اتفاق سوتشي يحفظ ماء وجه اردوغان ويكرّس الدور الروسي

مع اعلان الرئيسين الروسي و التركي عن توصلهما الى إتفاق تاريخي حول سوريا بعد قمة جمعتهما في مدينة سوتشي الروسية، تتجه الأنظار الى آليات تنفيذ مذكرة التفاهم التي تم التوصل اليها.

يهوى فلاديمير بوتين لعبة الرسائل المبطّنة. هذا ما فعله بالأمس مع رجب طيب اردوغان، حين توجّه إليه، حين استقبله في مدينة سوتشي بالقول: “أيّ طقس رائع هيأناه خصيصاً لكم!”، ليرد ضيفه عليه قائلاً” نعم، طقس رائع”. لا يمكن مقارنة “روعة” طقس سوتشي المشمس والدافئ بـ”روعة” الطقس السياسي الذي هيأه الرئيس الروسي لنظيره التركي، الذي سيكون باستطاعته إعلان نجاحه في شمال سوريا، بتسوية تحفظ ماء وجهه. المهمة لم تكن بالسهلة.

عشية الاجتماع بين الرئيسين الروسي والتركي، قال السكرتير الصحافي للكرملين ديمتري بيسكوف إن موسكو تتوقع محادثات “معقدة وطويلة”. إتضح أن توقعات الممثل الرسمي للكرملين كانت صحيحة؛ فقد إستمرت المفاوضات الروسية التركية لأكثر من ست ساعات. بطبيعة الحال، فإن علاقة الثقة التي تطوّرت بين رئيسي روسيا وتركيا في السنوات الأخيرة سمحت للرجلين بمناقشة أكثر القضايا إلحاحاً على جدول الأعمال الدولي، وإيجاد أرضية مشتركة. على هذا الأساس، خرج اجتماع سوتشي بمذكرة تفاهم، بات معها كل شيء في الشمال السوري محسوب بتوقيت ساعة برج سباسكايا في الساحة الموسكوفية الحمراء: نحو سبع ساعات تفاوض توّجت بتوقيع مذكرة تفاهم بين بوتين واردوغان، 150 ساعة تنفيذ، وساعة و30 دقيقة حددها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو للأميركيين لتنفيذ التزاماتهم المعلنة في سوريا بموجب الاتفاق الأخير بين أنقرة وواشنطن.

إجراءات ميدانية

 الإعلان عن المذكرة الروسية – التركية، أذّن لبدء العمل على خطة ميدانية سيتم من خلالها تنسيق دوريات للشرطة العسكرية الروسية عند الحدود السورية التركية، وهو إجراء يُفترض أن يؤدي إلى انسحاب المقاتلين الأكراد من منطقة عمليات “نبع السلام”، وبالتالي وضع حدّ للعملية العسكرية التركية. في المؤتمر الصحافي الختامي، الذي بدأ عند الساعة 18:50 بدلاً من الساعة 15:30، كما كان مقرراً، أشاد فلاديمير بوتين بنتيجة المحادثات، قائلاً إن القرارات التي إتخذت “مهمة للغاية، إن لم تكن مصيرية”. الرئيس الروسي شدد على أن الوضع على الأرض في سوريا يجب ألا يعوق بدء عمل اللجنة الدستورية، التي من المقرر أن تبدأ في الأسبوع المقبل، مؤكداً على ضرورة إنهاء كل أشكال الوجود الأجنبي غير القانوني في سوريا.

وعلاوة على ما سبق، شدد فلاديمير بوتين على أن مشكلة الشمال السوري، حيث تجري العملية التركية، لا يمكن حلها من دون حوار يتسم بالاحترام المتبادل بين دمشق وأنقرة. أردوغان، بدوره، وبرغم التوتر الذي بدا على وجهه قبيل الاجتماع، والذي دفع بوتين إلى محاولة ترطيب الأجواء بمزحة “الطقس”، طمأن إلى أن تركيا لا تحتاج إلى أراض أجنبية، مشدداً على أن أنقرة تشارك نهج موسكو في السلامة الإقليمية لسوريا.

