ثمة حقيقة تتجاوز لغة الأرقام والنتائج، وبشهادة أصوات إعلامية وازنة من فرنسا وتونس ومصر ومن مختلف بقاع القارة السمراء، أن المغرب وإن لم يرفع منتخبه كأس الأمم الأفريقية، إلا أنه ربح رهاناً أعمق بكثير. لقد ربحت البلاد وضعاً اجتماعياً وسياسياً مكثفاً تجلى فوق أراضيها بكل تفاصيله، فبينما كان العالم يراقب حركة الكرة فوق أرضيات الملاعب الفارهة، كانت هناك مباريات أخرى تجري في الخفاء، مباريات في التاريخ والجغرافيا والهوية، وحتى في الاقتصاد السياسي للدول الناشئة التي تسابق الزمن لإثبات ذاتها كقوة صاعدة.
لقد حظيت هذه النسخة باعتراف رسمي دولي باعتبارها الأفضل تنظيماً منذ انطلاق البطولة عام 1957. لم يكن هذا التقدير نتاج صدفة، بل كان انعكاساً لثورة معمارية ولوجستية قادها المغرب ضمن استراتيجية القوة الناعمة الساعية لاستضافة مونديال 2030. ومع ذلك وبمجرد إطفاء الكشافات الكبرى، يبرز السؤال الوجودي والاقتصادي الذي يطرحه باحثون من طينة الدكتور نجيب أقصبي: هل يمكن لكرة القدم، بملاعبها العالمية التي كلفت المليارات، أن تكون محركاً حقيقياً للتنمية؟ أم أنها مجرد واجهات استعراضية في مدن لا تزال تصارع من أجل عدالة اجتماعية أعمق؟
أبرزت البطولة تناقضاً صارخاً بين القدرة اللوجستية الفائقة وبين التطلعات الاجتماعية المكبوتة. ففي الوقت الذي استقبلت فيه الدولة المغربية مليون مشجع بسلاسة مبهرة، كان “جيل زد” المغربي وكأنه يعيش حالة من التناقض المعرفي. هذا الجيل، الذي ملأ المدرجات بهتافات زلزلت الأركان، هو نفسه الذي يفيض على المنصات الرقمية بمطالب جذرية تترجم الريادة التنظيمية إلى ريادة في التعليم والصحة وفرص الشغل.
إننا أمام تجلٍ جديد لما يسميه بعض خبراء علم الاجتماع بـ “الدين المدني”، حيث تصبح كرة القدم بمثابة أفيون للجماهير في لحظة تسجيل الهدف وعند نهاية المباراة بالفوز والانتصار. تصير الكرة علاجاً رمزياً لجراح التهميش في لحظة النصر، لكنها تبقى مجرد نشوة مؤقتة تترك وراءها أسئلة معلقة حول نصيب المواطن العادي من هذه الاستثمارات الضخمة بعد انتهاء صافرة الحكم.
وبعيداً عن حسابات الفوز والجدل التحكيمي، كشفت البطولة أن الملاعب تحولت إلى مختبرات نفسية لقياس نبض العلاقات الدولية. لم تعد كرة القدم مجرد لعبة رياضية، بل أصبحت تمثل موقعة سيادية، في هذا الفضاء يُطلب من اللاعبين أن يكونوا جنوداً، ومن المدربين أن يكونوا استراتيجيين عسكريين ومن الجماهير أن تكون فيالق نظامية. وعكس استمرار الجفاء المغربي – الجزائري، والتوترات العابرة للحدود بين المغرب ومصر حقيقة مُرّة، وهي أن الرياضة في المنطقة لم تعد جسراً للتقارب، بل بمثابة مكبر للصوت للصراعات الدبلوماسية المكبوتة. فحين يستدعي جمهور الملعب الكبير في مدينة طنجة ذاكرة الجراح، مثل واقعة إصابة اللاعب المغربي محمد التيمومي في الثمانينيات بسبب لاعب مصري من نادي الزمالك، أو يستحضرون مناوشة عابرة مع التوأم حسام وإبراهيم حسن، فإننا نكتشف أن الذاكرة الجمعية لا تنسى، بل تختزن الضغينة السياسية والرياضية بانتظار لحظة الانفجار، هذا الاستحضار الانتقامي للماضي يحول أي احتكاك رياضي بسيط إلى أزمة هوية وجودية.
