معنى أن يستعيد السوريون مُلكيتهم لقضيتهم

في العام 1948، أطلق المفكر والمؤرخ الجزائري الكبير مالك بن نبي مقولته عن "القابلية للاستعمار" ليكشف جوهر العلاقة الإشكالية بين النخب في الدول المستعمَرة مع غُزاتهم المستعمِرين. وإذ تستقوي مكونات الوطن بعضها على بعض، يتحول الوطن فريسة لا تنضب لغزاته.

نجد، نحن السوريين أنفسنا الآن في قعر هذه الجورة العميق، بل إننا نحفر أعمق فيها. وتنقسم سوريا لإمارات حرب ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل. وبرغم ما قد يبدو من هدوء على السطح، تستمر الحرب الداخلية في سوريا ومعها يحتكر أمراء الحرب العنف، ويعتاشون جميعاً، على جثة ما تبقى من دولة تنهار.. وتنهار معها سيادة الدولة عند كل بوابات للفساد وحواجزه. ثم، بفضل تطفل أمراء الحرب على كل حلقات الإنتاج، ينهار الاقتصاد، وتعيش المافيات على اقتصاد أسود ينهب ما تبقى حياً في الاقتصاد، ليصبح النسغ الواحد الجاري في دم البلاد صدقات “الدول الداعمة”.

خلاصة القول، وعكساً لكل ما يبدو من حراك نحو الأفضل الآن، أجد أن لا حرب في سوريا من دون دور المتدخلين، لكن لا سلام فيها ولا عودة للاجئين من دون أن يستعيد السوريون وكالتهم وملكيتهم لقضيتهم.

بل تستشري أكثر فأكثر عقلية “القابلية للاستعمار” والاستنصار بالغرباء بديلاً عن الحوار الوطني المشترك بين السوريين، وتعويضاً عن فقدان السوريين لأدنى مقومات السيادة على قضيتهم ومصيرهم.

حسب استطلاعات الرأي، تعتقد أغلبية السوريين أنّ سلطات الأمر الواقع، على اختلافها، لن تُصالح أحداً وأنها تسير بحال ما تبقى من البلاد من سيء لأسوأ! وأنها أفشلت وفشلت في أية مصالحة كان يمكن أن تفتح مخرجاً من الفاجعة السورية.

 وبعكس هذا الانحدار الكامل في الوطنية السورية، كان في تاريخنا مثال مشرف ومناقض تماماً لحالنا الراهن، برغم انّه لم يكتمل! فحين توافق الآباء المؤسسون للوطن السوري الحديث، بدعوة من سلطان باشا الأطرش، وحين عملوا معاً من أجل استعادة السوريين ملكيتهم وانتزاع وكالتهم وقضيتهم، تمكنوا معاً من كسر خطر التقسيم الذي كانت تعمل عليه فرنسا.

لن أناقش هنا المعطيات الاستراتيجية الإقليمية التي تشير بوضوح لاحتمال حصول تحرك بعض عناصر الوضع السوري على مدى سنة أو سنة ونصف المقبلة في ظل التبدلات العميقة للوضع الإقليمي.

لكن، مع بواكير تحرك الوضع السوري، ينثر الدخلاء من جديد أوهاماً حول توكيلهم لهذا أو ذاك من أمراء الحرب، لنغرق من جديد في خبل الاعتقاد بمستعمر “حباب” و”طيب”، وليسحب تيار التبعية من جديد مزيداً من نخب نظيفة ليحترقوا في الثقب الأسود السوري.

إن بقي مستقبل السوريين في يد مستعمريهم والمتدخلين في مصيرهم، فليس فيما أكتب أي بشرى أزفها لكم ولا لأولادكم.

بل سوف يتوافق الدخلاء على إغلاق الجرح السوري بقيحه، ليعود فينفجر بعد حين قريب، في دورة توغل في إغراق البلاد في مزيد من التفتت والتبعية، لتستمر في الدوران في حلقات مفرغة من حرب داخلية معلنة ومستبطنة.

هل نحن قادرون على أن نتجاوز الغل والرغبة في الغلبة لمصلحة انقاذ سوريا من براثن إمارات الحرب والاحتلالات. وهل ندرك حراجة اللحظة؟ هل نحن قادرون على القبول التاريخي بالآخر من طوائف وأعراق وقوميات أصيلة في الكيان السوري؟ كيف يكون ردّ السوريين على هذا التحدّي؟ نافذة الفرصة تضيق وسيكون البديل فادحاً

إن كان ثمة شك، فلننظر إلى حال جيراننا الذين فرضت عليهم من الخارج توافقات وطنية. إنهم يغرقون في حروب داخلية مستبطنة حتى بعد توقف النزاع المسلح. وتغرق بلادهم في الفشل والتفسخ ويتمزق شعبهم، كما نحن، نحو مزيد من التشرذم. لذا، أسارع للقول إن أي حل يستند للخارج كارثة، حتى لو نجح مؤقتاً.

