بوتين يوفد لافروف إلى بيروت: مبادرة روسية مكملة للفرنسية

يصل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى لبنان في "زيارة مهمة"، نهاية تشرين الأول/أكتوبر الحالي، على أن يسبقه إلى بيروت سفير روسيا الجديد لدى لبنان الكسندر روداكوف، في 11 الجاري، حيث سيقدم اوراق اعتماده سريعا الى رئيس الجمهورية ليباشر مهامه واولها اعداد الترتيبات لزيارة رئيس الدبلوماسية الروسية.

تتعاطى روسيا مع لبنان على قاعدة ان “خصومها ضدها.. واصدقاءها ليسوا معها”، وهي منذ اكثر من عقدين من الزمن، كانت تتوقّع وصول لبنان الى الانهيار الاقتصادي والمالي ومن ثم الارتهان السياسي للخارج، بعدما سهّل الغرب، او اقله قرّر غض الطرف، عن الفساد السياسي في لبنان وصولاً إلى تغطية كل سياسات مصرف لبنان التي كانت تمول العجز في الخزينة بأدوات مختلفة.

وللروس تجربة مريرة مع لبنان. ذهب اليهم نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلياس المر في أول حكومة حريرية في عهد ميشال سليمان، وطلب منهم هبة عسكرية (طائرات ودبابات وأسلحة وذخائر)، فكان أن صُدم بتجاوب “الجيش الأحمر”، لكن سرعان ما راح يبحث عن “تخريجة” للانسحاب والاعتذار، مخافة تنفيذ التهديد الأميركي بتجميد شحنات المساعدات العسكرية الأميركية السنوية للجيش اللبناني، اذا قبل لبنان أية مساعدة عسكرية روسية.

طُويت تلك الصفحة على زغل، لكن سرعان ما تكرر الأمر مع الحريري شخصياً، عندما وعد في مطلع العام 2015 الروس بأن يقتطع لهم حصة من الهبة السعودية للجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار أميركي. تعرض الروس لخديعة ثانية بتراجع حكومة تمام سلام عن خطة للحصول على اسلحة  من روسيا بقيمة 270 مليون دولار كان مقررا أن تشمل شراء مروحيات روسية مقاتلة ومنظومة دفاع جوي، 250 صاروخ “كورنيت”، 4 منصات لاطلاقها، 6 راجمات صواريخ، 30 الف صاروخ  يبلغ مداها 40 كيلومترا.. تذرع اللبنانيون للتراجع عن الصفقة مجددا بالعقوبات الأميركية ضد روسيا على خلفية موقفها من الأزمة الأوكرانية!

في لبنان يريدون من روسيا أن تقدم إليهم هبات مثل القمح ومشاريع بنى تحتية اساسية لا سيما على صعيد الطاقة، ولكن في الوقت ذاته يحرصون على البقاء في حضن الغرب بالكامل بلا خيارات بديلة ولو من قبيل إبتزاز مفاوضيهم الغربيين لتحسين شروطهم.

لم يجرؤ اي مسؤول لبناني، أكان كبيرا ام صغيرا على طلب مساعدة روسيا في حل الازمة اللبنانية، برغم أنهم يدركون فاعلية خطوط موسكو المفتوحة في أكثر من إتجاه إقليمي ودولي. وكلما طرح الجانب الروسي مبادرة لمساعدة لبنان قابلها المستوى الرسمي اللبناني بطرح مشاريع تجارية خاصة بعدد من المسؤولين، وبتعمد تجاهل الدور السياسي الروسي، وابرز مثال على ذلك زيارة الرئيس سعد الحريري على رأس وفد وزاري يوم طرح الجانب الروسي تنفيذ مشاريع في لبنان بقيمة مليار دولار، واشتغلت الدوائر الروسية لنصف عام على اعداد كل الدراسات والبروتوكولات وعندما اصبحت جاهزة تبين ان الحريري قد نسي الامر كلياً، والدليل عشرات الاتفاقيات الروسية اللبنانية التي تنتظر في الادراج اللبنانية من يُوقعها من الوزراء والمسؤولين اللبنانيين.

