إبستين.. النموذج الأسود للرأسماليَّة

مثلـَّثُ الجنسِ والسلطةِ والمالِ، ومربَّعُ الاستغلالِ والاحتكارِ والجريمةِ المنظَّمةِ وِالابتزازِ الخفيِّ، هما العنوانُ الأسودُ لملفِّ جيفري إبستين. يحمِلُ هذا العُنوانُ اسماً شخصيَّاً، لكنَّهُ ليسَ قضيَّةً شخصيَّةً. وهو أبعدُ ما يكونُ عن ذلك. إنَّهُ منظومةٌ شديدةُ الترابُط عابرةٌ للدولِ. تحرَّكتْ في الخفاءِ سنواتٍ طويلةً. وكان يمكنُ أنْ تبقى أسيرةَ المغاورِ المظلمةِ لولا أنَّ محرِّكيها قرَّرُوا أن يكشِفوا بعضَها لينتقِلوا به من ساحةِ الإعدادِ المتراكمِ إلى ساحةِ الابتزازِ السياسيِّ الموقوتِ على ساعةٍ إستراتيجيَّةٍ دقيقةٍ في الصراعِ الدائرِ عالميَّاً حيثُ عقليَّةُ افتعالِ الحروبِ من أجلِ حمايةِ الطغمةِ الرأسماليَّةِ بقيادةِ الولاياتِ المتحدة.

الرؤساءُ الأميركيُّون الذين وَردَتْ أسماؤُهم في مراسلات إبستين، وعددُ من الشخصيَّاتِ الأوروبيَّةِ والعربيَّةِ، كانت لهم مثل دونالد ترامب باعٌ طويلةٌ في الممارساتِ الانحرافيَّةِ البشعةِ [مَنْ ينسى قضية بيل كلينتون ومونيكا أو قضيةَ برلوسكوني…إلخ]، وفي الوقوفِ في العلنِ قبل الخفاءِ ضدَّ قضايا العدالةِ والحريةِ والكرامةِ الإنسانيَّةِ والحقوق والقانون. ومن لا يخجلُ في العلنِ من هذه الممارساتِ لن يتردَّدَ في ارتكابهِا في السرِّ.

الخطورةُ في قضيَّةِ إبستين أنَّها ليست غريبة ولا جديدة. يدلـُّنا التاريخُ في حياةِ كثيرٍ منَ الشعوبِ على أنَّ مثلَ هذه القضيَّةِ ظاهرةٌ تتكرَّرُ. ولطالما ارتبطتْ عُضويَّاً بأهلِ المالِ كما كانوا يُسَمَّوْنَ قديماً بدلاً من “الرأسماليَّة” وفقاً لمصطلحاتِنا المُعاصرة. كانتْ أروقةُ السلطةِ، والغرفُ الحمراءُ للملوكِ والأمراءِ والسلاطينِ تعِجُّ بالجواري والسبايا والنساءِ المختطفاتِ والغِلمان. وكان القوَّادونَ ومشترو الفتياتِ، والجواري أنفسُهُنَّ، لديهم أمكنةٌ خاصةً ومكانةٌ مميَّزةٌ تُشبهُ ما ظهرَ عند إبستين راهناً. وتمكَّنُوا بالضغطِ والابتزاز من ممارسةِ التأثير السياسي، كما كانت الحالُ مثلاً في الإمبراطوريَّةِ العثمانية عندما انتقلَ القرارُ فيها من ديوانِ السلطانِ إلى الحرملك تحت تأثير شبكةٍ عمِلتْ في الخَفاء وأوْصلتِ الجارية روكسلانا إلى قلب القرار. الأمر نفسُهُ نراهُ في فرنسا في قصر الملك لويس الخامسَ عشرَ الذي خضعَ لمَحظيَّتِهِ “مدام دي بومبادور” ومَنْ وراءَها. وليس بعيداً منَ الذاكرة اسم “جيمي سافل” البريطاني الذي ارتكب جرائم مثل إبستين وكان مقرَّباً من العائلة المالكة.

منظومةُ رأسِ المالِ في الولاياتِ المتحدةِ وفي غيرِها هي التي أتاحتْ لـ إبستين ذلك. وعندما اعتُقِلَ أوَّلَ مَرَّةٍ قبلَ نحو عقدينِ حصلَ على صفْقةٍ بينَهُ وبين القضاءِ الأميركي خرجَ بعدها ليُكمِلَ ما بدأَ به. ما يعني بوضوحٍ قاطعٍ أنَّ السلطةَ الأوليغارشيَّةَ الماليةَ الأميركية اعتدتْ على مبدأ العدالةِ، وقدَّمتِ الرعايةَ لمجرمٍ، الأمر الذي يُؤكِّدُ أنَّ الطبقةَ الرأسماليةَ الاستغلاليَّةَ شريكةٌ في الجريمةِ. وهي تستفيدُ من المجرمينَ إلى أنْ ينتهي دورُهم، ولديها في المحاكمِ قانونانِ: أحدُهما موجودٌ في الظلِّ لحمايةِ كبارِ الأغنياءِ، والثاني موجود في الظاهر للادِّعاء بحكم القانون

