في التَّجرِبة 

انقضى عامٌ آخر مشحون بوابل من أحداثٍ عجيبةٍ مُدهشة، توزَّعت في أرجاءِ العالم؛ من شرقه إلى غربه ومن جنوبِه إلى شماله؛ حتى حارَ الناسُ في وَصف ما يجري على المستويات كافة؛ إذ كان كثيره مُباغتًا صادمًا. البعضُ راح يَسخر ويَصنع النكات، وبعضٌ آخر فقد حلمَه وتخلى عن رابطةِ جأشِه وانخرط في وابلٍ من القَّصفِ الكلامِيّ وربما السُّباب، وهناك من ترفَّع وابتعد صانعًا لنفسه شرنقة؛ انعزل داخلها ونفَضَ عن رأسِه الأوجاع، ومَن لم يستطع الانعزال فسقط في جُبّ الكآبة والقنوط.

بعض الأحيان يستدل المتكلمُ على رأيه بمقولة توافق الناس عليها؛ والحقُّ أن مَوروثنا الثقافيّ زاخر بما صاغ الأٌقدمون على مرّ التاريخ من واقع تجارب حقيقية وثرية؛ حتى لا يجد المرءُ في يومنا هذا ما هو أعمق منها معنى، وأقدر على وصف الأحوال. عبارات طريفة متنوعة، أمثولات مَسجوُعة مُتناغِمة، وأشعار وأمثال بلا أول ولا آخر؛ فيها المترادفات المتشابهات وكذلك المُتضادَّات المُتناقضات، ما حَكت الجَّدات وما شَرِبت الأمهات، وما انتقل من بعد إلى الأبناء والبنات والأحفاد. تبهر الحِكمةُ العاميَّة السَّامعين بتعبيراتها اللمَّاحة الوافية، وتترك المأثورات العربيةِ أثرًا عميقًا في الوجدان بجديتها الرَّصينة، ولا جدال أن لكل لغة عبقريتها الخاصة ومذاقها الفريد الذي يُميّزها عما سواها.

***

كثيرة هي كتب التراث التي تحمل ما توارد شفاهة إلى الأسماع وما تسَّنى جمعه من الوثائق والمخطوطات، وفي مجموعة المقالات القادمة سأطرق أبوابَ بعض ما درجنا على الاستشهاد به من مقولات، وبعض ما لم يعد مَطروقًا في أيامنا هذه ولا مُستخدمًا، وقد فضلت أن أجمع شذرات من الفصحى والعامية وألوان من النظم على تباين المسميات، وأنا أقارب بينها إذ تحمل أغلبها كثير الطرافة، ويجد معظمها ما يجسده في واقعنا ويجعله صورًا مرئيَّة ملموسة. على كل حال؛ هي تجربة ضمن عديد التجارب التي تبقى شاهدة على ثراء اللغة، ومرونة القريحة المتجددة المُبدعة.

***

يقول الناسُ عن التجربة إنها خير مُعلم؛ هي الممارسة العملية التي لا تخلو بتعريفها من عثرات، والتي تحرض على المناورة والابتكار؛ بل والتحايُل أملًا في الوصول إلى المَرام، ولا عجب إن حار امرؤٌ مع أهلِ الاختصاص أن ينصحَه الأقربون: “اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب”. رأي صاحب التَّجرِبة مُثمَّن ومشورته سديدة؛ إذ يملك خبرة أصيلة ومُعايشة حقيقية لموضوع السؤال، وقوله إذًا مَبٌّني على ما لمَس بنفسه؛ لا على مادَّة جامدةٍ جافة، فقدت مع كثرة التداول خصوصيتها؛ فمتى صَلحت لنفرٍ من الناس، فشلَت مع آخرين؛ وإن فشلت مع المكروب؛ وجد من يؤنبه مرة أخرى ويعطيه النصيحة المُعاكسة: “ادي العيش لخبازه”.

***

يدرك أشخاصٌ كثيرون مبلغَ العقمَ الذي صارت إليه أنظمتُنا التعليميَّة؛ ندور بها منذ عقود في دوائر مُفرَغَة، ولا نصل للمُبتغى. لجأ بعض الناس إلى سُبُل بديلة يتعلم فيها الطفلُ بمنزله، ويحصلُ على الشهادة عند اجتيازه الاختبارات المُقرَّرة، وقد نجَحَت هذه التجربةُ في بلدان أجنبية؛ لكنها لم تزل مَحدودة الأثر على المستوى المحلي. على كل حال، ثمَّة من احتفظوا برغبتهم في صعود مراتب العلم ونوال الشهادات، وثمَّة من بادروا في غمرة اليأس إلى الاستغناء.