اتخذ بوتين قرارا بارسال رئيس الدبلوماسية الروسية الى لبنان، انطلاقا من تقييم روسي إنكبّ بعده لافروف وفريق عمله على صوغ افكار عملية للحل في لبنان ربما تطرح بصيغة مبادرة تستفيد من ثغرات المبادرة الفرنسية وتكملها، وتستفيد أيضاً من فهم روسيا العميق للازمة بين الولايات المتحدة وايران

لا تطمح روسيا ولا تملك القدرة على الغاء أو لجم النفوذ الاميركي والغربي في لبنان أو في أي بلد في العالم، بما فيها جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة. نعم، تريد روسيا ان يكون لها دور وتريد من اللبنانيين أن لا يلجأوا إليها فقط عندما يحتاجون دعمها في مجلس الأمن. إنطلاقاً من ذلك، ثمة عتب روسي كبير على القيادات اللبنانية التي “قصّرت في مشاورة روسيا في ما يخص الازمة اللبنانية، بينما موسكو كانت من أوائل من دعموا المبادرة الفرنسية، وبعد انفجار الرابع من اب (اغسطس) كانت طائرات المساعدات والانقاذ الروسية هي اول من حطت في مطار بيروت، فضلاً عن المشاركة في التحقيقات وإقامة مستشفى ميداني في العاصمة اللبنانية”.

وبرغم دعم المبادرة الفرنسية، لم تتبدّل القناعة الروسية التي تم ابلاغها رسميا الى العديد من القيادات السياسية اللبنانية، وهي “رفض تدويل الازمة اللبنانية، ووجوب ان يكون الحل لبنانيا، فأية أزمة إذا أصبحت أسيرة الحسابات الاقليمية والدولية الكبيرة تزداد تعقيداً ويصبح حلها رهن إرادات خارجية، وروسيا تشجع اي مبادرة، ومنها المبادرة الفرنسية، برغم قناعتها بأن الحل منطلقه يجب أن يكون لبنانياً ويترجم توافقا اقليميا ودوليا، او ان تصاغ تسوية اقليمية – دولية يتم فرضها في الداخل اللبناني، مع يقين القيادة الروسية ان اي مبادرة لن تنجح لان اللبنانيين انفسهم اخذوا الازمة الراهنة الى التدويل”.

تلقفت روسيا ايجابا مطالبة قوى لبنانية وازنة بالتوجه شرقا، “لكنها لم تراهن على نتائج عملية لان كل التجارب السابقة تشي بعدم الرهان على مصداقية الحكومات اللبنانية، علما ان هذه العلاقة مع الشرق لا تريدها روسيا على حساب الغرب انما أن تشكل اضافة نوعية لصالح لبنان”.

لماذا يزور لافروف لبنان؟

يكشف تقرير دبلوماسي انه بعد فشل المبادرة الفرنسية، اجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالا بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، طالبا المساعدة لدى اصدقاء روسيا من أجل تسهيل مبادرته، وعلى الاثر، تم رفع الملف اللبناني لدى الدبلوماسية الروسية الى مستوى الاولويات، وتمت دعوة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف لزيارة روسيا حيث كان الملف اللبناني الحاضر الاكبر، وخلصت نتائج المحادثات بين لافروف وظريف الى “نتائج ايجابية وإلى تطابق في النظرة الى وجوب ان تكون ارادة الحل لبنانية لبنانية كأولوية”.

بناءً على طلب ماكرون وسلسلة اتصالات ومشاورات اجرتها القيادة الروسية، اتخذ بوتين قرارا بارسال رئيس الدبلوماسية الروسية الى لبنان، انطلاقا من تقييم روسي إنكبّ بعده لافروف وفريق عمله على صوغ افكار عملية للحل في لبنان ربما تطرح بصيغة مبادرة تستفيد من ثغرات المبادرة الفرنسية وتكملها، وتستفيد أيضاً من فهم روسيا العميق للازمة بين الولايات المتحدة وايران.

على الرغم من الانشغال الروسي في ملفين استراتيجيين هما: بيلاروسيا والصراع في اقليم ناغورنو – قره باغ بين ارمينيا واذربيجان، اعطى بوتين مساحة اهتمام خاصة لحل الازمة اللبنانية، والسؤال الذي يطرحه الروس “هل سيصبح لبنان مهما للبنانيين بقدر ما هو مهم لروسيا أو فرنسا”؟ والسؤال الاخر “هل ستستمر القيادات اللبنانية في اسلوب التعاطي مع روسيا لجهة الاستفادة من المساعدة السياسية في المحافل الدولية، وفي الوقت ذاته، عدم الالتزام بأي تعهد او بروتوكول او اتفاق إقتصادي أو عسكري”؟

داود رمال

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free