المَنفَى 

في حكاياتِ من عاشوا عمرًا مديدًا رواية أو أخرى عن مكان سكنوه؛ وكان في وقته بمنزلة منفى. صحراء لا يحدُّها شيء ولا يُرى فيها حيٌّ. رمالٌ مُمتدَّة بلا عمران ولا حتى نبات.

مَشارف هليوبوليس كانت ذات يوم صحراء؛ سَمعت من جدَّتي عن ظروفِ زواجها ومَجيئها لتقطن هذا المكانَ المُوحِش بنهاية خط مترو البارون إمبان، ونهاية الكَّون بالنسبة لها. أحسَّت أنها صارت مَعزولة، وأن الأهلَ والأقرباءَ في العباسية وضواحيها باتوا بعيدين عن العين والخُطوة. شقَّ عليها الفُراق؛ وكأنها سافرت واغترَبت. مرَّت السُّنون وأحاطت ببيت جدَّتي بناياتٌ كثيرة أحدَث، وأكثر ارتفاعًا وضخامة. امتلأت الصحراءُ كما لم يكن متوقعًا وغدت مَصدرَ إزعاج. مؤخرًا تحول المَنفى النائي الذي بات عمارًا إلى مكانٍ يَدعو للفِرار بحثًا عن الراحة المفقودة؛ لكنها لم تكن بيننا لتعلق على الحالِ، وتلقي كعادتها بأمثولةٍ أو حِكمة.

***

المَنفَى اسمُ مكان من الفعل نَفي، الفاعلُ نافٍ والمفعول به مَنفيّ والمصدر نفْيٌ بتسكين الفاء. تقول القاعدة اللغوية الشهيرة إن نفيَ النفيِ إثباتٌ، وثمَّة قاعدة أخرى ضابطة؛ تقرّر أن “لا” الناهية تجزمُ الفعلَ بينما تتركه “لا” النافية مرفوعًا. تعلمنا عديد القواعد في المدرسة؛ لكن القارئ للصُّحف والمُتابِع لوسائلِ التواصُل والإعلام؛ يتأكد أن التعليمَ يذهبُ هباءً، وأن المعلوماتِ سُرعان ما تتهدَّم على الألسنة وأسِنَّة الأقلام.

***

الحبّ في المنفى“؛ رواية صدرت في منتصف التسعينيات للراحل بهاء طاهر، حاملةً هُمومَ صحفيٍّ ناصريّ الهوى، يُغادر إلى أوروبا ضيقًا بالتطورات السياسية خلال فترة الثمانينيات، ويعاني أزماتٍ مُتعدّدة على مستوى العاطفةِ والانتماءِ والمِهنة أيضًا. الروايةُ عاكسةٌ لأزمة مُتكررة يعيدها تاريخنا وإن اختلفت التفاصيلُ، والسَّرد المُتفرّد يُجدّد الآلام.

***

مهمًا كان المَنفى مَوضِعًا حسنًا، فيه من الجَّمال ما يَخلبُ الألبابَ؛ إلا أنه يبقى إبعادًا للإنسان عن أرضِه وحِرمانًا من صِلاته، واجتثاثًا من جُذوره. يُعاني كثيرون مِمَن اضطرتهم الظروفُ لمُغادرة الوطن بسبب التضييق والقَّمع؛ من حنينٍ غامر وصراعٍ داخليّ شائك؛ فإما بقاءٌ في الغُربة المُقِضَّة المُوجِعة، أو عودةٌ لغُربةٍ أشدّ مَحفوفَة باحتمالاتِ الإيذاء والتنكيل.

***

تدفنُ الدولُ الغنية نفاياتِها في أراضي قريناتِها الفقيرة، كذلك تتخلَّص الدولُ المُتقدمة من الصناعاتِ المُلوّثة للبيئة بنفيها وإبعادها إلى الدولِ النامية. تتلقى البلدانُ المُضيفة مُقابلًا مُغريًا ولا تلقي بالًا للأضرار المُتوقَّعة، وحين يقام مصنع قادر على بثّ السُّموم في نطاقه وإصابة البشر بأمراض متباينة، تصحبه مظاهر الاحتفال والاحتفاء؛ وتتوالى الإشادات بآيات التطوَّر والتقدَّم واحتضان التكنولوجيا الحديثة. العلاقةُ بين الطرفين – الفاعل والمفعول به – حافلة بعلامات العبوديَّة القديمة، وبرغم الثوبِ اللامع؛ فإن مشاعر التفوُّق والاستحقاق المُتعالية لم تغادر بعد مَواضِع السَّيطرةِ والتحكُّم، ولا ريب أن تغيُّر الحال مَقرونٌ بتغيير المواضع وربما تبادلها.

