الشرق الأوسط في قلب حرب عالمية صامتة

العالم اليوم لا يقترب من حرب عالمية كبرى بقدر ما يعيش داخلها بالفعل. ما يجعل هذه المرحلة شديدة الخطورة ليس عدد الصراعات المشتعلة، بل الطابع الخادع للمشهد العام، حيث تبدو الأحداث وكأنها أزمات منفصلة بينما هي في الحقيقة حلقات مترابطة ضمن صراع واحد على إعادة تشكيل النظام الدولي.

حرب في أوكرانيا، فوضى في فنزويلا، تصعيد مستمر ومتزايد في الشرق الأوسط (في فلسطين، سوريا ، لبنان، السودان، ليبيا، اليمن والصومال). توترات ما بين المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة على الملف اليمني. ضغوط متزايدة وبوادر حرب وشيكة على إيران من قبل الولايات المتحدة ودولة الكيان. توترات في بحر الصين الجنوبي حول تايوان. حروب تجارية ومالية عالمية، وسباق محموم على سلاسل الإمداد. عند النظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، يتضح أن العالم دخل مرحلة “صدام هيكلي عالمي” لا يتمحور حول الأيديولوجيا أو القيم المعلنة، بل حول من يملك أدوات القوة في القرن الحادي والعشرين: الاقتصاد، الطاقة، المال، والتكنولوجيا.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبصورة أكثر وضوحًا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، قادت الولايات المتحدة نظامًا دوليًا “أحادي القطبية”. هذا النظام لم يُبنَ فقط على التفوق العسكري، بل على هيمنة الدولار العالمية، والتحكم في تدفقات الطاقة من خلال “البترودولار”، والسيطرة على طرق التجارة العالمية. لعدة عقود، بدا هذا الترتيب مستقرًا وقادرًا على امتصاص الأزمات، لكن صعود الصين بدأ يُظهر هشاشته البنيوية. التحدي الصيني لا يشبه التحديات السابقة التي واجهتها واشنطن. فالصين ليست قوة عسكرية تسعى إلى مواجهة مباشرة، ولا دولة معزولة اقتصاديًا يمكن خنقها بالعقوبات. هي دولة نووية ذات اقتصاد صناعي عملاق، أصبح مصنع العالم، ويمسك بمفاصل أساسية في سلاسل الإمداد والمعادن الثمينة، ويعمل بشكل منهجي على تقليص اعتماده على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة. من منظور واشنطن، الخطر ليس في ما تفعله الصين اليوم، بل في المسار الذي تسير فيه، لأن الزمن في هذه المعادلة يعمل لصالح بكين.

وبرغم هذا الصعود، تظل “الطاقة” نقطة الضعف الأكثر حساسية في النموذج الصيني. فالصين، برغم استثماراتها الضخمة في الطاقة المتجددة، لا تزال أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد على الخارج لتأمين ما يقارب ثلاثة أرباع احتياجاتها النفطية. هذه الحقيقة تمنح خصومها هامش ضغط استراتيجي بالغ الأهمية، لأن تعطيل تدفقات الطاقة لا يتطلب مواجهة عسكرية مباشرة، بل يمكن تحقيقه عبر زعزعة مناطق الإنتاج أو الممرات البحرية الحيوية.

وقد وصلت واردات الصين من النفط الخام إلى نحو 12.38 مليون برميل يومياً كما في إحصاءات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مسجلة أعلى مستوى للواردات منذ منتصف 2023، مما يؤكد مكانة الصين كأكبر مستورد للنفط الخام على مستوى العالم. وتجدر الإشارة إلى أن واردات النفط الخام تمثل جزءاً كبيراً من إجمالي إمدادات النفط في الصين، حيث تشكل الواردات نحو 70 إلى 75 في المئة من استهلاك النفط في السنوات الأخيرة. ويعكس ذلك اعتماد الصين المستمر على المصادر الخارجية للطاقة على الرغم من الجهود المبذولة لتنويع مزيج الطاقة المحلي وزيادة الإنتاج المحلي. ويجدر الذكر بان الصين تستورد ما يقارب 3.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام من روسيا وإيران وفنزويلا مجتمعةً، وذلك استناداً إلى أحدث البيانات السنوية المتاحة مما يشكل حوالي 38% من استيراداتها اليومية للنفط والذي يشير الى ضرورة حفاظ الصين لعلاقات قوية واستراتيجية مع هذه الدول الثلاث.

