال لك إنّ الأمر بعيد.. ليس بالضّرورة أبداً! فقد يكون قريباَ جدّاً ولكنّ أكثرهم لا يَشعرون.
  • من قال لك إنّ الأمرَ سيّءٌ أصلاً؟ ماذا لو كنّا أمام تدخّل “ذكاء” من النّوع الأرفع والأحسن والأبدع معاً؟
  • ماذا لو كانوا “لطفاء”؟

كلّها أسئلة قد يحسّ المراقب بأنّ هناك من يسأله إيّاها بشكل ضمنيّ من خلال الأعمال السّينمائيّة والأدبيّة والفنّيّة خصوصاً. وفي أحيان كثيرة، قد تبدو هذه الأسئلة وكيفيّة طرحها مدروسة ومدروسة جدّاً. فمن ذا وراء طرحها؟ وبأيّ هدف؟

***

أرجو أن يُشكّل هذا المقال مادّةً للتّفكّر الجدّيّ، برغم غرابة الموضوع وتوقيت طرحه، وبرغم اختلافنا على الأرجح حول الأسباب الحقيقيّة وراء هذه الموجة المذكورة، وحول فرضيّة “الحياة خارج الأرض” ككلّ. ما قصدته من وراء هذا المقال هو اثارة الفضول الفكريّ وربّما العلميّ، قبل أيّ شيء آخر. أقول ذلك كلّه مع التّنويه بأنّ العلوم الحديثة تُقرّ اجمالاً بوجود احتمال مُعتبر علميّاً لظهور “الحياة” أو “الذّكاء” أو “الوعي” على كواكب أو أماكن أخرى من الكون الظّاهر (أي على غير كوكب الأرض). ولكنّ الاحتمال ينخفض بشكل ملموس جدّاً وقويّ جدّاً: في ما يخصّ امكانيّة التّواصل مع تلك “الكائنات” المحتملة الوجود، بسبب بُعد المسافات الفيزيائيّة الظّاهرة.

ومن المهمّ أن نَذْكر أنّ كثيراً من النّاس حول العالم، ومنهم شخصيّات مثقّفة وذات شهرة، يؤمنون بصحّة هذه الفرضيّة، بل وبإمكانية التّواصل.. ومنهم من يؤمن بأنّ التّواصل قد حصل أصلاً، أو أنّ “هُم” يعيشون بينَنا منذ زمن ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون. ومنهم من يدّعي بأنّه قد تواصل مع “هُم” أو أنّه قد رأى “هُم” فعلاً.. وما إلى ذلك من ادّعاءات غريبة لكن منتشرة ومعروفة. لن أذكر أسماء محدّدة في هذا المقام، ولكنّك قد تتفاجأ جدّاً إذا ما سمعت ببعضها.. عداك عن الأعداد المذكورة لشهود ومشاهِدي اليومِ الفضائيّ الحاصل أو الموعود.

لكن، تبقى الأسئلة المركزيّة في ما يخصّ مقالَنا، برغم أنّي لست – إلى الآن – من المؤمنين بنظريّة الحصول في ما يخصّ اليوم الفضائيّ الموعود: من وراء هذه الموجة الحاليّة؟ ولماذا؟

***

في الخاتمة، أترك القارئَ العزيزَ مع هذه التّساؤلاتِ الغريبة والعجيبة، وأحاول بعد ذلك العودةَ إلى المألوفِ من أمورِ العَرَبِ والعَجَم، حتّى لا يُقالَ فينا يوماً: إنّ رجالاً من الأرضِ كانوا “يتحشّرونَ” برجالٍ من غير الأرضِ.. فزادوهم – وزادهمُ الأمرُ – تشويشاً ورَهَقا!

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  السعودية وأمريكا.. من "زواج كاثوليكي" إلى "زواج إسلامي"!