السلطة Archives - 180Post

800-31.jpg

ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.

DEBFFE4F-01FA-4E2F-977B-A86B6F294854.jpeg

في زمنٍ تتقدّم فيه الصورة على الفكرة، يظهر نمطٌ قياديّ يشتغل على الحضور بوصفه مركز السلطة، ويحوّل السياسة إلى مشهدٍ دائم التوهّج. هذا السياسي الاستعراضي ينسج تأثيره من القدرة على لفت الانتباه، من صناعة لحظةٍ صادمة تعيد ترتيب النقاش العام حوله. هنا تتشكّل شخصية تجمع عقلًا يحسب مسارات القوة ومهرّجًا يتقن إثارة الدهشة، فيتماهى القرار مع العرض، وتتحوّل اللغة إلى أداة اقتحامٍ نفسيّ قبل أن تكون وسيلة إقناع.

gettyimages-1197838863-1024x1024-1.jpg

يقرأ ميشيل فوكو الحرب بوصفها امتدادًا لشبكات القوة التي تنسج ذاتها داخل الخطاب والمؤسسات، حيث تتحوّل المواجهة إلى تقنية لإعادة توزيع السلطة أكثر من كونها حدثًا عسكريًا صرفًا. ضمن هذا المنظور، تتبدّى الحروب الكبرى كآليات إنتاج للواقع السياسي، تُعيد ترتيب العلاقات بين المعرفة والقوة، وتكشف البنية العميقة التي تتحرّك ضمنها الدول وهي تسعى إلى تثبيت حضورها.

750-5.jpg

يتقصّى هذا المقال أزمة المثقف العربي كفقدان القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل مؤثر، وانهيار الوساطة بين الفكر والمجتمع. ليست الأزمة مجرد قمع سياسي أو تبعية اقتصادية، بل تآكل معنى الفعل ذاته: كيف يتحول النقد إلى خطاب رمزي بلا أثر، والوعي إلى تأمل عقيم، والمثقف العضوي إلى امتثال صامت أو انكفاء.

Dont_Talk.jpg

مثلـَّثُ الجنسِ والسلطةِ والمالِ، ومربَّعُ الاستغلالِ والاحتكارِ والجريمةِ المنظَّمةِ وِالابتزازِ الخفيِّ، هما العنوانُ الأسودُ لملفِّ جيفري إبستين. يحمِلُ هذا العُنوانُ اسماً شخصيَّاً، لكنَّهُ ليسَ قضيَّةً شخصيَّةً. وهو أبعدُ ما يكونُ عن ذلك. إنَّهُ منظومةٌ شديدةُ الترابُط عابرةٌ للدولِ. تحرَّكتْ في الخفاءِ سنواتٍ طويلةً. وكان يمكنُ أنْ تبقى أسيرةَ المغاورِ المظلمةِ لولا أنَّ محرِّكيها قرَّرُوا أن يكشِفوا بعضَها لينتقِلوا به من ساحةِ الإعدادِ المتراكمِ إلى ساحةِ الابتزازِ السياسيِّ الموقوتِ على ساعةٍ إستراتيجيَّةٍ دقيقةٍ في الصراعِ الدائرِ عالميَّاً حيثُ عقليَّةُ افتعالِ الحروبِ من أجلِ حمايةِ الطغمةِ الرأسماليَّةِ بقيادةِ الولاياتِ المتحدة.

799.png

لا تُقاس الصراعات الكبرى دائمًا بميزان القوة العسكرية أو باتساع رقعة الاشتباك أو بعدد الضحايا وحجم الدمار، بل بطبيعة العلاقة التي تربط أطرافها قبل لحظة الانفجار. فغالبًا ما تكون النزاعات الأخطر تلك التي تنشب بين أبناء المسار الواحد. عندها، لا يعود الصراع مواجهةً بين مشروعين متعارضين، بل يتحوّل إلى نزاع على تعريف الأصل ذاته، وعلى من يمتلك حق تمثيله واحتكاره.

800-34.jpg

تتقدّم الأمم عبر مسارات تتشابك فيها السلطة مع الذاكرة، والقوة مع الأخلاق، والهوية مع الرغبة في صياغة مستقبل له معنى ووزن. وفي هذا التشابك تولد لحظة تفيض فيها حقيقة كبرى كانت أمام العيون، ثم ترتفع فجأة كقنبلة ضوئية تكشف ما غاب عن الإدراك. هذه اللحظة تُسمّى «البقعة العمياء»، مساحة تتراكم داخل الذات حتى تفرض كشفًا يحرّك الأسئلة ويعيد توزيع الوعي على خارطة جديدة.

800-29.jpg

منذ تأسيسه في العام 1982، شكّل حزب الله حالة مركّبة بين المحلي والإقليمي؛ فهو مشروع مقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه مكوّن عقائدي متصل بالمرجعية الإيرانية وولاية الفقيه. هذا الوتر المشدود بين الوطنية والعقائدية العابرة للحدود ظل قائمًا طوال العقود الماضية.. الآن جاء وقت الإمتحان، فماذا سيختار حزب الله؟

700.jpg

في المجتمعات الحديثة، يُفْتَرَض أنّ التعليم والشهادات العليا تمنح الفرد القدرة على الاختيار ورفع مستوى وعيه. إلا أنّ الواقع يكشف المفارقة الآتية: كثيرٌ من المتعلّمين يواصلون الخضوع للنّفوذ الرمزيّ، الانقياد للجماعات القويّة، أو حتى للميليشيات المحلّية، بينما ينجح آخرون في الخروج عن هذه السيطرة وممارسة استقلاليةٍ حقيقيّة. هذه الظاهرة تثير تساؤلاتٍ أنثروبولوجيةً عميقةً حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، بين التعليم والحريّة، وبين الفرد والمجتمع. فهل يكفي التراكم المعرفيّ وحده ليحمي العقل من الوقوع تحت سلطة الرّموز والأنماط الاجتماعية؟ أم أن هناك عوامل خفية تتحكّم في الانقياد، حتى بين المتعلّمين الأعلى تأهيلاً؟

750-7.jpg

العلاقة بين القانون والأخلاق هي واحدةٌ من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفكر الإنساني. من ناحية، يُنظَر إلى القانون على أنه الحارس الأمين للقيم الأخلاقية. ومن ناحيةٍ أخرى، قد يتحوّل القانون إلى أداةٍ قمعيةٍ تفرض قيمًا معينةً وتكمّم الأفواه بحجة الحفاظ على الأخلاق. إنّ فهم هذه الحدود الفاصلة ليس مجرّد تمرينٍ أكاديميّ، بل ضرورةٌ حيويةٌ حتى يخدم القانون العدالة والحرية، لا أن يصبح غطاءً للاستبداد.