لن نستغرق في استعادة التاريخ. الأمثلةُ كثيرةٌ. تؤكِّدُ كلُّها أنَّ ما يجري هو ظاهرة لا حالة فرديَّة، وعقلٌ شبَكيٌّ لا مجرَّدُ نزوة. والثابتُ أنَّ هذه الشبكاتِ تنمو في أحضانِ الجماعاتِ الرأسماليَّةِ الكبيرةِ التي تربُطُ دوماً بين السلطةِ والمالِ وتوظِّفُ الجنسَ واستغلالَ النساءِ والأطفالِ من أجلِ الابتزاز. قبلَ فوارقِ المِلكيَّةِ وتراكُمِ الثروةِ لم يعرفِ البشرُ استغلالَ النساءِ ولا توظيفَ الجنسِ سلطويَّاً واقتصاديَّاً. [دراسات مورغن وإنجلز تُثبِتُ ذلك] المسألةُ في العمقِ ارتباطٌ عضويٌ بين هذا الاستغلالِ ونموِّ الرأسماليَّةِ. ومن هنا تبرزُ حقيقة إبستين بما يتجاوزُ شخصه فرديَّاً. منظومةُ رأسِ المالِ في الولاياتِ المتحدةِ وفي غيرِها هي التي أتاحتْ لـ إبستين ذلك. وعندما اعتُقِلَ أوَّلَ مَرَّةٍ قبلَ نحو عقدينِ حصلَ على صفْقةٍ بينَهُ وبين القضاءِ الأميركي خرجَ بعدها ليُكمِلَ ما بدأَ به. ما يعني بوضوحٍ قاطعٍ أنَّ السلطةَ الأوليغارشيَّةَ الماليةَ الأميركية اعتدتْ على مبدأ العدالةِ، وقدَّمتِ الرعايةَ لمجرمٍ، الأمر الذي يُؤكِّدُ أنَّ الطبقةَ الرأسماليةَ الاستغلاليَّةَ شريكةٌ في الجريمةِ. وهي تستفيدُ من المجرمينَ إلى أنْ ينتهي دورُهم، ولديها في المحاكمِ قانونانِ: أحدُهما موجودٌ في الظلِّ لحمايةِ كبارِ الأغنياءِ، والثاني موجود في الظاهر للادِّعاء بحكم القانون. أمَّا عندما اعتُقِلَ إبستين قبل سبع سنواتٍ، وقيلَ إنَّه مات منتحراً في سجنهِ، – (ولم يتأكَّدْ أحدٌ من هذه الواقعة بعد)- فإنَّ السلطاتِ الأميركية أرادتْ أن تُخفِي الفضائح، غيرَ أنَّ مُشغِّلي إبستين تحرَّكوا للابتزازِ وسعَوْا إلى الكشفِ عن جزءٍ كي يتمكَّنوا لاحقاً من إخفاء كلِّ الباقي، والسير بـِ“إبستين” آخر.

إزاء هذه القضيّةِ، ينبري كثيرونَ إلى التركيز على اليهود [إبستين يهودي] في تكوين مثلِ هذه الشبكاتِ الإبستينيَّة استناداً إلى ملاحظةِ أنَّ كثيرينَ من مؤسسيها وأعضائِها هم يهود. وإذا كُنَّا لا ننكرُ ذلك، فإنَنّا في الوقتِ نفسِهِ يجبُ أن نشيرَ إلى أنَّ اليهوديَّةَ ليستْ ديناً بقدرِ ما هي منهجٌ وسلوك [هالاخا بالعبريَّة].الصهيونيَّة ُحوَّلتْها إلى ديـنٍ وقـوميَـّةٍ، [يرفض هذا التحويل المؤرِّخ اليهودي المعاصر [شلومو ساند] وصنعتْ لها مرجعيَّاتٍ سلوكيَّة ًوانتهازيةً وعنصريّةً واستغلاليَّةً مستمَدَّةً من التلمود وكتاب زوهار وأفكار القبالا. وربَّما جعلتْ من أتباعِها أوَّلَ كتلةٍ ماليةٍ في التاريخ تُبيحُ لنفسِها كلَّ شيءٍ من أجلِ الثروةِ والسلطةِ وحكم ِالعالم. ومن الضروري سياسياً وعلميَّاً في هذا السياقِ عدمُ التركيزِ على العنصرِ اليهودي فحسبُ، وإنْ يكن ذلك مأخوذاً في الحُسبانِ، لأنَّ ذلك يُعْفي الرأسماليَّةَ منَ المسؤوليَّةَ، ويقدِّمُ غِطاءً مُغلَّفاً بقناع ِالدينِ لمُمارساتٍ نفَّذَها الرأسماليُّون الاستعماريُّونَ ولم يكونوا يهوداً. [نموذج الاستعمار القديم والحديث بكلِ فئاته].

إقرأ على موقع 180  "المشروع الإسلاميّ" VS "المشروع القوميّ".. تعميق الحوار والمساحات المشتركة؟

أمام هذه الوقائع، يتضحُ بعدٌ آخر في قضيّةِ إبستين. وهو البُعدُ القيميُّ والقانوني، فالغربُ لم يُصَبْ بمثلِ هذا الانكشافِ على هذا المستوى مثلما أصيبَ به بعد هذه القضيّة. لقد ظهِرَ كذِبُ الادَّعاءِ باحترامِ حقوق الإنسان والقانون وتبيَّنَ أنَّ معظمَ المنظومةِ القيميَّةِ سقطتْ في جرائم استغلال المرأة والطفل، واهتزَّتْ ثقةُ المواطنِ الغربي بالسلطاتِ والقضاء، وستؤدِّي قضيةُ إبستين إلى ظهور تيَّارات فكرية جديدة ناقدة للرأسماليّة ولـِ“التفاهاتِ” التي تصنعُها على حدِّ تعبير المفكِّر الكندي “آلان دونو”.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  يا شباب لبنان العظيم.. حضّروا حقائب السفر!