“شرق أوسط ما بعد أميركا”.. النهوض أم التدمير؟ (2)

تخرج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وتتركه ساحة صراعات وفوضى ومخاطر. يبقى السؤال: هل الشرق الأوسط قادر على النهوض؟ يحاول ستيفن أ. كوك، أحد باحثي دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية في مقالته في "فورين أفيرز" المعنونة الإجابة على هذا السؤال في الجزء الثاني والأخير من هذه الدراسة.

على الرغم من تضاؤلها، لا تزال الجماعات الجهادية مثل “القاعدة” و”داعش” تشكل تهديدًا خطيرًا. وغالبًا ما يجادل أولئك الذين يدافعون عن شكل ما من أشكال الانسحاب بأن تقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط قد يخفف من هذا الخطر. ومع ذلك ، فإنه من قبيل التمني الاعتقاد بأن الإرهاب الجهادي سوف يتلاشى بعد رحيل آخر جندي أميركي عن المنطقة، فالأيديولوجيات التي تدفع التطرف راسخة بقوة في المنطقة، وتدعو إلى العنف ضد الكُفار بغض النظر عما إذا كانوا يحتلون أي أرض معينة (كان يمكن لكوك أن يدعو الإدارة الأميركية التوقف عن دعم جماعات الإرهاب السياسي بدل لوم الإيديولوجيات – الإسلام السياسي-  في أروقة النُخب). ولمكافحة هذا التهديد المستمر، فإن ما تحتاجه واشنطن ليس “حربًا على الإرهاب” مبنية على رؤى تغيير النظام، وتعزيز الديمقراطية، و”كسب القلوب والعقول”، بل نهجًا واقعيًا يركز على جمع المعلومات الاستخبارية، والعمل الشرطي، والتعاون متعدد الأطراف والتطبيق اللازم للقوة عند الاقتضاء.

وبغض النظر عن الخطاب الحماسي لإدارة دونالد ترامب (“أميركا أولاً”) إلا أن الأخير قدم إستراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب يمكن إعتمادها كخريطة طريق جيدة إلى حد ما، فقد أستغنت إدارة ترامب عن الأمل الزائف في أن تتمكن واشنطن من إصلاح سياسات المنطقة بينما تضع نهجًا لمكافحة الإرهاب في آن. لذا أولًا يجب تقليص أحد طرفي المشكلة إلى مستوى يمكن التحكم مِن خلاله في سياسات المنطقة والقضاء على الإرهاب.

تنظيم الإنفاق العسكري

سيظل نفط الشرق الأوسط مهمًا للولايات المتحدة حتى في عصر التكسير الهيدروليكي، وذلك لوجود هدف آخر هو حماية الممرات البحرية التي تنتقل عبرها نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمي وهذه تتطلب بصمة عسكرية أصغر بكثير من تلك التي أنشأتها واشنطن في العقدين الماضيين. وتكفي مجموعة صغيرة من سفن البحرية الأميركية مع مجموعة من الطائرات المقاتلة المتمركزة في قواعد جوية في المنطقة أو على حاملة طائرات. لذا يرى كوك أن الإدارة المتمثلة في إعادة تنظيم الإنفاق العسكري للولايات المتحدة سيكون لها فائدة إضافية تتمثل في تقليل المخاطر المتمثلة في إغراء صانعي السياسة الأميركيين المستقبليين لمتابعة المشاريع التي لها علاقة ضئيلة، بحرية الملاحة، إن وجدت.

يرى كوك أنه حتى بدون المساعدة العسكرية لتل أبيب، ستبقى الشراكة الأميركية – الإسرائيلية قوية، وسيستفيد البلدان بشكل متبادل من التعاون المستمر في قطاعات الدفاع والأمن والتكنولوجيا

ربما يكون التغيير الأكبر في نهج واشنطن تجاه المنطقة هو علاقاتها مع إسرائيل. فيرى ستيفن أ. كوك بشكل حاسم أنه قد حان الوقت الذي لا تكن فيه الولايات المتحدة راعية لإسرائيل بعد الآن. ليس هذا لأن واشنطن يجب أن تعاقب إسرائيل على سلوكها في قطاع غزة والضفة الغربية، وجعل مسأل حل الدولتين شبه مستحيلة، بل لأن سياسة الولايات المتحدة التي سعت إلى ضمان الأمن والسيادة الإسرائيليين، قد نجحت وتم إنشاء كلا الأمرين الآن دون أدنى شك.

