يُشبّه فرانسيسكو رودريغيز الوضع السياسي الراهن في فنزويلا- إلى حدٍ كبيرٍ- بما يحدث عند اغتيال زعيم سياسي؛ إذ يُقتل الرأس، لكن البُنية الأساسية تبقى مسيطرة، في إشارة إلى أن بُنية الحكومة الفنزويلية التي أسسها مادورو لا تزال قائمة، كما لا يزال نظامه يسيطر على الجيش وقوات الأمن، وقد خلفته نائبته، ديلسي رودريغيز، في المنصب.

في الوقت نفسه، يُبدي رودريغيز قلقه حيال مصير فنزويلا “غير المؤكد”، في إشارة إلى ما ألمح إليه بوضوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمره الصحفي (السبت) عن نيته شنّ عملية عسكرية أخرى إذا لم تتعاون نائبة الرئيس مع واشنطن. فـ”ترامب أعلنها صراحة أنه يريد أن يدير فنزويلا إلى أجل غير مسمى (…)، وعندما يقول ذلك فإنه على الأرجح يقصد إعادة الشركات الأميركية إلى فنزويلا وسيطرة الولايات المتحدة على قطاع النفط الفنزويلي (…). لا شكَّ أن هناك فئة في الحكومة ستقول ‘سنقاوم‘. لكن الولايات المتحدة أثبتت جدّية تهديداتها العسكرية. لذا، أرجح أن ترامب سيشكل فريقاً ما لممارسة نفوذه، ويطلب من الحكومة الفنزويلية تلبية مطالبه المختلفة. وأعتقد أن ديلسي قادرة على تحقيق ذلك. ففي الواقع، مادورو نفسه أبرم اتفاقاً مماثلاً، العام الماضي، عندما بادر إلى ترامب قائلاً: ‘لك أن تحصل على ما تشاء فيما يتعلق بصناعة النفط لدينا‘. باختصار، قد تكون مطالب ترامب فيما يتعلق بأمن النفط والأمن القومي أكثر قبولاً لدى ديلسي مما تبدو عليه”.
ورداً على سؤال لماذا قد يكون ترامب مستعداً للعمل مع ديلسي رودريغيز على ترتيب مماثل بينما لم يقبل ذلك من مادورو، أجاب رودريغيز: “السهولة التي تم بها القبض على مادورو وزوجته أثناء نومهما تشير بقوة إلى وجود نوع من التواطؤ الداخلي من جانب القوات الفنزويلية التي كانت تحرسه. لا يعني هذا أن النظام بأكمله خان مادورو، ولكنه يُوحي بأن الأمر قد يكون انقلاباً داخلياً. كما أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بدأ محادثات مع ديلسي، وترامب نفسه صرّح بأنه يعتقد أنها مستعدة لفعل كل ما يلزم لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى. والمثير للدهشة أن ترامب صرّح بأن ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة التي كانت وراء هزيمة مادورو الانتخابية العام الماضي، لا تحظى بالاحترام اللازم لقيادة البلاد”.
فرانسيسكو رودريغيز: مطالب ترامب قد تكون أكثر قبولاً لدى ديلسي مما تبدو عليه، واحتمال كبير أن تدير الشركات الأميركية قطاع النفط الفنزويلي كما لو كان محمية أميركية.. لكن هذا لا يعني أن احتلال فنزويلا سيكون سهلاً أيضاً
مع ذلك، يلفت رودريغيز الانتباه إلى أن هناك مسؤولين حكوميين آخرين في فنزويلا قد يعارضون أي نوع من التسوية. وفي هذه الحالة، قد يقرّر ترامب تصعيد الضغط بمزيد من الضربات العسكرية. ويوضح: “ترامب استثمر الكثير في هذه العملية، وهو الآن يدّعي أنها حققت نجاحاً باهراً، ومن الصعب تصور تراجعه إذا لم يسيطر على قطاع النفط. أعتقد أنه مهما حدث، سنصل إلى سيناريو تُدير فيه الشركات الأميركية قطاع النفط الفنزويلي كما لو أنه عبارة عن محمية أميركية”.