وفي السياق، تُروّج قوى دولية وإقليمية عديدة لاستحالة العيش المشترك بين السوريين وتُسوّق لأهمية دورها في منع “المذابح بينهم”. ويدعي هؤلاء أنه بعدما جرى، لا يُمكن أن تأمن المكونات بعد الآن لبعضها البعض، ولا يُمكن أن تعيش بسلام إلا من خلال المزيد من تسلط أمراء الحرب ووصاية المتدخلين.

وأنا أقول العكس؛

نجد، نحن السوريين، أنفسنا واقعين بين رؤيتين متناقضتين ووهميتين؛ رؤيتان تتصارعان وتتعايشان معاً وتروجان لنهش لحمنا.

الوهم الأول: إمكان التحول السياسي في سوريا بمجرد بدء التغيير السياسي الذي يمحضنا إياه الغرباء، فتصير الأمور سمناً وعسلاً. لم يتحقق هذا الوهم أبداً بعد أية حرب داخلية بهذه الفظاعة، ولم يحصل أن ذهب أمراء الحرب إلى بيوتهم بمجرد النوايا الطيبة، ولا أن تم القضاء على سرطانات المتدخلين بمناشدتهم بطيبة قلبهم، ولم يحصل أن تخلى أمراء الحرب عن تعلقهم و”قابليتهم للاستعمار”.

والأهم أنه بفضل تناقض مصالح وتآمر المتدخلين، فإنني أجزم أن دورة العنف ستعود لتنفجر في اليوم التالي.. وإلى ما شاء الله.

الوهم الثاني: أنّ ثمة طرفاً خارجياً “منصفاً”، سيكون حريصاً على مصالح الوحدة الوطنية السورية. ويُمكن له أن يُدبّر أمرنا، ويُعوّض غياب التفاهمات بين السوريين، لتولد بين عشية وضحاها دولة تشاركية تتولى وأد الحرب الداخلية.

لكن كما اختبرنا طويلاً في سوريا، وكما تؤكد تجارب الآخرين، لا يوجد طرف خارجي نزيه، وليس لأحد إلا السوريين أن يجدوا حلاً لمشكلتهم.

سؤالي، لكن في انتظار أن يأتينا ذلك المُتدخّل “منتصف” ذات ليلة على حصانه الأبيض: ماذا نفعل نحن السوريين؟

أعرف أنّه بسبب القتل أو التهجير أو الخراب، استفحل التفكّك في بنية المجتمع السوري، لكنني أعتقد أننا ما زلنا قادرين على انتزاع بلادنا من جوف الحيتان المحيقة. لا زلنا قادرين على إنتاج التوافقات، إن تمكّنا من رفع يد المستعمرين عن رقبتنا.. ورقبة البلاد.

إقرأ على موقع 180  روسيا وتركيا: ألعاب ماكرة ومصالح مشتركة

هذا هو الأمل الوحيد الذي يحمل أي معنى لنا ولأولادنا، خارج إرادات أمراء الحرب الدخلاء الموغلين في نهش لحمنا. ذلك أنهم يُدركون أن أي درء لتدخلات الغزاة وأي تقليص لسلطة أمراء الأمر الواقع في كل أنحاء البلاد، وأي تقدم نحو التوافق على شروط العيش المشترك بين السوريين سيرتد خطراً وجودياً عليهم.

نعم، لدينا مجتمع دمّره التفكيك التاريخي والقسري للبنى المجتمعية التقليدية – (العائلة الكبيرة والقبيلة والعشيرة). في حين لم يُتح للمجتمع فرصة تشكيل أي نمط بديل يسمح بتطوير تضامن مدني حتى بأبسط أشكاله. بدوره، ساهم تدمير الصناعة الوطنية الخاصة في تدمير الإنتاج الصناعي والزراعي بشكل عميق. وأخيراً جاء التهجير وتدمير البنى التحتية للإنتاج الصناعي والزراعي، ليُعمّق تفكك ما تبقى من بنى مجتمعية وتضامنية في نسيج مجتمعنا، ليُصبح المجتمع السوري شظايا مفككة عاجزة أمام قوى الأمر الواقع، بعد أن أسقط في يدها كل أداة للتضامن في مواجهة الاستبداد والطغيان أولاً ثم في مواجهة إمارات الحرب في أرجاء البلاد.

السوريون مأخوذون رهينة صراعات أمراء الحرب.

إنّهم ممنوعون من استعادة وكالتهم لقضيتهم.

انّهم محرومون وممنوعون من أي ملكية ومن أية وكالة لقضيتهم.

إنّهم ممنوعون من المشاركة في رسم مستقبلهم.

السوريون ممنوعون، بل يقمعهم المستعمرون على اختلافهم، من التواصل العابر لحدود الإمارات. محرومون من أي إمكانية للحوار والبحث عن شروط العيش المشترك.

