مسكين لبنان.. حكم الصبية يستجلب الوصاية

تذكروا هذه الجملة جيدا: حكم الصبية يستجلب الوصاية. حكم الصبية هو المشكلة الرئيسية في لبنان اليوم. مشكلة تتربع على غيرها من مشاكل لبنان المزمنة كالفساد والطائفية والتدخل الخارجي وغيرها من المشاكل البنيوية في هذا البلد.

لطالما اشتكى اللبنانيون من زعمائهم، ومن النظام الطائفي الذي يحول الكفاءة الفردية الى أكثر من طائفة من المحرومين. اقتصاد بلدهم هرم مقلوب. يجلس الزعيم في اعلى الهرم بتساوٍ مع باقي الزعماء. يبيع ويشتري ويقسّم المغانم. يتحدثون باللغة نفسها الى الشعب، وطبعا بلغة خاصة مع المناصرين. ينظمون الخلاف كأنهم هيئة ناظمة لقطاع النهب العام. هم ببساطة نظام أوليغارشي متجذر ومتحصن خلف نصوص دينية وممارسات سياسية ومنظومات إقطاعية موروثة تسري عميقا في عروق هذا البلد.

الحديث عن الطبقة الحاكمة في لبنان، وفق هذا التوصيف، متفق عليه بين اللبنانيين مجتمعين (“كلن يعني كلن”). ومن يتنقل بين المتظاهرين في ساحتي الشهداء ورياض الصلح في العاصمة اللبنانية، يلمس الم الناس ورأيهم في الحاكمين. تماما كما تحدثت امرأة في أحد مقاهي بيروت بعد ليلة التظاهرات الشعبية التي عمت مساحة لبنان. جلست تلك السيدة على مقعدها لتعبر بحماسة مطلقة عن تأييدها للحراك الشعبي. تصف، وبلغتها العربية المطعمة بالفرنسية، حال الشباب اللبناني، وتقول إنه في “ظل اليأس الطاغي وانعدام فرص العمل، لجأوا الى النرجيلة والتسلية عبر تطبيق الواتس آب. لا شيء يستطيع أن يطفئ نار شعورهم بالظلم والحرمان”. تضيف بلهجة جدية ممزوجة بالسخرية “وإذ تقترح الدولة فرض رسوم على خلاصهم الوحيد.. الواتس آب. هاج الناس وماجوا وأفرغوا ما كانوا يتداولونه في “غروباتهم” في الشارع”. ثم تكمل ان حال البلد كان أفضل بألف مرة في زمن الوصاية السورية على لبنان!

ثمة شعور متصاعد أنه في عهد الوصاية كانت هناك دولة بالحد الأدنى. كان هناك استقرار وامن واقتصاد وانتظام، وبمعزل عما إذا كان هذا الرأي صحيحاً أم خاطئا، غير أنه يعبر عن احباط الناس من إمكان إصلاح نظامهم السياسي والإقتصادي.

هذا الغضب الشعبي غير المسبوق، والذي شاهدناه بأم العين في ساحات العاصمة اللبنانية، وإن كان موجها ضد الطبقة الحاكمة في لبنان، الا انه، في الأساس، يشي بفشل الدولة في إدارة نفسها من دون وصاية خارجية، ما يعني أن هذا النظام اللبناني يحتاج الى مدير سواء برتبة ضابط أو سفير أو أي رتبة كانت. يحتاج الى وصي ينظم العلاقات السياسية ويدير عجلة الاقتصاد والأمن وفق أجندة تحفظ التوازنات والمصالح.

اتفاق الطائف، يحتاج تنفيذه دائما إلى من يسمى “المدير”. ومن دون هذا “المدير”، سيتجدد إنقسام الطبقة السياسية حيال الخيارات الكبرى

ومن يقرأ التاريخ اللبناني الحديث ويتابع تطورات المنطقة، بات يفترض أن ذلك الأمر لا مفر منه. ففي العام 2005، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، استبدلت الوصاية السورية بالوصاية الدولية (سفيرا الولايات المتحدة جيفري فيلتمان وفرنسا برنار إيمييه). يومذاك، كان الغضب الشعبي يكاد يضاهي غضب اليوم. في 7 أيار/مايو 2008، وصل الصراع الى مرحلة تعديل الوصاية وليس النظام. أي الإنتقال من وصاية دولية الى وصاية هجينة، محلية وإقليمية ودولية.

بعد اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، فقد النظام اللبناني ضابط  أو ضباط الإيقاع. رحلت الوصايات، وبدل أن يتلقف أركان الطبقة السياسية هذه اللحظة ويحولونها إلى فرصة لإدارة بلدهم بقوة دفع ذاتية، مارسوا كل ما يدل على أنهم صاروا مدمني وصاية سياسية من الخارج. وصاية تأمرهم بالتمديد برفع الأيدي وبتعديل قانون وإسقاط آخر وتسمية رئيس حكومة وإسقاط آخر إلخ…

إذا اتفقنا أن لبنان لم يتغير موقعه على الخريطة، وأن نظام الطائف لا يزال دستور البلاد. وها هو المجتمع الدولي، كما معظم القوى السياسية اللبنانية، يدعمون الحكومة ورئيسها سعد الحريري. فماذا يمكن أن يتغير في ضوء الحراك الراهن؟

ابحث عن الوصاية.

هي الوصاية التي اعتادت عليها الطبقة الحاكمة منذ لبنان الإمارة والمتصرفية وصولا إلى لبنان الكبير(يحتفل اللبنانيون في العام 2020 بمرور مئة سنة على لبنانهم الحالي).

المعضلة، وكل ذلك بفضل الإدارة السياسية اللبنانية الخاطئة، أن اتفاق الطائف، يحتاج تنفيذه دائما إلى من يسمى “المدير”. ومن دون هذا “المدير”، سيتجدد إنقسام الطبقة السياسية حيال الخيارات الكبرى، سياسية كانت أم إقتصادية أم مالية، ويتجدد بالتالي، مشهد نزول اللبنانيين الى الشارع دفاعا عن مصالحهم.

اليوم، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام طبقة سياسية لعل أدنى وصف تستحقه انها مجموعة من حكم الصبية. مجموعة تريد ان تأكل من دون أن تطعم الشعب، وحتى مناصريها. وحين يقرر الناس النزول الى الشارع يجدون أنفسهم امام أحد خيارين: إما استبدال الصبية برجال وطنيين يستطيعون تحمل المسؤولية الوطنية بكل معنى الكلمة أو لا بد من الوصاية على “الصبية”.

الوقائع لا تشي، اليوم، بأن من لديه القدرة على إدارة شؤون البلد وفرض الوصاية، على لعب هذا الدور حتى هذه اللحظة. لذلك، أعان الله اللبنانيين على صبية يتصابون في السياسة وفي الإقتصاد… طمعا بمقاعد ومصالح خاصة، بينما يحاول “الكبار” حجز مقاعد لهم على طاولة المنطقة الكبيرة، في لحظة إقليمية ودولية إنتقالية، سترتسم من بعدها أدوار ووظائف جديدة للكثير من دول المنطقة، وبينها لبنان بطبيعة الحال.

(*) كاتب سعودي

طارق زيدان

كاتب سعودي

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course