وأضاف: “ما رأيناه يوم السبت الماضي يشير إلى أن الغزو البري قد لا يكون صعباً على الولايات المتحدة، من الناحية العسكرية (…). لكن هذا لا يعني أن احتلال البلاد سيكون سهلاً أيضاً. ففنزويلا دولة مترامية الأطراف، ذات كثافة سكانية عالية، وتضم العديد من الجماعات شبه العسكرية النشطة. إنها مكان معرض للفوضى بسهولة. تخيل سيناريو تُسقط فيه واشنطن الدولة، ثم يقوم عناصر من الجيش الفنزويلي بتشكيل حركة حرب عصابات بالتعاون مع بعض الجماعات الكولومبية المسلحة النشطة بالفعل في البلاد. قد ينتهي الأمر بسهولة إلى حرب أهلية”.
وعن انعكاس العملية الأميركية على الفنزويليين قال رودريغيز: “لقد مرَّ الشعب الفنزويلي بأزمة صعبة جداً. فقدت البلاد ما يقارب ثلاثة أرباع ناتجها المحلي الإجمالي. وهاجر ثمانية ملايين فنزويلي. لذا أعتقد أن غالبية الفنزويليين يريدون مخرجاً ويُرحّبون بنهاية حقبة مادورو (…). لكن هذا لا يلغي حقيقة أن دخول قوات أميركية إلى دولة أخرى واختطاف زعيمها، مهما كان شرّه، يُقوّض القواعد الأساسية التي تحكم العلاقات بين الدول، وتجعل العالم أكثر خطورة (…). كما يجب أن لا ننسى أن نظام مادورو ما يزال قائماً في السلطة، وله مؤيدين مخلصين.. وبالتالي الوضع الآن متوتر للغاية”.
ويلفت رودريغيز النظر إلى أنه إذا استعادت الدولة إنتاجها النفطي- وهو أمرٌ ممكن بدعم أميركي ورفع العقوبات، فقد تشهد فنزويلا نمواً اقتصادياً مرتفعاً لعدة سنوات. وبحسب تقديراته “التي تتفق مع تقديرات اقتصاديين آخرين، بمن فيهم العاملون مع زعيمة المعارضة (ماتشادو) فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الأميركي قد يتضاعف ثلاث مرات خلال العقد المقبل (…). لكنني لست متفائلاً كثيراً (…)، فأي حكومة تتولى السلطة، سواء كانت ترأسها ديلسي أو ماتشادو أو أي شخصية أخرى، ستكون خاضعة للولايات المتحدة التي وحدها- وبقوتها العسكرية- سيحدّد من يتولى زمام الأمور”.
وعن الخيارات المتاحة لزعيمة المعارضة وحركتها، يقول رودريغيز: “كانت ماتشادو تعتمد بشطل كبير على واشنطن، وقد سحب ترامب البساط من تحت قدميها. لم تكن تحظى بدعم قوة تمرد أو مقاتلين مستعدين لتولي السلطة. كان لديها دعم ممن يعارضون مادورو فقط. الآن، يمكن لها وللمعارضة محاولة الاستعداد للانتخابات المقبلة. لكن ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً، لأن ترامب، كما ذكرنا، لم يكن يتحدث عن الانتخابات، بل كان يتحدث عن إدارة الولايات المتحدة للبلاد حتى تستقر الأوضاع. لذا، فإنه بصرف النظر عن مواصلة الدعوة إلى احترام الدستور الفنزويلي واحترام نتيجة الانتخابات أو إجراء انتخابات جديدة والمشاركة فيها، فإن ماتشادو والمعارضة ليس لديهم خيارات كثيرة”.