السوريون ممنوعون من تحويل توافقاتهم إلى قوة سياسية تسمح لهم برسم مصيرهم.

لذلك، يجب أولاً العمل على تحرير القضية السورية. المتدخلون في قضيتنا يقمعون بأشرس الأشكال، أي إمكانية لإنهاض المجتمع السوري عبر توافقات وطنية، في مواجهة السياسات الاقصائية لكل المعتاشين على عصبيات المكونات السورية.

وبعد أن طفش السوريون داخل بلادهم وخارجها، يئس الكثيرون من المستقبل، ومن قدرتهم على استعادة المبادرة الوطنية وترميم تشكيلات المجتمع المدني العابرة للوطن.

وكما تفاوضوا سابقاً في القدس وفي تل أبيب، يفاوض الآن الروس والإسرائيليون والأمريكيون والأتراك والإيرانيون إلخ.. لإعادة رسم مصيرنا القريب والبعيد، بناء على التحولات الجديدة في موازين القوى. بل يُشكّل الأوصياء والمتدخلون اللجان والهيئات والأحزاب السورية التي تفاوض صُورياً باسم السوريين، ويُهمّشون قدرة المجتمع الحقيقية، ولا أستثني من ذلك أحداً. بحيث لا يبقى لنا كسوريين من مخرج إلا من خرم إبرتهم. ويُقوّض أمراء الحرب والمتدخلون كل إمكانية لتأسيس تجارب وبؤر نجاح لمجتمع سلمي واقتصاد محلي قادر على العيش، بل إنّهم يُدمّرون براعم الاقتصاد المنتج التي تنشأ موضوعياً.

وها هم، عبر العودة القسرية والكيفية للاجئين، يستفردون بأهلنا دون أن يضمنوا أدنى شروط العودة الآمنة. ولا شيء يهمهم من شأن اللاجئين ومستقبلهم إلا الاغلاق القسري للقضية السورية ومنعها أن تطرش عليهم كارثتها التي صنعوها بأنفسهم.

بل إنهم يقمعون أي محاولة لاستعادة الملكيات المنهوبة للسوريين في كل أنحاء البلاد.

يجب أولاً العمل على تحرير القضية السورية. المتدخلون في قضيتنا يقمعون بأشرس الأشكال، أي إمكانية لإنهاض المجتمع السوري عبر توافقات وطنية، في مواجهة السياسات الاقصائية لكل المعتاشين على عصبيات المكونات السورية

ليست قضية الهجرة إلا ذريعة للمزيد من تدمير المجتمع السوري. إنّهم يتجاهلون حقيقة أنه بقدر ما تستمر حالة التبعية للمتدخلين ويستمر الفشل الوطني، ستستمر الهجرة مهما حصل. وإلا لتوقفت أصلاً الهجرة إلى أوروبا من لبنان ومن العراق.

لكن ثمة قوى دولية، قادرة وغير متورطة استراتيجياً ولا مصلحياً في الفاجعة السورية. وإذ تضيف هذه القوى الدولية عزماً لجهد السوريين من أجل السيادة على مصيبتهم، لا يجب أن يعني ذلك بحال من الأحوال العودة لتسليم زمام شأننا الوطني لأي كان.

أرى أنه بالإمكان أن نناضل جميعاً ومعاً، لانتزاع حقنا في أن يكون صوتنا هو الحاسم في تحديد مصير البلاد على أي طاولة تبحث الشأن السوري. ويُفترض أن نُحدّد جميعاً موقفنا السياسي من أي قوة دولية واقليمية بقدر توافقها مع معركتنا هذه واستجابتها لمتطلبات رفع الوصاية عن وطننا، وتمكين السوريين من أخذ قرارهم.

يجب أن نسحب أي تفويض بالتفاوض السياسي والدستوري والدبلوماسي من أيٍ من أمراء الامر الواقع. يجب سحب أي تفويض من أي كان، يعمل ضمن ترتيبات ومفاوضات لا يكون للصوت السوري قوله الحاسم فيها. يتطلب ذلك تطوير ودعم البنى المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني في كل أنحاء البلاد لتصبح هي الناطقة باسم المجتمع وهي الصوت الناطق والمُحدّد لمصالح الشعب السوري.

وبعد هل نحن قادرون على أن نتجاوز الغل والرغبة في الغلبة لمصلحة انقاذ سوريا من براثن إمارات الحرب والاحتلالات. وهل ندرك حراجة اللحظة؟ هل نحن قادرون على القبول التاريخي بالآخر من طوائف وأعراق وقوميات أصيلة في الكيان السوري؟ كيف يكون ردّ السوريين على هذا التحدّي؟ نافذة الفرصة تضيق وسيكون البديل فادحاً.

Print Friendly, PDF & Email
سمير التقي

أكاديمي وكاتب سوري

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "الإنتحاري" فرنسيس وأمراض الشرق.. والشفاء البعيد