***

من حقّ كلّ شخص أن ينفيَ عن نفسه تهمةً رماه بها آخر؛ بينما تقع على عاتق هذا الآخر مُهِمَّةُ إثباتِها؛ إذ البينةُ على مَن ادَّعى؛ لكن الأمرَ لا يمضي دومًا على هذا المنوال؛ فالتُّهمُ تُلقى كثير الأحيان جزافًا، دون سَند أو دليل، وهي في عديد الأحوال مَطاطة، يصعُب التعاملُ معها من خلال المنطق السَّليم. أشخاصٌ بلا عدد قُيدت حرياتُهم دون أسباب مُقنِعة، طالتهم تهمٌ مُتكررة تطالُ الصَّالحَ والطالح، وتضرِبُ الناسَ بغير تمييز. يَستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى يُطلق سراحِهم وينتفي وجودُ الدليل على تورُّطهم؛ لكن أحدًا لا يعوِّضهم عن سنين ضاعت من أعمارهم وعن تداعيات مؤلمة زلزَلت حيواتهم.

***

أدواتُ النفي وفيرةٌ متنوعةٌ؛ وقد تأتي مُدجَّجة بأساليب التوكيد مَشفوعة بسياقٍ صَارم؛ مع هذا قد يدحضها الواقعُ، ويؤيد ما حاوَلت إنكاره. نَفت حكوماتُ العربِ ضلوعَها في إبادة غزة، وراحت تندّد بما يقع من أفعالٍ وحشيَّة؛ يرتكبها جيشُ الاحتلالِ على مرأى ومَسمَع من الجَّميع. النفيُ حاضرٌ في الخطاب غائبٌ على الأرض، تتداوله الألسنةُ ويكذّبه الفعل؛ فمِن أمَّة العرب مَن يتاجر مع العدوّ ويمدُّه بالغذاء، ومنها مَن يُسهّل له مُهمَّته ثم يعاود النفيَ والانتحاب؛ تلك دموع التماسيح إذ هي تلتهم الفريسة، ولا عزاء لمن ظنَّ خيرًا بتمساح.

***

جزيرتا سيشيل ومالطة أشهر المنافي التي أُبعِد إليها سعد زغلول خلال نضاله من أجل تحرير البلاد، وفي غيبته راح الناسُ يترنَّمون باسمِه من خلال الأغنية الشهير “يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح” التي لحَّنها سيد درويش ووضع كلماتِها بديع خيري؛ نكايةً في المُحتل ومراوغة لعسَفه وممنوعاته.

***

يقول الشاعرُ في رثاءِ حاله: عبثٌ طوافي في البِلاد.. وعِلةٌ في عِلةٍ مَنفاي لا استشفاء. ثمَّة منفى إجباريّ وآخر اختياريّ؛ الأول يُساق إليه الواحد قسرًا؛ ويمثل نوعًا من العقاب والتكدير، أما الثاني فيقصده المرءُ طوعًا ما ضاقت به الحياة وتأزمت. اختيار النفي الذاتي عاكسٌ لسوء الحال، موقفٌ اعتراضيٌّ صريحٌ من المجتمع بكل ما فيه ومن فيه، كثير الناسِ يشعرون اليوم باغتراب عن مُحيطهم برغم وجودهم في المكان ذاته؛ والملحوظ أن قيمًا عدة قد اختلَّت وأن مفاهيم متنوعة قد فقدت معانيها، وأن من تربى ونضج قبل أعوام مضت؛ بات فريدَ السِّمات في أيامنا هذه.

إقرأ على موقع 180  مع المقاومة أم ضدها.. هذه حرب بقاء لبنان أو اندثاره

***

اعتدنا أن نتلقى من المسئولين نفيًا مباشرًا وسريعًا ما انتشر خبر مزعج. النفي هو رد الفعل الأول التلقائي؛ يليه التفكير في الموقف، ثم استدراك الأمر والدفع بالاحتمالات المختلفة، وكثيرًا ما يثبت في النهاية أن الخبر كان صحيحًا؛ إنما هي الرغبة العميقة في إبعاد أي مشكلة وادعاء عدم صحتها؛ ثقافة الهرب لا المواجهة، والتنصل من المسئولية لا تحملها.

***

تعلمنا في المدرسة أن إجابة السؤال المنفي تكون إثباتًا بحرف بلى؛ ألا تثور لكرامتك؟ بلى؛ أي أثور لكرامتي حتمًا، أما إذا قيل نعم؛ فالمعنى هو لا أثور، وفي ذاك احتمال من اثنين؛ إما أن يكون القائل بليدَ الحسّ لا يعبأ لكرامته ولا يهتم، أو أنه جاهل بالقاعدة اللغوية. أما الجهل فبالإمكان إصلاحه، وأما البلادة فلا يجدي معها شيءٌ؛ إذ تعكس خللًا أصيلًا في النفس والعقل، ومن سوء الطالع أنها أمست مقامًا لمن بيديهم الأمر؛ فما برحوا وقد استحالوا جمادًا لا تحركه نخوةٌ ولا تهزُّه فاجعةٌ ولا تستثيره مَذلةٌ، وصدق المتنبي إذ وضع حكمته الخالدة: “من يَهُن يَسهُل الهوانُ عليه/ ما لجُرحٍ بميتٍ إيلام“.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "واشنطن بوست": إيران خلف روسيا في أوكرانيا.. ماذا بعد؟