فرانسيسكو رودريغيز: إجراء انتخابات جديدة في وقت مبكر قد يُفاقم المشاكل بدلاً من حلّها. فإذا استغلت ديلسي والحكومة الأميركية الأشهر المقبلة لبناء أنظمة تُنظّم المنافسة وتحمي الخاسرين في الانتخابات، فسيكون ذلك أساساً أكثر صلابة لانتقال ديموقراطي مُستدام في فنزويلا
ردود متحفظة بلغة دبلوماسية
وكيف يتوقع أن يكون رد فعل الدول الأخرى على تحركات واشنطن، يُجيب رودريغيز: “لقد صدرت بعض التصريحات، وجاءت على أسس أيديولوجية متوقعة. شهدنا بعض مظاهر الدعم من قادة يمين الوسط واليمين. وشهدنا إدانة شديدة من حكومات يسارية كحكومة كوبا. لكننا شهدنا أيضا حكومات يسار الوسط تدين تحركات الولايات المتحدة، مثل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والرئيس التشيلي المنتهية ولايته غابرييل بوريتش، برغم أن بوريتش كان من منتقدي مادورو. الهجوم الأميركي يمس جوهر مبدأ تقرير المصير، وأعتقد أنه سيثير موجة رفض واسعة. مع ذلك، يدرك قادة المنطقة والعالم ضرورة توخي الحذر لتجنب استعداء ترامب. فهم يسعون لحل مشاكلهم، بما فيها مشاكلهم الثنائية مع واشنطن. ويعلمون أن إغضاب ترامب قد يدفعه إلى فرض رسوم جمركية عليهم أو إلغاء الاتفاق التجاري الذي كانوا يعملون عليه. لذا، نتوقع ردود فعل مماثلة لما وردنا من الاتحاد الأوروبي وبعض الحكومات الأوروبية والتي جاءت متحفظة ومصاغة بلغة دبلوماسية”.
ويرى رودريغيز “حكمة” في رفض ترامب بأن تتولى المعارضة إدارة البلاد حالياً، لا سيما مع دعوة ماتشادو إلى سجن معظم القيادات العسكرية والسياسية الفنزويلية. ويشير إلى أن تعيين ماتشادو رئيسة سيؤدي إلى انعدام الأمن وانتشار الفوضى “وقد يُفضي ذلك أيضاً إلى حرب أهلية، حيث سيلجأ الضباط العسكريون المخلوعون إلى القتال ضد الحكومة بدلاً من المخاطرة بالسجن”.
ويقترح رودريغيز بدلاً من ذلك، أن تسعى واشنطن لإرساء نوع من الاتفاق بين ديلسي رودريغيز والمعارضة، يُفضي إلى تقاسم السلطة، وبناء مؤسسات للتعايش (….) “لأن إجراء انتخابات جديدة في وقت مبكر قد يُفاقم المشاكل بدلاً من حلّها. فإذا استغلت ديلسي والحكومة الأميركية الأشهر المقبلة لبناء أنظمة تُنظّم المنافسة وتحمي الخاسرين في الانتخابات، فسيكون ذلك أساساً أكثر صلابة لانتقال ديموقراطي مُستدام في فنزويلا”.
ويختم رودريغيز قائلاً: “بناء الدولة من الخارج عادة ما يؤدي إلى عدم الاستقرار. ويبدو أن ترامب يُؤطّر هذا الهجوم لا حول الديموقراطية، بل حول النفط. وهذا خطأ فادح. إن مطالبة فنزويلا بتسليم مواردها النفطية للولايات المتحدة سيُثير استياءً شديداً في المجتمع الفنزويلي. بل قد يُؤدي إلى استياء المعارضة الفنزويلية بشدة، وبخاصة إذا تحالفت واشنطن مع ديلسي ولم تُمارس أي ضغط من أجل إصلاحات سياسية داخل البلاد”.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
* فرانسيسكو رودريغيز، باحث اقتصادي وسياسي. شغل منصب رئيس اللجنة الاستشارية الاقتصادية والمالية للجمعية الوطنية الفنزويلية (2000- 2004). شغل منصب رئيس فريق البحث في مكتب تقرير التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة (2008-2011). أستاذ في جامعة دنفر.
