في البداية، ومن أجل محاولة فهم المشهد، لا بد من التذكير بجملة معطيات أساسية، فإيران دولة تبلغ مساحتها 1.648 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها قرابة التسعين مليون نسمة، ولها حدود برية مع كل من العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، وحدود بحرية مشتركة مع كازاخستان وروسيا وأذربيجان وتركمانستان (بحر قزوين). وتُعتبر إيران خامس أغنى دولة في العالم من حيث الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والفحم والخشب والذهب والفضة والنحاس واليورانيوم والحديد الخام والفوسفات. ومع العلم أن عدد سكانها يمثل واحدًا في المئة من عدد سكان العالم، فإنها تمتلك أكثر من سبعة في المئة من الموارد المعدنية في العالم. ويمثل إجمالي احتياطي النفط في إيران ما يساوي 11.82 في المئة من احتياطي النفط العالمي، وتُعتبر إيران ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات الغاز.
هذه المعطيات تضع إيران في صلب الاستهداف الأميركي، بعيدًا عن الذرائع المعلنة المتعلقة بالبرنامج النووي أو بطبيعة نظام الحكم الديني فيها، فيما الهدف الأساسي هو وضع اليد على هذه الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها من جهة، ومن جهة ثانية موقعها الجيوسياسي على الأطراف الغربية لقارة آسيا، أي أنها تشكل الحديقة الخلفية لروسيا والصين اللتين تخوضان حربًا اقتصادية ضروسًا مع الولايات المتحدة، ناهيك عن كونها أيضًا بوابة عبور لنفط دول الخليج إلى العالم عبر مضيق هرمز، وإمكانية تحكمها بمضيق باب المندب عبر حلفائها اليمنيين في “حركة أنصار الله”.
وهناك حقيقة أكّدتها الوقائع التاريخية الحديثة في إيران، فأيُّ تغيير للنظام يتم فقط عبر واحدة من حالتين: إما انقلاب عسكري، وإما ثورة شعبية عارمة بقيادة قوى منظمة. وهذا ما حصل خلال قرابة القرن الماضي. ففي عام 1953، بعد أن وصل محمد مصدق عبر دعم شعبي عارم إلى رئاسة الحكومة الإيرانية في ظل حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وبدأ بتأميم صناعة النفط التي كانت تسيطر عليها شركة النفط البريطانية (Anglo-Iranian Oil Company)، وفرار الأخير إلى خارج البلاد، نفذ الجيش الإيراني انقلابًا عسكريًا وفق عملية خططت لها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات البريطانية (MI6)، تحت اسم “أجاكس”، بكلفة مليون دولار أميركي فقط، وتم بموجبها الإطاحة بمصدق وإعادة الشاه بهلوي إلى الحكم. وشملت الخطة حينها عدة عناصر، منها تمويل مجموعات احتجاجية وتوجيهها لتنفيذ تظاهرات وأعمال شغب في شوارع إيران، ودعم تحركات هذه المجموعات عن طريق الصحافة والإعلام المضلل، إلى جانب التواصل مع عناصر قيادية في الجيش الإيراني ومسؤولين محليين لتنفيذ انقلاب عسكري، بالإضافة إلى رشوة سياسيين وضباط كبار ليتحولوا إلى داعمين للانقلاب.
وفي شباط/ فبراير من العام 1979، أطاحت ثورة شعبية عارمة بقيادة الإمام الخميني بحكم الشاه، وشاركت في هذه الثورة كل القوى الدينية واليسارية والوطنية والأحزاب المعارضة للحكم الشاهنشاهي. ففرّ الأخير إلى خارج البلاد، وأعلن الخميني قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. وبادرت القوى الثورية على الفور إلى اعتقال كبار ضباط جيش الشاه وإعدامهم (يُحكى عن إعدام 15 ألف ضابط حينها)، ومن نجا من الاعتقال هرب إلى خارج البلاد. وكان من أولى قرارات الخميني ذات الطابع الخارجي إغلاق السفارة “الإسرائيلية” في طهران وتسليم مفاتيحها للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. أما على المستوى الداخلي، فكان أبرز قرار له هو إنشاء الحرس الثوري الإيراني، الذي تحول مع الوقت إلى جيش رديف للجيش الإيراني الرسمي، مع قدرات عسكرية واقتصادية تفوق الأخير، ليصبح هذا الحرس هو الذراع الأمنية والعسكرية الحامية للنظام الإسلامي.