وهنا يعود الشرق الأوسط إلى قلب المعادلة العالمية. هذه المنطقة لم تفقد أهميتها كما اعتقد البعض، بل استعادت دورها كعقدة مركزية في أمن الطاقة العالمي. مضيق هرمز وحده يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ونسبة أعلى من واردات الصين المنقولة بحرًا. إيران، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في سوق الطاقة وشراكتها الاستراتيجية مع بكين، تمثل عنصرًا محوريًا في هذا المشهد. أي تصعيد في هذا المسرح، حتى لو كان محدودًا زمنيًا، كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بتكلفة أكبر على الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

إلى جانب الجغرافيا والطاقة، تدور المعركة اليوم على جبهة أقل وضوحًا لكنها أكثر حساسية: الجبهة المالية“؛ حيث تمتلك الصين حاليا أحد أكبر أرصدة العالم من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 688 مليار دولار أمريكي والتي وتشمل كلاً من السندات القابلة للتداول وغير القابلة للتداول، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية. وبرغم أن بيع هذه السندات بشكل مفاجئ ليس سيناريو واقعيًا، فإن التخفيض التدريجي لحيازتها يمثل أداة ضغط فعالة في سياق صراع طويل الأمد. مثل هذه الخطوة ترفع كلفة الاقتراض على الولايات المتحدة، وتضعف الطلب الهيكلي على الدولار، وتسرّع البحث العالمي عن بدائل أكثر أمانًا. والجدير بالذكر ان هذا المستوى الأدنى لقيمة السندات الامريكية المملوكة من الصين منذ ما يقارب 17 عاماً، بانخفاض ملحوظ عن ذروة الحيازات التي بلغت نحو 1.3 تريليون دولار أمريكي قبل حوالي عقد من الزمن حيث يعكس هذا الانخفاض المستمر في انكشاف الصين على سندات الخزانة الأمريكية استراتيجية متعمدة وطويلة الأجل لتنويع احتياطاتها من النقد الأجنبي، إلى جانب تقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار الأمريكي، وذلك في ظل المتغيرات الجيوسياسية وتطور أولويات إدارة الاحتياطيات العالمية.

في هذا السياق، تعود المعادن الثمينة إلى الواجهة. الذهب، تاريخيًا، يستفيد من فترات عدم اليقين وتسييس النظام المالي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، وضعف الثقة في العملات الورقية. وتشير تقديراتيى الشخصية إلى أن أسعار الذهب في الفترة 2026–2027 قد ترتفع الى نطاق 5,000 إلى 5,350 دولار للأوقية في السيناريو الأساسي، مع احتمالات أعلى في حال تصاعد الأزمات. الفضة، بدورها، قد تشهد حركة ارتفاع أكثر حدة، نظرًا لدورها المزدوج كمعدن تحوطي وعنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة، ما يفتح المجال أمام مستويات تتراوح بين 85 و95 دولارًا للأوقية بحسب شدة الاضطرابات.

ما يميز هذه المرحلة أن الصراع الدائر لا يُدار عبر جبهات واضحة أو إعلان حرب رسمي. إنها حرب منخفضة الوتيرة، متعددة الأدوات، تشمل العقوبات، والحروب بالوكالة، وتفكيك سلاسل الإمداد، والصراع على التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية. في هذا النوع من الحروب، لا تُقاس الانتصارات بعدد الدبابات أو الأراضي المحتلة، بل بالقدرة على الصمود ونقل كلفة الفوضى إلى الطرف الآخر.

في قلب هذا المشهد يقف العالم العربي في موقع بالغ الحساسية. وبرغم امتلاكه الطاقة والجغرافيا، ما يزال في الغالب ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى أكثر مما هو فاعل مستقل في صياغة مسار الأحداث. التاريخ يقدم درسًا قاسيًا: المناطق التي تتحول إلى ساحات صراع بين القوى العظمى نادرًا ما تخرج منتصرة، وغالبًا ما تدفع أثمانًا تتجاوز بكثير قدرتها على الاحتمال.

المرحلة التي نعيشها اليوم تشبه إلى حد مقلق الفترات التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تراكمت التوترات تدريجيًا، وتصلبت التحالفات، وتم التقليل من شأن الإشارات المبكرة حتى أصبح الانفجار أمرًا واقعًا. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع حرب شاملة، بل في الاستمرار في قراءة المشهد العالمي بأدوات قديمة لا تعكس طبيعة الصراع الجديد .النظام الدولي يُعاد تشكيله الآن، والشرق الأوسط عاد إلى مركز الخريطة الاستراتيجية. السؤال لم يعد إن كانت العاصفة قادمة، بل إن كنا ندرك أنها بدأت بالفعل، وما إذا كانت المنطقة ستظل ساحة للصراع أم ستنجح في التحول إلى فاعل يدرك طبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها العالم.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  رواية "الوجه الآخر للظل".. مأساةٌ تضحكُ الأقدار فيها
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  حصاد 2022.. الربح للصين وفنزويلا وتركيا والخسارة لروسيا وأوكرانيا