نصرالله مُحرج حكومياً: من يضبط فريق 8 آذار؟

Avatar18011/01/2020
بين منادٍ بحكومة تكنوقراط أو منادٍ بوزارة تكنوسياسية أو منادٍ بثالثة سياسية، يمكن القول أن لا حكومة لبنانية ستولد قريباً..

لو تسنى لغازي كنعان أن يخرج من قبره، لكان قد قال للبنانيين:”ألم نقل لكم أن الطبقة السياسية عندكم لم ولن تبلغ سن الرشد السياسي”.

ما هي مناسبة التذكير بغازي كنعان؟

ربّ قائلٍ أن الأوامر بالإنتقال من مربع حكومة التكنوقراط إلى مربع الحكومة السياسية هو “الولي الفقيه”. أي أن الأمر صدر من طهران، رداً على إغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني. لكن ما هي حقيقة الأمر؟

تماماً، كما كان يتوقع الرئيس اللبناني ميشال عون، قبيل الإستشارات النيابية الملزمة، “إكتشف” أن الرئيس المكلف تأليف الحكومة حسان دياب “ليس سهلاً”. كان يكفي أن تتضمن إقتراحاته أكثر من مرشح رئاسي (زياد بارود ودميانوس قطار)، حتى يصاب أهل القصر الجمهوري، من كبيرهم إلى صغيرهم، بنقزة من حماسة الرئيس المكلف لتوزير مرشحين رئاسيين، فكيف إذا كان الأمر يطال أسماء أخرى، فضلاً عن توازنات حكومية، وتحديداً الثلث المعطل؟

كان عون قد بلغ به الإستياء حد المجاهرة بعدم إرتياحه لمسار التكليف والتأليف، مبدياً إنرعاجه من “تشدد” حسان دياب و”تمسكه بشروطه” وعناده في ما يخص بعض الأسماء المقترحة، فضلا عن رفضه أي محاولة لتعديل التركيبة الحكومية من 18 إلى 20 أو 24 وزيراً.

وما أن وقعت الواقعة في بغداد (إغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس)، حتى قرر ميشال عون قلب المعادلة رأساً على عقب. إستدعى وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل وقررا سويةً صياغة موقف رئاسي جديد عنوانه “الذهاب إلى خيار حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع من دون إستثناء من أجل مواجهة تداعيات المرحلة الجديدة، إقليمياً ولبنانياً”.

قبل أربعة أيام (الإثنين الفائت)، حضر “رجل المهمات” إلى القصر الجمهوري، وسمع موقفاً واضحاً من عون وباسيل، مع تمن بإستعجال الذهاب إلى خيار حكومة الوحدة الوطنية. إتجه الوسيط من بعبدا إلى عين التينة، وأبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري بالوجهة الرئاسية المستجدة، فإذ بالأخير يبدو أكثر حماسةً من رئاسة الجمهورية لخيار حكومة لم الشمل، وهو الإسم المكمل لخيار حكومة الوحدة الوطنية. أكمل الوسيط جولته، فأعطاه حزب الله موقفاً مماثلاً لموقف بري، مشترطاً أن يحظى أي خيار بموافقة الجميع.

وبينما كان مقرراً أن يتوجه موفد من القصر الجمهوري لإبلاغ الرئيس المكلف بالوجهة الجديدة، سرعان ما تبدل الموقف في القصر الجمهوري. لم يعد ميشال عون وجبران باسيل متحمسين لخيار الحكومة السياسية (حكومة الوحدة الوطنية).

بدت الصدمة كبيرة عند “الثنائي الشيعي”: لماذا قرر ميشال عون وجبران باسيل تبني خيار الحكومة السياسية ولماذا تراجعا عنه في اليوم نفسه وهل يتحمل البلد هكذا نوع من اللعب السياسي؟

وعندما توجه حسان دياب إلى القصر الجمهوري يوم الثلثاء الماضي وسلم رئيس الجمهورية مسودة التشكيلة الحكومية، فوجىء عون بأن إسم دميانوس قطار لم يعد مطروحاً لتولي وزارة الخارجية. بعدها، مباشرة، سرّبت بعض الأوساط المقربة من باسيل مناخات تشي بأن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف قد إتفقا على إستبعاد كل الوزراء السابقين، بمن فيهم قطار. بعد التدقيق مع دياب، تبين أن الفيتو يقتصر على وزراء الحكومة المستقيلة، وأن دميانوس قطار بات مطروحاً لوزارة الإقتصاد، لكن رئيس الجمهورية طلب منه التريث لأنه كان قد فهم من وزير الخارجية أنه يريد لوزارة الإقتصاد أن تكون من نصيب كتلة لبنان القوي!

وبينما كان رئيس المجلس قد سارع إلى تسريب موقفه إلى وسائل الإعلام منذ ظهر يوم الثلاثاء الماضي، ثم في “لقاء الأربعاء”، بدت الصدمة كبيرة عند “الثنائي الشيعي”: لماذا قرر ميشال عون وجبران باسيل تبني خيار الحكومة السياسية ولماذا تراجعا عنه في اليوم نفسه وهل يتحمل البلد هكذا نوع من اللعب السياسي؟

تسارعت وتيرة المواقف: حزب الله يعلن من بكركي حرصه على تشكيل أي حكومة وبأسرع وقت ممكن. تكتل لبنان القوي برئاسة باسيل يرفع مجدداً لواء حكومة التكنوقراط. كتلة الوفاء للمقاومة رأت أن التطورات تفرض وجود حكومة، من دون تحديد هويتها من أجل عدم إستفزاز رئاسة المجلس. بري يؤكد أن ما طلبه وإقترحه هو حكومة تكنوسياسية، معتبرا أن تصريف الأعمال واجب دستوري.