وخاضت إيران على مدى أكثر من عشر سنوات مفاوضات مع واشنطن والدول الغربية بشأن ملفها النووي، وانتهت باتفاق خمسة زائد واحد في العام 2015، أدى بصورة مؤقتة إلى نزع ذرائع الولايات المتحدة وحلفائها للاعتداء على إيران. مع العلم أن إيران، قبل الاتفاق وبعده، أكدت على سلمية برنامجها النووي. وللتأكيد على ذلك، أصدر المرشد علي خامنئي فتوى دينية تحرم تصنيع سلاح نووي وذري. ومع ذلك، ضربت واشنطن الاتفاق عرض الحائط، وأعلنت انسحابها منه من دون أي مبرر في العام 2018، بعد عامين من وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية في ولايته الأولى. وترافق ذلك مع إعلان واشنطن حملة ضغوط اقتصادية ومالية أحادية على طهران، وإخراجها من نظام سويفت المالي العالمي (SWIFT).
وفي يونيو/حزيران الماضي، شنت “إسرائيل” وأميركا عدوانًا جويًا على إيران، زعم بعده ترامب القضاء على برنامج إيران النووي، فيما التزمت إيران سياسة الغموض الاستراتيجي حيال نتائج هذا العدوان على برنامجها النووي، الذي بحسب التصريحات الأميركية قضى على ثلاثة مفاعلات نووية هي نطنز وفوردو وأصفهان. فيما ظلّ مصير ثلاثمئة كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجة تفوق 60 في المئة، في مفاعل فوردو، قيد الغموض حتى الآن.
أمام هذه المعطيات، لا بد أن نستذكر الذريعة التي استخدمتها الولايات المتحدة لغزو العراق عام 2003، وهي امتلاكه أسلحة دمار شامل، الأمر الذي نفاه مرارًا وتكرارًا المراقبون الدوليون. ومع ذلك حصل الغزو، لتعلن واشنطن لاحقًا أن معلوماتها حول أسلحة الدمار الشامل لم تكن صحيحة. هذا يعني إيرانياً أن الموضوع لا يتصل بحرمان إيران من التكنولوجيا النووية، حتى ولو كانت لأهداف سلمية، ولا من برنامجها الصاروخي الاستراتيجي، ولا ربطاً بنظامها الديني، ولا بالحريات وحقوق الإنسان وغيرها من الحجج التي طالما استخدمتها واشنطن ضد أنظمة معادية لها، وهي التي تقيم علاقات جيدة مع أنظمة ديكتاتورية ودينية وقمعية، ليس فقط في المنطقة العربية بل في كل أنحاء العالم. الهدف من حملة الضغوط الاقتصادية والمالية والعسكرية اليوم على إيران هو وضع اليد على ثرواتها الطبيعية، وتطويع قرارها لمصلحة السياسة الأميركية، وتحويل إيران إلى قاعدة خلفية للقوات الأميركية في أي صراع مستقبلي محتمل مع الصين وروسيا.
من هنا، يُمكن القول إن إمكانية حصول انقلاب عسكري ناجح في إيران شبه مستحيلة، في ظل وجود ولاء عميق للحرس الثوري الإيراني، كما للجيش الرسمي للنظام الإسلامي. أما الاستناد إلى ثورة شعبية، فهو أيضًا يفتقر إلى عامل أساسي، هو عدم وجود قوى سياسية منظمة معارضة للنظام الإسلامي. والمعارضة الموجودة حاليًا هي معارضة تحت سقف النظام الإسلامي ولا ترضى بالتخلي عنه. وقد جاءت سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها إيران على مدى السنوات الماضية، وآخرها الشهر الماضي، لتؤكد هذه الحقيقة، ولتؤكد أيضًا أن رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، لا يتمتع بأي دعم محلي في إيران، ولو أنه حاول أن يستثمر في الاحتجاجات الأخيرة دون طائل.
وهنا يُطرح التساؤل بشأن احتمال قيام الولايات المتحدة بغزو إيران، ويُعتبر هذا الأمر مستبعدًا جدًا. فإيران دولة مترامية الأطراف، ومن شأن غزوها أن يغرق أميركا في حرب لا نهاية لها، وهي التي خبرت نتائج غزواتها السابقة والحديثة في كل من العراق وأفغانستان خلال العقدين المنصرمين.
وماذا عن توجيه ضربات عسكرية موجعة للقيادة العسكرية والسياسية في إيران؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى إسقاط النظام؟ أيضًا، إن تجربة العدوان “الإسرائيلي” الأميركي في يونيو/حزيران الماضي أثبتت أن محاولة إسقاط النظام بعمل عسكري من الخارج لا تحظى بأي تأييد شعبي إيراني، وأن النظام في إيران استطاع خلال ساعات معدودة استعادة عافيته بعد الضربات الأولى التي تلقاها، والتي تمثلت باغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين، وانتقل إلى الهجوم الصاروخي الواسع والموجع على الكيان الصهيوني، ما جعل واشنطن تدخل المعركة لفرض وقف إطلاق النار بعد قصف قاعدة العديد العسكرية الأميركية في قطر.