***

أُعجِبت على الدوام بعبارة قصيرة تقول: “العِلم في الرَّاس مش في الكرَّاس”، والقصد الطيبُ سليمُ النية؛ احتفاءٌ بمكانة الإنسان وتأكيد على أهمية حضوره وتجاربه، أما القصد المَحفوف بالنقد والتعريض؛ فاستهزاءٌ بمنظومة واهية لم تعد تفي بغرضها، ومؤسسات تهاوت أركانُها ودالت أمجادُها وتلاشى بريقُها؛ حتى أمسى “الكرَّاس” رمز حقبة عزيزة؛ كان للتحصيل الأكاديميّ فيها شأنٌ رفيع.

***

يتمتَّع بعضُ الناس بقدرة هائلة على التركيز في مضمار بعينه؛ يصبُّون عليه اهتمامهم وتتمَحوَر حوله أفكارهم. ربما حصدوا أرفعَ المواقع وارتقوا إلى مراتب متميزة؛ لكنهم غالبًا ما يبقون أسرى سَعيِهم الدؤوب، وفي غُمرة الجدّ والاجتهاد؛ تنحصر حيواتهم داخل عالم ضيقٍ ينقصه الكثير. يقول الشاعر: “ألم ترَ أن العقلَ زينٌ لأهلِه .. ولكنَّ تمامَ العقلِ طولُ التجارِب”، والحقُّ أن الزمانَ عاملٌ مؤثر في تنويع التجارب وإكساب الخبرات؛ لا يعوضه الذكاء المُتوقد وحسب، وقديمًا قال أبو العلاء المعري: “إن التجاربَ طيرٌ تألفُ الخَمرا.. يَصيدُها من أفادَ اللبَّ والعمرا”.

*** 

إذا أفتى واحد فيما لم يختبر بنفسِه؛ سَخَر الناسُ منه مُتهامسين: “اللي ما يعرَفش يقول عَدس”، وإذا انبرى يتحدث عن مُعاناة لم يمرّْ بها يومًا؛ نبَّهوه لحاله قائلين: “اللي إيده في الميَّه مش زيّ اللي إيده في النار”. من الناس من انبرى يلوم المقاومة الفلسطينية على اختياراتها، ويعيب عدم رضائها بالأقدار ورفضها الصَّمتَ في مواجهة الطغيان، والحقُّ أن هؤلاءَ اللوامين لم يُجربوا العيشَ تحت سياط قهر لا ينقضي، ولم يختبروا وطأة ما ضربَ العدوُ على الأهل من حِصار، وقد عجزوا لجهلهم بالأوضاع عن تقديرها وعَمَت أعينُهم عن إبصار تداعياتها، ولا غرابة إذًا أن خرجت كلماتُهم رصاصاتٍ إضافية؛ تقتلُ الجريحَ ولا تشفيه.

***

إذا فشل الواحد في استنباط الدرُّوس من تجاربه الشخصية، وعَجَز عن اتخاذ العِبرَة من تجارِب الآخرين، وراح يعيدها بحذافيرها مرة بعد الأخرى؛ متخذًا الخطوات ذاتها، مدفوعًا إلى الأخطاء نفسها، مُمنى بالنتائج السيئة؛ كان كمَن يصفه المثل الشعبيّ بقوله: “اللي يجرَّب المجرَّب عقله مخرَّب”، والقَّصد أنه لا يعتمد على التفكير المنطقي ليكفي نفسه العناء ويوفر عليها الجهد الضائع.

إقرأ على موقع 180  الحروب أقوى الآلهة.. تصديع جغرافي وتصنيع مربح!

***

جرّبنا في الحياة السياسية ما أرهق ظهورنا وأنهك أفئدتنا، ما ظننا في جودته وصلاحيته وتصوّرنا أنه الملاذ؛ جرّبنا وأصبنا خيبة تلو أخرى، جرّبنا وما وصلنا؛ لكن التجربة ليست عيبًا أبدًا، هي وسيلة لاستقاء المعرفة وتأكيدها، واتخاذ خطوة في اتجاه الأفضل.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  اغتيال سليماني... ما دور "شبكة الجواسيس" بين مطاري دمشق وبغداد؟