حتى الآن، لا يملك “الثنائي الشيعي” جواباً واضحاً حول أسباب تراجع عون وباسيل. هل كان المطلوب أن يكون عنوان حكومة الوحدة الوطنية مقدمة للإطاحة بحسان دياب والإتيان برئيس مكلف يتناسب والمرحلة الجديدة، وهل كان المقصود بهذا الخيار، إعادة تشريع الأبواب أمام عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، ربطاً بحسابات رئاسية مستقبلية بالدرجة الأولى؟ لكن من يضمن أن حسان دياب سيستقيل ومن يضمن أن الحريري يمكن أن يقبل بالعودة إلى رئاسة الحكومة؟

في حساب باسيل، أن الثلث الضامن (سبعة وزراء) كفيل بإسقاط الحكومة، إذا إتخذت أي قرار مخالف لإرادة التيار الوطني الحر

بدا خيار العودة إلى الحكومة السياسية، بلا تحصين وبلا رؤية متكاملة، ولو أن أسبابه السياسية الموجبة إقليميا.. متوفرة، علماً أن حزب الله كان يركز على أولوية مواجهة الخطر الإقتصادي والمالي، قبل مواجهة أية مخاطر أخرى.

بدا منزل فريق 8 آذار/مارس من حزب الله ونبيه بري إلى ميشال عون وسليمان فرنجية واللقاء التشاوري مشرعاً على الفوضى والقياسات والحسابات المتناقضة. ميشال عون لم تركب “الكيمياء” بينه وبين دياب. جبران باسيل يرفض التنازل عن أي من الحقائب المسيحية السبع، ولا سيما الوزارات السيادية كالدفاع والخارجية وحتى العدل (شبه سيادية). في حساب باسيل، أن الثلث الضامن (سبعة وزراء) كفيل بإسقاط الحكومة، إذا إتخذت أي قرار مخالف لإرادة التيار الوطني الحر.

في الوقت نفسه، بدا الرئيس نبيه بري منذ اللحظة الأولى غير متحمس لخيار حسان دياب. حتى أنه لم يخف إنزعاجه من إلتزام معاونه السياسي علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل بحكومة التكنوقراط، فور تكليف دياب.

بالنسبة لرئيس المجلس، لم يعد خيار التكنوقراط موجوداً بعد إتفاق الطائف الذي جعل مجلس الوزراء مجتمعاً، أي برئيسه وبالوزراء، سلطة سياسية مكتملة المواصفات. لذلك، كان يفضل منذ اللحظة الأولى الإتيان بحكومة تكنوسياسية، ولم يخف حماسته لعودة الحريري، لكن عندما صار حسان دياب رئيساً مكلفاً، رفض بري أن يتم البحث عن بديل للأخير، وأصر على أن تكون حكومة لم الشمل برئاسة دياب، بينما كانت عواطف باسيل في مكان آخر. زدْ على ذلك، أن بري كان يرفض تثبيت معادلة الثلث المعطل لجبران باسيل. “فإذا كانت كتلتا الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير (30 نائبا) بالكاد تستطيعان تسمية 4 وزراء، لماذا يسمي باسيل وحده 7 وزراء”، على حد تعبير أحد أعضاء “كتلة التنمية والتحرير”؟

وبينما كان رئيس تيار المردة سليمان فرنجية يطالب بتسمية وزيرين مسيحيين من أصل تسعة وزراء مسيحيين، سارع حزب الله إلى طي هذا المطلب على قاعدة إغراء فرنجية بأن تبقى من نصيبه حقيبة الأشغال التي يشغلها في الحكومة المستقيلة الوزير يوسف فنيانوس الذي ينتمي أيضاً إلى تيار المردة.

لم يقتصر الأمر على هؤلاء من حلفاء حزب الله، بل طال أيضا اللقاء التشاوري السني الذي يضم ستة نواب، اذ أصر أحد الأعضاء (النائب جهاد الصمد) على أن من حق التكتل تسمية وزيرين، بينما وافق بقية الأعضاء على تسمية وزير واحد (طلال حواط لحقيبة الإتصالات)، الأمر الذي أدى إلى إحتجاج الصمد وإعتكافه.

هذا المسار المتشظي سياسياً ضمن فريق الصف الواحد، بات مُحرجاً للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي صار مطالباً بأن يحدد موقف الحزب من الملف الحكومي في الإطلالة المقررة الأحد المقبل. لا بد من إعادة ترتيب البيت السياسي لفريق 8 آذار/مارس. أن تتشكل حكومة مهما كان إسمها بأسرع وقت ممكن، أخذاً في الإعتبار الوضع الإقتصادي الكارثي ووصول الدولار الأميركي الواحد إلى سعر الألفين وخمسائة ليرة لبنانية في السوق السوداء.. والحبل على الجرار. جاء موسم الإشاعات. حسان دياب إعتذر عن التكليف. حسان دياب لم يعتذر. من يضبط إيقاع فريق 8 آذار/مارس؟

Avatar

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course