أما سيناريو خطف المرشد علي خامنئي في عملية عسكرية، يُمهَّد لها بهجمات سيبرانية وقصف صاروخي وغارات جوية على عدة مواقع استراتيجية إيرانية، على غرار ما حصل في حالة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الشهر الماضي، فهو أيضًا أمر مستبعد في إيران، لا سيما أن تجربة واشنطن في عملية خاطفة في إيران كانت كارثية عندما حاولت عام 1980 إخراج رهائنها من سفارتها في طهران بعملية كوماندوس، فاصطدمت طائراتها المروحية التي كانت تنقل الجنود الأميركيين ببعضها البعض، وانتهت العملية بكارثة لها.
إذاً، ما هي الاحتمالات المتبقية؟
من المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية ستلجأ إلى زيادة الضغط المالي والاقتصادي على إيران، إلى جانب شن حرب سيبرانية على النظام المالي داخل إيران نفسها، وشل المصارف فيها، وتشجيع الاحتجاجات الشعبية على طريقة الموجات الاحتجاجية، إذ تقوم موجة واسعة فيُخمدها النظام، لتعود وتقوم موجة أخرى بعد فترة وجيزة. ومع كل موجة، يزداد استخدام المحتجين للسلاح، وهكذا إلى أن يُستنزف النظام وقواه الأمنية والعسكرية، ويتم إنضاج معارضة تتمكن من أن تكون بديلاً للنظام الحالي. غير أن هذا السيناريو يتطلب وقتًا وصبرًا غير متوفرين لدى الإدارة الأميركية الراهنة بقيادة ترامب، المستعجل لوضع يده على الثروات الطبيعية العالمية في أي مكان على كوكب الأرض، كما في الفضاء ربما.
أما عن احتمال تشجيع واشنطن للفوضى في إيران، ودفع الأمور إلى حرب أهلية فيها، فإن هذا الأمر لا يزال مستبعدًا لسببين: الأول هو الانتماء الوطني للشعب الإيراني، الذي يتمتع بإحساس عالٍ بوطنيته وبتاريخ بلاده الإمبراطوري، والثاني هو خوف دول الجوار من أن أي فوضى عارمة في إيران ستؤدي إلى نزوح عشرات الملايين إلى هذه الدول، ما يخلق أزمات اقتصادية خانقة فيها.
وماذا يعني المضي بالتحشيد العسكري الأميركي في الخليج العربي والمحيط الهندي؟
من الواضح أن الولايات المتحدة بلغت أعلى شجرة التصعيد، ولذلك باتت بحاجة إلى سُلَّم ما للنزول عنها. فهي غير قادرة على الدخول في تصعيد عسكري للأسباب المذكورة أعلاه، ولا تتحمل أن تظهر وكأنها تراجعت عسكريًا من دون ثمن مقابل.
من هنا، دخلت الدبلوماسية لتقديم سُلَّم النزول عن شجرة التصعيد، فكانت تركيا، وهي حليفة موثوقة لواشنطن، في طليعة الدول التي تحركت لدفع الأمور إلى تسوية سلمية، كما تحركت كل من سلطنة عُمان ومصر وقطر والسعودية، وهذه الدول كلها حليفة لواشنطن.. ويُعتبر التحرك التركي – القطري الأكثر فعالية بسبب خوضه في تفاصيل الملفات الخلافية، إذ يسعى إلى إقناع القيادة الإيرانية بأن تقدم لترامب مغريات اقتصادية، في إطار فتح الباب للأميركيين للاستثمار في قطاع النفط والغاز، أو في المعادن النفيسة كاليورانيوم والذهب، إلى جانب التخلي عن البرنامج النووي، مقابل تراجع واشنطن عن التصعيد العسكري. غير أن الإيرانيين يرفضون الدخول في المفاوضات والسكين الأميركية فوق رقبتهم، لذلك فإن الأمور ما تزال في بداياتها، وسيرها سيكون بطيئًا، لكنه يشكل إلى حد كبير الطريقة الوحيدة لإنهاء الوضع المتوتر في هذه المنطقة من العالم.. أما بديلها فهو إشعال منطقة الخليج بما فيها من نفط وغاز سريعي الاشتعال، مع ما سيرافق ذلك من تداعيات اقتصادية مدمرة للاقتصاد العالمي.