تشير وثيقة التفاهم الروسي – التركي إلى منطقة أمنية بين مدينتي تل الأبيض ورأس العين على الحدود السورية، في موازاة سحب الوحدات الكردية التي تسيطر على المناطق الشمالية من سوريا إلى بعد 32 كم من الحدود. وبحسب الاتفاق، فإنه ابتداءاً من الساعة 12:00 من يوم 23 تشرين الأول، سيتم نشر الشرطة العسكرية الروسية والقوات السورية في الشمال السوري، ولكن خارج منطقة العمليات التركية. الهدف من هذه الخطوة هو تسهيل إنسحاب القوات الكردية، خلال مهلة 150 ساعة إلى العمق السوري، أي أنّ هذه المرحلة يفترض أن تنتهي عند الساعة 18:00 من يوم 29 تشرين الأول.

تبدو المؤشرات الايجابية من ناحية الأكراد تجاه الاتفاق الروسي – التركي حتى الآن، خصوصاً أن خياراتهم باتت محدودة بعدما تلقوا طعنة اميركية

وعلى وجه الخصوص، سيتم سحب المقاتلين الأكراد من مدينتين رئيسيتين في محافظة حلب: تل رفعت ومنبج. وبعد ذلك، ستظهر دوريات روسية تركية في الأراضي السورية إلى الغرب والشرق من منطقة العمليات التركية، حيث ستقوم بمراقبة المناطق على عمق 10 كيلومترات من الحدود السورية – التركية. الاستثناء الوحيد هو القامشلي، التي لن تكون فيها دوريات روسية – تركية مشتركة، بإعتبار أن المدينة تخضع لسيطرة الجيش السوري. علاوة على ما سبق، توافقت روسيا وتركيا على إتخاذ الإجراءات اللازمة “لمنع تسلل العناصر الإرهابية”، إلى جانب تسهيل العودة الآمنة والطوعية للاجئين السوريين إلى وطنهم، على أن يتم إنشاء آلية مراقبة مشتركة لمراقبة وتنسيق الإجراءات الموضحة في المذكرة.

بعد المفاوضات، إتصل بوتين بالرئيس بشار الأسد وأبلغه بنتيجة الاجتماع مع أردوغان، مشدداً على أن “المهمة الرئيسية هي إستعادة السلامة الإقليمية لسوريا وحل النزاعات في الساحة السياسية”. بدوره، شكر الأسد بوتين، وأيد القرارات المتخذة، مؤكداً أن الجيش السوري مستعد للتعاون مع الشرطة العسكرية الروسية ، لبدء تسيير دوريات على الحدود.

العبرة في التنفيذ

مع ذلك، فإنّ العبرة تبقى في الساعات الـ 150 المحددة في الاتفاق، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حين قال إن كل شيء الآن سيعتمد على إنسحاب القوات الكردية من المنطقة الحدودية السورية – التركية.

إتفاق سوتشي يتيح لأردوغان القول إنه تمكن من حماية الأمن القومي التركي، أما مكاسب روسيا فتبدو أكبر بكثير

تبدو المؤشرات الايجابية من ناحية الأكراد تجاه الاتفاق الروسي – التركي حتى الآن، خصوصاً أن خياراتهم باتت محدودة، بعدما تلقوا طعنة في الظهر من الولايات المتحدة، بمنحها الضوء الأخضر لتركيا لإطلاق عمليتها العسكرية. هذا الواقع لخصه دميتري بيسكوف، في معرض تقييمه للاتفاق الروسي – التركي، بالقول إن “الولايات المتحدة كانت أقرب حليف للأكراد في الأعوام القليلة الماضية،  لكنها في نهاية الأمر تخلت عن الأكراد وغدرت بهم في الأساس، والآن يفضلون (الأميركيون) ترك الأكراد على الحدود بل وإجبارهم تقريباً على الاشتباك مع الأتراك”. وشدد بيسكوف على أن الأكراد إذا لم ينسحبوا بموجب الاتفاق الروسي التركي فإن الجيش السوري والشرطة العسكرية الروسية سيضطران إلى الانسحاب تاركين الأكراد في مواجهة الجيش التركي.