لقد كان التحول السريع من الحفاوة الشعبية إلى الحروب الرقمية والتراشقات العدائية للجيوش الإلكترونية من أبرز ملامح هذه الدورة. فبمجرد الإقصاء الرياضي، تذوب لغة الترحيب وتبرز نظرية المؤامرة.
سوسيولوجياً، وفي ظل الانسداد الدبلوماسي، تصبح الرياضة هي اللغة الوحيدة المتاحة لتصريف العداء، حيث يُسقط الفشل الفني على عدو مفترض يدير اللعبة من خلف الستار. إن الهزيمة هنا لا تمس 11 لاعباً فوق مستطيل أخضر، بل تُعتبر طعنة في كبرياء الدولة ككيان سياسي.
شبح لومومبا وحضور فلسطين
لعل اللحظة الأكثر إثارة لم تكن هدفاً قاتلاً في الدقيقة التسعين، بل كانت حضور شبح زعيم أفريقي كبير. فالسياسة هنا لم تقتصر على الصدامات العابرة، بل استحضرت التاريخ المثقل بالجراح من خلال شخصية الثوري الكونغولي باتريس لومومبا. لقد خطف الشاب الكونغولي ميشيل نكوكا الأنظار بوقوفه كتمثال طيلة المباريات رافعاً يده عالياً بلا حراك، في تجسيد حي لصورة لومومبا الشهيرة. هذا الاستحضار الرمزي لم يكن مجرد فلكلور، بل كان تذكيراً بهوية أفريقية جريحة، تؤكد أن جهل التاريخ لا يعفي أحداً من العقاب الجماعي في ملعب الملاعب.
من جهة أخرى، برزت فلسطين كالفريق الخامس والعشرين. وبرغم الواقعية السياسية والرقابة التنظيمية الصارمة التي فرضتها لوائح الكونفدرالية الإفرقية لكرة القدم “الكاف” بمنع الأعلام السياسية، إلا أن مجموعات الألتراس المغربية، وفي مقدمتها جماهير أندية الرجاء والوداد واتحاد طنجة والمغرب الفاسي، أثبتت ارتباطها الوجداني بالقضية. صمت المدرجات كان يُخترق دوماً بهتافات عفوية لغزة، مما كشف عن وعي سياسي عميق لدى هذه المجموعات التي باتت ترى في الملعب آخر المعاقل لحرية التعبير التي ضاقت بها الفضاءات العامة التقليدية.
على الصعيد الداخلي، نجحت البطولة في خلق مظلة وطنية فريدة، حيث اصطف الخصوم الايديولوجيون، مثل الدكتورة نبيلة منيب كوجه يساري معارض، تحت راية المنتخب. هنا تجلت قدرة الكرة على فرض هدنة سياسية وإعادة صهر المجتمع في بوتقة الهوية الوطنية بعيداً عن الخلافات الحزبية. وقد اعتبر أكثر من محلل صحفي تابع عن قرب أطوار “الكان” أن المغرب غادر البطولة كقوة لوجستية رائدة تنظيماً، وككيان سياسي استطاع توحيد جبهته الداخلية خلف مشروع طموح.
في الخلاصة؛ أثبتت دورة “كان 2025” أن كرة القدم مرآة مكبرة لأزماتنا، تُظهر قبح تعصبنا وجمال تضامننا. والآن مع انطفاء الأضواء استعداداً لمونديال 2030، يبقى التحدي هل يمكن تحويل هذه البنية التحتية من خرسانة صامتة إلى روح تنموية تلامس معيش المواطن؟
العبرة ليست فيمن حمل الكأس، بل فيمن سيحمل عبء بناء إنسان القارة بعد أن يرحل المشجعون ويبقى المواطنون وجهاً لوجه مع واقعهم اليومي.. أي فيمن سيحمل عبء بناء إنسان القارة بعد أن يرحل المشجعون ويبقى المواطنون وجهاً لوجه مع واقعهم اليومي.