ويجب أن يحافظ القادة الأميركيون على علاقات مع إسرائيل قوية وآمنة، لكن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى تزويد إسرائيل بالمساعدات المجانية، لتحقيق هذه الغاية، ويجب أن تدرك باقي بلدان الشرق الأوسط أن المساعدة العسكرية الأميركية سيتم إلغاؤها على مدار العقد المقبل. وبسبب التحولات الديموغرافية والسياسية في الولايات المتحدة، من المرجح أن يتم إنهاء هذه المساعدات في المستقبل غير البعيد على أي حال، والاتفاق على التخلص التدريجي منها بطريقة مخططة ومتوقعة. ومن شأن هذا أن يعطي الإسرائيليين لفت نظر في كيفية تطور العلاقات الثنائية وتجنب سيناريو بديل تصبح فيه المساعدة الأميركية مشروطة – وهو شكل من أشكال تعديل السلوك. عمومًا يرى كوك أنه حتى بدون المساعدة العسكرية لتل أبيب، ستبقى الشراكة الأميركية – الإسرائيلية قوية، وسيستفيد البلدان بشكل متبادل من التعاون المستمر في قطاعات الدفاع والأمن والتكنولوجيا.

تكاليف التقاعس

هذا ما تبدو عليه سياسة الولايات المتحدة الواقعية في الشرق الأوسط: احتواء إيران، وإعادة تجهيز الحرب ضد الإرهاب لتقليل آثاره الجانبية العكسية، وإعادة تنظيم الانتشار العسكري للتأكيد على حماية الممرات البحرية، وتقليص حجم العلاقة الأميركية الإسرائيلية لتعكس نسبيًا قوة إسرائيل. ومن شأن مثل هذا النهج أن يترك الطموحات الكبرى التي سعى الأميركيون وراءها دون تحقيق: نشر الديمقراطية، والإطاحة بالثيوقراطية الإيرانية، وحل الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني. لكنها ستتجنب أيضًا الكوارث التي ستنجم عن مغادرة الولايات المتحدة. ولمعرفة الشكل الذي قد تبدو عليه المنطقة في هذا السيناريو، يحتاج المرء فقط إلى إلقاء نظرة على الحلقات الأخيرة التي ساهم فيها تقاعس الولايات المتحدة في نتائج كارثية.

خذ، على سبيل المثال، التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن، والذي بدأ في آذار/مارس 2015. كانت تكاليف هذه المجازفة باهظة، خاصة بالنسبة للمدنيين اليمنيين: لقد أصيب عدد لا يحصى من الجرحى، ومات حوالي 13500، وفقًا لبعض التقديرات. الكثير منها بسبب تفشي وباء الكوليرا الذي أصبح ممكناً بسبب الدمار الشديد الذي تسبب فيه القصف السعودي. وأدت الحرب أيضًا إلى زعزعة استقرار شبه الجزيرة العربية، ما جعل من الصعب على واشنطن مواجهة التطرف وحماية التدفق الحر للطاقة. لم يتم تحديد أي من هذه النتائج مسبقًا، وكان من الممكن تخفيف أو تجنب بعضها تمامًا لو لم تبد الولايات المتحدة رغبتها في مغادرة الشرق الأوسط.