ولكن ثمة محاذير تفصيلية قد تؤدي إلى تعثر خريطة طريق إتفاق سوتشي، وتتصل بضرورة منح الأكراد بعض الضمانات التي يصرون عليها، برغم إدراكهم أن هامش المناورة لم يعد كبيراً لديهم. بعض من هذه المحاذير تحدث عنها السياسي الكردي ريزان حدو، في حديث إلى وكالة “سبوتنيك” الروسية، حين أكد “إننا كسوريين بشكل عام و ككرد بشكل خاص نثق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين و لكننا لا نثق أبداً بالرئيس التركي”. وأكد السياسي الكردي ترحيب الاكراد بالاتفاق “بشرط أن تتبعه خطوات أخرى و أهمهما إنتشار الجيش السوري على كامل الجغرافية السورية من شمال اللاذقية في أقصى شمال غرب سوريا مروراً بعفرين وصولاً إلى القامشلي أقصى شمال شرق سورية”، لافتاً إلى أن “السوريين لن يعودوا إلى أية منطقة حتى مع وجود دوريات عسكرية روسية تركية إن لم يكن هناك وجود لمؤسسات الدولة السورية وأهمهما مؤسسة الجيش السوري”.

علاوة على ما سبق ثمة حاجة إلى تطمينات تريح السكان في المناطق الكردية، حول قضايا محددة رصدتها صحيفة “كومرسانت” ومن بينها تحديد مصير الجماعات المسلحة الكردية، ومصير الناشطين الأكراد المعارضين للنظام، والشباب الكردي في سن الخدمة الإلزامية.

مكاسب تركية وروسية

يستطيع رجب طيب أردوغان أن يستثمر تفاهمات سوتشي بتحويلها إلى إنتصار. ومع أنه لم يتكمن من تحقيق الأهداف المعلنة في عملية “نبع السلام”، وعنوانها العريض إقامة “منطقة آمنة” على طول الحدود مع سوريا، إلا أن إتفاق سوتشي يتيح لأردوغان القول إنه تمكن من حماية الأمن القومي التركي، فبالإضافة إلى الأراضي التي تم إحتلالها مؤخراً، سيكون بمقدور الجيش التركي السيطرة على مناطق أخرى على طول الحدود التي إحتلت خلال العمليتين السابقتين.

وبحسب ما قال ليونيد إساييف، المحاضر في قسم العلوم السياسية، في حديث إلى نشرة “أر بي كا” الروسية، فإنّ “الاتفاقات التي تم التوصل إليها ستسمح لأردوغان بإعلان نجاحه في تركيا وإنقاذ ماء وجهه”. وأشار إساييف إلى “تنفيذ الأحكام المتعلقة بالدوريات المشتركة مع تركيا في شمال سوريا سيكون أسهل من الاتفاقيات المماثلة في محافظة إدلب السورية”.

من جهته، رأى سونر كاجابتاي، مدير البرنامج التركي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في تغريدة على تويتر أن “نتائج إجتماع بوتين وأردوغان في سوتشي تشير إلى أن أردوغان حقق أكبر المكاسب لأنقرة من خلال براعته في تأليب الولايات المتحدة وروسيا على بعضهما”، لافتاً إلى أن “تركيا حصلت على المنطقة الآمنة التي كانت ترغب فيها طوال الوقت”.

أما مكاسب روسيا فتبدو أكبر بكثير، لا سيما انها بدأت تقطف ثمار العملية العسكرية التركية منذ اللحظة الأولى لإنطلاقتها، سواء في ما يتصل بإنسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشمال السوري، أو في رعايتها المفاوضات بين الأكراد والحكومة السورية. وفي هذا الإطار، إعتبر رئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسية للشؤون الدولية اندريه كليموف، في مقابلة مع صحيفة “إزفستيا”، إن بإمكان روسيا في الوقت الحالي يمكن أن تصبح وسيطاً في العلاقات بين أنقرة ودمشق. في رأيه، بعد الانسحاب الكامل للقوات المسلحة الأمريكية من سوريا، موضحاً أن “الجانب الروسي قد يدفع الرئيس التركي نحو الحوار مع سوريا وإستئناف إتفاقية أضنة للعام 1998″، لا سيما أن موسكو قادرة حالياً على تقديم ضمانات ملموسة بأن التشكيلات الكردية لن تشكل تهديداً لتركيا.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free