في أن تنتصر وتصفح

الحرب السورية هي حرب معنىً وقوة، وعلى المنتصر في الحرب أن يُثبت إنتصاره فيهما معاً، فلا القوة كافية بغياب المعنى، ولا العكس؛ ومن الواضح أن الرغبة بالانتصار العسكري في الحرب لا توازيها رغبة مماثلة في السياسة داخلياً، إذ تشتغل هنا ديناميات ومعان مختلفة. 

شيء يشبه “التخلي” عن مقتضى الانتصار العسكري، وربما تطور الحال إلى موقف قد لا يكون مألوفاً كثيراً، لكنه مع ذلك ممكن وواقعي وربما قريب، كأن يهدي المنتصر نصره، أو جانباً منه، إلى خصمه أو إلى من كان خصمه، على سبيل الصفح أو الرغبة بفتح صفحة جديدة. وهذا نوع من إنتصار المعنى أيضاً.

وقد يكون ذلك غير عادل ومؤلماً، باعتبار ما دمرته الحرب، لكنه يحدث في عالم السياسة، وخاصة في حروب الأخوة. لا بأس في ذلك، بل قد يكون مطلوباً، على اعتبار أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، كما أن الخصوم المتقاتلين في هذه الحرب، هم أهل وأبناء وطن واحد، وقعت فيهم الفتنة أو وقعوا فيها، وهذه ليست المرة الأولى التي يدخلون فيها حرباً فيما بينهم، ذلك أن هذا المشرق الجميل، ليس مشرق ألف ليلة وليلة فحسب، إنما هو مشرق الغزو والصراع والفتن والاقتتال أيضاً؛ وقد جرى ذلك بين أهله أكثر مما جرى بينهم وبين الغرباء، على ما يظهر من “مقدمة” ابن خلدون مثلاً، أو “الكامل في التاريخ” لأبن الأثير، وحتى آخر رواية صدرت عن الحرب السورية الراهنة. وبالمناسبة، ثمة تقديرات بأن السوريين كتبوا حتى الآن ما يزيد عن خمسين رواية عن الحرب، هذا افتتان بالسرد والقص، وقد يكون جزء من ديناميات الحرب أيضاً!

ربما كانت إستعادة التاريخ غريبة بعض الشيء في السعي لتفسير تحولات حرب تُكَثِّف طبيعة الصراع على المعنى والقوة في عالم اليوم، الذي يوصف بأنه عالم ما بعد الحداثة أو عالم الحداثة الفائقة؛ لكن هذا مبرر تماماً، ذلك أن التاريخ حاضر بيننا بقوة، وهو أحد فواعل هذه الحرب المجنونة والجائرة التي عصفت ببلادنا، وبأيد أخوة لنا قبل أعدائنا؛ وما أشد اقتتال الأخوة إذا وقع.

 الصفح يطوي مشكلات وأزمات، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة، إلا أنه قد يُوِّلد أخرى، إذ ثمة ما لا يمكن الصفح عنه، مثل الخيانة والارتماء في أحضان العدو، أو الاتجاهات الانفصالية أو التقسيمية

بعض الفواعل تخسر في معركة المعنى، فيما تخسر أخرى في معركة القوة، لكن الانتصار الحقيقي في الحرب يتطلب الانتصار فيهما معاً، كما سبقت الإشارة. أعلم أن ثمة شيء من التبسيط في ذلك، لكنه جائز في معرض البيان والتوضيح، هذا يفسر مثلاً، ويبدو أننا نعود مرة أخرى إلى التاريخ، جانباً مما فعله النبي محمد بن عبد الله إثر فتح مكة، عندما قال لخصومه كلمته المشهورة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”! وهذا قرار سياسي بامتياز، وقد كان بإمكانه أن يعمل فيهم قتلاً وتدميراً.

فائض القوة والمعنى لدى النبي، مكنه من فعل ذلك، وقد كان لازماً وفق تقديراته، بوصفه ولي أمر أو قائد وحاكم، وهذه مسألة إشكالية بطبيعة الحال، وما أقوله فيها هو مجرد تقدير يحتمل الخطأ والصواب، ولا بد من الاقتصاد في تفسيره وتأويله.

لكن حسابات التاريخ المديد قد تذهب نحو تقديرات مختلفة، إذ أن “الطلقاء”، بالمعنى السياسي، أصبحوا جزءا من بنية الحكم في “دولة النبي”، ثم إنهم تمكنوا من الحكم في مرحلة لاحقة، على ما يظهر في كتب كثيرة، منها مثلاً كتاب “الإمامة والسياسة” لابن قتيبة، وهذا باب فيه كلام كثير.

إن المثال الذي ذكرناه إشكالي، إلا أن فيه دلالات كثيرة، قد لا يتسع المجال للإحاطة بها، لكن المهم بالنسبة لنا هو خيط أو خط المعنى الكامن فيها أو الصادر عنها، إن أمكن التعبير، ويتعلق بـ”الصفح”، ومنطق “لا غالب ولا مغلوب”، و”إهداء” الانتصار أو الفوز للخصم أو من كان خصماً، والبدء وفق “رؤية جديدة” أو “عقد جديد”.

صحيح أن الصفح يطوي مشكلات وأزمات، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة، إلا أنه قد يُوِّلد أخرى، إذ ثمة ما لا يمكن الصفح عنه، مثل الخيانة والارتماء في أحضان العدو، أو الاتجاهات الانفصالية أو التقسيمية، أو التكفيرية والطائفية؛ كما أن المصفوح عنه، لا بد وأن يكون في وضعية خاصة، إنتقالية أو إختبارية، ولو لبعض الوقت، ومن باب التأكيد والتعزيز، وذلك من أجل تفادي أي إرتداد أو نكوص محتمل من قبل البعض إلى الفتنة، أو ما يمكن أن يتسبب باندلاع حرب أخرى.

ولا نعلم يقيناً إن كانت الأمور سوف تتجه في سورية بهذا الاتجاه، أي “صفح” و”صفحة جديدة” و”عقد جديد”، وما إذا كانت المحاذير مُدركة أو مُوعى بها بالتمام، ولا بد أن تكون كذلك؛ إلا أن ثمة مؤشرات متزايدة في خطاب وسلوك الرئيس بشار الأسد، على أن “يصفح”، و”يُطمئِن”، وربما “يهدي” نصره إلى “خصومه” أو “من كانوا خصومه” في هذه الحرب، من السوريين، إيماناً منه بأن الحرب لا بد وأن تصل إلى نهايتها، وأن ليس لهذا البلد المشرقي الجميل، بعد الانتصار على الإرهاب و”إحتواء” الرهانات والتدخلات الخارجية، إلا أن يستأنف أمنه ويحقق إستقراره وحضوره ويؤدي دوره في الإقليم والعالم. وهذا هو مقتضى الانتصار في القوة والمعنى معاً.

عقيل سعيد محفوض

كاتب وأستاذ جامعي، سورية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course