

في العام 2001 سافرتُ إلى اليمن، وكان سؤال اليمنيين الذين إلتقيتهم في صنعاء، من صحافيين ومثقفين ومواطنين، عن سر “السيد” وكنت كلما حدّثتهم يزدادون نهمًا للأجوبة وللصورة التي كنت أحملها معي للسيد. تبدّت لي صنعاء في حُبّها للسيد كأنها إحدى الثغور الجنوبية الأمامية عند تخوم فلسطين المحتلة..
وما زلت أذكر أن بعض الباعة في أسواق صنعاء القديمة، كانوا يُصرون على أن تكون الأشياء التي أشتريها عبارة عن هدية منهم إليّ عندما كانوا يُدركون أنني من جنوب لبنان المحرّر الذي ارتبط ذكره في تلك المرحلة باسم سماحة السيد.
وما جعلني أستغرب هذا التعلّق العربي هو أنني كنتُ في بيروت قد نشرتُ مقالًا في جريدة “المستقبل” عن الهوس اللبناني المُبالغ به بالسيد، مُعتبرة أن النصر هو نصر جماعيّ يخصّ كلّ أهل الجنوب والبقاع وبيروت وكلّ من صمد أو تحمّل وكلّ عائلة شهيد أو جريح. فلم أستطع أن أخبرهم أن هوَسهم به شبيه بما إنتقدته في نصيّ الصحفيّ حول هوس وحب معظم أهل لبنان بالسيد في تلك المرحلة.
كان السيد بشخصيته الساحرة وكاريزميته الجاذبة يُؤثّر بالسامع والمُتلقي تلقائيًّا. كنت أسمع خطبه ومواقفه في إطار عملي المهني.. لكن لطالما كنتُ أفكر في ما مرّ على العرب والمسلمين من حالات شخصنَة للتجارب وربطها بشخص القائد والزعيم إلى درجة أنّ هذا الزعيم أو القائد قد يُغيّر موقفه أو يتحوّل خياره، أو يبيع مستقبل بلده، ويأخذ شعبه إلى الهاوية دون أية استشارة أو تداول وطني، فربما ينطبق عليه مقولة (ما تفكروا أنا بفكر عنكم). ولطالما قام زعماء وقادة ورؤساء عرب نصّبوا أنفسهم أبطالًا بُعيد معركة هنا ومعركة هناك بخذلان شعبهم في سياق إذعانهم لضغط الدول والأمم.
صراحًة لم أكن أعلم أنّ السيد من صنف آخر، ولطالما خفتُ على بيئتي من تكرار تجارب الإحباط، واعتبرت أنّه من واجبي كصحفيّة أن أعلن رفضي لعادة تقديس الزعيم أو القائد أو الرئيس مهما كان بطلًا وقويًّا ومُلهمًا.
كتبتُ ما كتبت ولم أكن أدري أنّ السيد حسن نصرالله لم يكن من صنف القيادات التي تراجعت وسلكت مسلك السلم والاستسلام مع العدو، ولا قدّمت أولوية على أولوية المقاومة، ولا خلعت رداء المقاومة لكي ترتدي أثواب الخزيّ الملطخة بدماء الشهداء.
كتبتُ خوفًا وقلقًا على حالة مُقاومة مُعتزة بقوّتها؛ بنصرها؛ فخفتُ من أن يُغشي التحرير عينيها فينقلب عليها خصوصًا أن عددًا لا بأس به من العملاء ظهروا على الساحة محاولين إحباط العمل المُقاوم. خفتُ على بلد صغير، الأعداءُ فيه بعدد الطوائف، والمقاومون فيه بعدد حبات الرمل على شواطىء صيدا وصور والناقورة.
سماحة السيد؛
انتقدتُ عشق هؤلاء المحبين وتقديسهم لك، وهم الذين كانوا أكثر وضوحًا في رؤياهم وفكرهم الثاقب والنيّر والبعيد النظر، وكنتُ أنا جاهلة بك وبشخصك وعقيدتك ورؤيتك.
سامحني يا سيدي على خطأ تحليلي ورؤية ناقصة.
سامحني ثانيّة لأنني تأخرت في كتابة رسالتي هذه إليك.
كنت أرغب أن ألقاك يومًا ما، لكن الكيان المجرم حرمني من أمل كنت أظنّه سيتحقق قريبًا.
أرجو أيضًا أن تسامحني عائلتك الشريفة التي تتطلع دومًا إلى من أخطأ بحقكم كسطر خُطَ بقلم رصاص أسود على ورقة بيضاء يُمكن أن تمحوها ممحاة أخلاقهم العاليّة والنبيلة.