سيكون من الخطأ مغادرة العراق الآن. كان غزو عام 2003 خطأً استراتيجياً فادحاً، لكن الأمر نفسه سيحدث عند ترك العراقيين في حالة نهب للإرهابيين والنظام المجاور

وقام السعوديون بالتدخل بعد الإجراءات الأميركية التي تشير إلى حدوث تراجع في مواجهة أزمة في المنطقة. أولاً، شاهدوا انسحاب الولايات المتحدة من العراق، ممهدين الطريق لإيران لتصبح القوة المهيمنة في السياسة العراقية. وسمح لنظام الأسد في سوريا بسحق انتفاضة واسعة النطاق بمساعدة طهران وموسكو؛ وتفاوضوا على اتفاق نووي مع إيران. كان هذا مقلقًا للغاية للسعوديين، وغذى مخاوفهم من أن يتركوا تحت رحمة النظام الإيراني ودفعه نحو الهيمنة الإقليمية. ومن ثم، في عام 2014، أطاحت جماعة تُدعى أنصار الله (المعروفة باسم الحوثيين) بالحكومة اليمنية في صنعاء. شعر السعوديون – في مواجهة ما اعتبروه أنه دعم طهران للحوثيين واللامبالاة الأميركية تجاه القوة الإيرانية المتنامية – بأنهم مضطرون لخوض الحرب.

ازدادت مخاوف السعوديين من عدم قدرتهم على الاعتماد على حماتهم الأميركيين بعدما رفضت إدارة ترامب الرد بقوة على سلسلة من الاستفزازات الإيرانية في صيف عام 2019، بما في ذلك الهجوم على منشآت النفط السعودية. إذا شعرت الرياض أن واشنطن قد تخلت عنها حقًا، فقد تتخذ إجراءات لحماية نفسها كانت تبدو ذات يوم غير واردة ، بما في ذلك تطوير أسلحة نووية. إذا كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان متهورًا ومتعجرفًا كما يُعتقد على نطاق واسع، فقد يقرر أن ترسانة نووية فقط هي التي يمكن أن توفر للمملكة العربية السعودية الأمن الذي تحتاجه ومجالًا للمناورة تتوق إليه في صراعها مع إيران. وإذا سلك السعوديون هذا الطريق، فستكون النتائج كارثية.

مكان آخر، العراق، قد يضر فيه خروج الولايات المتحدة أكثر مما ينفع – على الرغم من أن دعاة الانسحاب يعتبرون أن العراق الخطيئة الأصلية لسياسة واشنطن المعيبة في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، وبالتالي فهو أحد الأماكن الأولى في المنطقة التي يجب على الولايات المتحدة الانسحاب منها. لكن، اليوم، العراق في حالة انهيار كامل ومثقل بطبقات من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة. بالإضافة إلى أن المؤسسات والطبقة السياسية في البلاد فاسدة تمامًا. ومع ذلك، سيكون من الخطأ مغادرة العراق الآن. كان غزو عام 2003 خطأً استراتيجياً فادحاً، لكن الأمر نفسه سيحدث عند ترك العراقيين في حالة نهب للإرهابيين والنظام المجاور.

وهذه ليست وجهة نظر كوك فقط، فقد حذر زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي السناتور ميتش ماكونيل الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب من سرعة انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان أو العراق، معتبراً أن من شأن ذلك أن يهدي الحركات الإٍسلامية المتطرفة “نصراً دعائياً عظيماً”. وقال ماكونيل في خطاب في مجلس الشيوخ إن “عواقب انسحاب أمريكي سابق لأوانه قد تكون أسوأ حتّى من انسحاب أوباما من العراق في 2011، والذي أدّى إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية”، وأضاف أنّ مثل هكذا انسحاب سيمثّل “تخلّياً” من جانب الولايات المتّحدة عن حلفائها وسيفسح المجال أمام حركة طالبان لبسط نفوذها في أفغانستان وسيتيح لتنظيمي “الدولة الإسلامية” و”القاعدة” بإعادة تجميع صفوفهما في العراق.

