يظهر المشهد السياسي السوري، منذ سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، توتراً واضحاً بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الوحدة الوطنية ومبدأ «مَن يحرر يقرر» الذي تتمسك به بعض قيادات السلطة.
يظهر المشهد السياسي السوري، منذ سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، توتراً واضحاً بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الوحدة الوطنية ومبدأ «مَن يحرر يقرر» الذي تتمسك به بعض قيادات السلطة.
للسؤال عن كيفية بناء المواطنة السورية في زمن الجراح وجهٌ آخر، أقلّ ظهوراً وربّما أكثر عمقاً: كيف نبني الانتماء لدى إنسان لم يعُد واثقاً من معنى الانتماء نفسه؟ وكيف يقتنع بالمواطنة إذا كانت كلمات مثل «الوطن»، و«الدولة»، و«القانون»، و«العدالة»، و«الثورة»، و«المقاومة»، و«المصلحة الوطنية» قد استُهلِكت خلال عقود في خطابات متناقضة، حتى باتت الكلمة الواحدة قادرة على أن تعني الشيء ونقيضه؟ إنّ أزمة المواطنة السورية هي أيضاً تاريخٌ طويلٌ من الاغتراب.
لا تنتهي الحروب بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في إعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة، وفي الدول الخارجة من النزاعات يصبح السؤال الحاسم: من يمتلك حق استخدام القوة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد أو تقديم الخدمات، وإنما أيضاً بامتلاكها الحق الحصري في استخدام السلاح. وفي الحالة السورية، يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية بعد حرب طويلة أنتجت آلاف التشكيلات المسلحة.
لم تعد دمشق وحدها مركز الدولة السورية. بعد أكثر من عقد على الحرب، تبدو السلطة في سوريا أقل شبهاً بدولة مركزية تقليدية، وأكثر قرباً من بنية موزعة تتقاسم فيها الفاعليات المحلية والمركزية وظائف الحكم والموارد والشرعية. وبينما تستمر مؤسسات الدولة في العمل شكلياً، فإن مراكز القوة الفعلية باتت موزعة بين شبكات نشأت خلال الحرب، أعادت تعريف معنى السلطة نفسها داخل المجال السوري. هذا التحول لا يطرح سؤال من يحكم سوريا؟ بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي تبقى من الدولة عندما تفقد قدرتها على الاحتكار؟
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها: ما جرى في سوريا كان حرباً أهليّة، وإن كانت في الوقت نفسه حرباً بالوكالة غذّتها أطرافٌ خارجيّة بالمال والسلاح.
مع بدء العد العكسي لتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، إذا صدقت نوايا دونالد ترامب، حان وقتُ الأسئلة الكُبرى بشكل أو بآخر، إن صحّ التّعبير. وهي أسئلةٌ نحاول من خلالها أن نتجاوز الوقائع الآنيّة والمظاهر العابرة نحو ما هو أكثر عمقاً وأشدّ ارتباطاً في اعتقادنا بما يجري في المنطقة وفي لبنان، وأشدّ ارتباطاً بمستقبل شعوب المنطقة وبمستقبل لبنان أيضاً.
عام 2025 كانت علامته الفارقة دخول سوريا في مرحلةٍ جديدة للمرة الأولى منذ تشكلها كدولة على أثر اتفاقية سايكس – بيكو والإحتلال الفرنسي بعد إسقاط الحكم الفيصَلي الوليد. وكمجرياتِ فيلمٍ سينمائي، كنا كلبنانيين، نشهدُ سوريا مختلفة، لا عن تلك التي رأيناها عبر جيشها ومخابراتها في لبنان فحسب، بل عن أي سوريا أخرى في التاريخ الحديث.
بين الألم والصمود، وبين فقدان اليقين والبحث عن الأمل، برزت المرأة السورية كعنصر محوري في الحفاظ على تماسك الأسرة واستمرار المجتمع، رغم ما واجهته من خسارات مضاعفة وأعباء قاسية. ومع الدخول في مرحلة تتطلّب مراجعة شاملة للمسار المجتمعي، يصبح من الضروري التوقّف عند قضايا المرأة والأسرة بوصفها مدخلاً أساسياً لأي تعافٍ اجتماعي أو وطني حقيقي.
يُمثّل الشّمال الغربيّ السّوري، ولا سيما محافظتي اللّاذقيّة وطرطوس وأجزاء من ريفَيْ حمص وحماه، حالةً خاصةً في المشهد السّوري الجديد. هذه المنطقة التي تشكّل الكتلة السّكانيّة الأكبر للطّائفة العلويّة كانت تاريخيّاً قاعدةً أساسيّةً للنّظام السّابق، ودفعت كلفةً بشريّةً واجتماعية كبيرةً خلال الحرب السورية (2011-2024). ومع سقوط نظام بشّار الأسد وبروز حكومةٍ انتقاليّةٍ جديدةٍ في دمشق، تبلورت إشكاليّةٌ مركّبةٌ في علاقة الجماعات العلويّة بالدّولة السّورية الجديدة.
لا تبنى الاستراتيجيات الوطنية على خلفية انفعالية أو انتقامية أو تشفياً من فريق وطني ضد آخر. بل على الاستراتيجية أن تكون محايدة وموضوعية بالمعنى المصلحي العام. فالدولة العادلة هي الدولة التي تكون محايدة تجاه مواطنيها، بمعنى عدم الانحياز لفئة دون الأخرى، وعدم تجسيد مصلحة فئة دون أخرى، أو أفراد دون آخرين. ما يجعلها قادرة على المساواة بين مواطنيها في حقوقهم وواجباتهم.