تحاول الولايات المتحدة مرة أخرى النظر لما يهمها أيضًا في المنطقة ولكن بتكاليف أقل وبسهولة أكبر، وبدون إعطاء أي مقابل. لقد تعثرت واشنطن في الشرق الأوسط وأسقطته معها، الآن تحاول النهوض والمغادرة، ويبقى السؤال: هل قادر الشرق الأوسط على النهوض

وتقدم مهام مكافحة الإرهاب الأميركية في العراق وسيلة غير مكلفة نسبيًا لمساعدة العراقيين على إبقاء داعش والمتطرفين الآخرين تحت ضغط، وفي هذه العملية، محاولة للمساهمة في تطوير المؤسسات العسكرية والأمنية التي يمكن أن تعزز استقلال العراق. ربما لن يتحرر العراق أبدًا من النفوذ الإيراني، لكن لا داعي لأن يُترك ضعيفًا بحيث يمكن لطهران الاستمرار في استخدام البلاد لتعزيز مصالحها الإقليمية المزعزعة للإستقرار العربي. وبالنسبة إلى دعاة الانسحاب، سيبدو هذا وكأنه منحدر زلق لمهمة لا نهاية لها في العراق. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن إعلان النصر والعودة إلى الوطن يمكن أن يكون له عواقب وخيمة وسلبية على العراق والمنطقة. فقط ضع في اعتبارك ما حدث في المرة الأخيرة التي قررت فيها واشنطن القيام بذلك، في العام 2011: كانت إحدى النتائج ظهور “داعش”، الذي جر الولايات المتحدة في النهاية إلى العراق على أي حال.

المنطقة الأخيرة، والأقل شهرة، التي قد يؤدي فيها انسحاب الولايات المتحدة منها إلى جعل الأمور أسوأ، هي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث التوترات حول وضع قبرص، والحدود البحرية، والوصول إلى حقول الغاز الطبيعي، تثير صراعات بين مجموعة من البلدان، بينها العديد من حلفاء الناتو والعديد من الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة ضد بعضهم البعض. ولم تخلق هذه النزاعات المعقدة والمتعلقة فقط وضعا خطيرا في البحر، ولكنها تهدد بتفاقم الوضع الكئيب بالفعل في ليبيا المجاورة، حيث لا تزال الحرب الأهلية مستعرة واستقطبت عددًا من البلدان، بما في ذلك مصر وتركيا حيث كادت أن تتفجر مواجهة عسكرية بينهما في الأشهر الأخيرة. وكانت الولايات المتحدة غائبة بشكل واضح عن المشهد باستثناء عدد من عمليات الانتشار البحرية ذات التوقيت المناسب خلال الصيف، والتي بدت وكأنها تهدئة لحظية للتوترات.

ما هي المشكلة الحقيقية؟

ستكون نعمة على ساكني الشرق إذا تمكنت الولايات المتحدة ببساطة من إنهاء “حروبها التي لا نهاية لها” والابتعاد عنا. لكن القيام بذلك لن يكون سهلًا على المستويين الشرق أوسطي والأميركي، حيث ستكون هناك فوائد من مغادرة المنطقة، لكن هناك إحتمالات أن تكون تكاليف الدمار مع هذا الإنسحاب كبيرة تفوق لحظة السلام النسبي من إختفاء الزي العسكري الأميركي، فهل العرب مستعدون لذلك؟ هل هم مستعدون لدفع تكلفة التحرر والسيادة؟ هل لديهم مشروع دفاع مشترك؟ وغيرها من مئات الأسئلة التي نشير لها مِن خلال مقالة ستيفن أ. كوك، أحد باحثي دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية في مقالته على “فورين أفيرز” المعنونة بـ”لا يوجد مخرج – لماذا لا يزال الشرق الأوسط مهمًا لأميركا”؟

فقدت واشنطن رؤية ما يهم حقًا في المنطقة، بعدما كان العقدان الأولان من هذا القرن حقبة المتاح الأميركي في كل شيء وأي شيء تقريبًا، فمصالح الشرق الأوسط كانت تأتي لاحقًا، والآن تحاول الولايات المتحدة مرة أخرى النظر لما يهمها أيضًا في المنطقة ولكن بتكاليف أقل وبسهولة أكبر، وبدون إعطاء أي مقابل. لقد تعثرت واشنطن في الشرق الأوسط وأسقطته معها، الآن تحاول النهوض والمغادرة، ويبقى السؤال: هل الشرق الأوسط قادر على النهوض؟

(*) راجع الجزء الأول من هذه المقالة ـ الدراسة بعنوان “شرق أوسط ما بعد أميركا”.. إحتواء إيران

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free