لبنان بخطر.. وجيشه ليس بديلاً عن ضائع سياسي

سؤال السلم الأهلي يقض مضاجع اللبنانيين. السيرة ذاتها منذ خمسين عاماً. ثمة قوى متجذرة في النظام. طوائف. مصارف. مصالح. كلما إستشعرت الخطر، كلما صارت شرارات الحرب تلفح وجوه اللبنانيين.

لا أحد يستطيع أن يضحك على اللبنانيين في هذه اللحظات التاريخية. كل التقارير تشي بخطورة الموقف في لبنان. إذا لم نتمكن من صياغة مخارج “فنحن ذاهبون حتماً نحو المزيد من الخراب”.

لم يكن الشهيد فواز فؤاد السمّان ينتظر إذناً من أحد للنزول إلى الشارع، ولن ينتظر مثله كثيرون. لكن كالعادة، لن يكون مفاجئاً أن تختلط أوجاع الناس، لا سيما الفقراء والمعدمين والجائعين، بحسابات “الدول اللبنانية العميقة”، بدليل أن يقدّم كل رموز السلطة في لحظة 17 تشرين الأول/أكتوبر، أوراق إعتمادهم، اليوم، إلى الحراك المتجدد!

عندما أطلت مشاهد العنف من مدينة صيدا، كانت المؤسسات العسكرية والأمنية تنتظر أن تكون تتمتها شمالية. هذا ما حصل. تداخل وجع الناس مع فوضى غير مسبوقة في عاصمة لبنان الثانية. شهدت طرابلس، على مدى عقود من الزمن، مئات الجولات القتالية في أحيائها الفقيرة، لكن أياً منها لا يشبه هذه “الجولة”. مجموعات مكشوفة الوجوه تتحرك في الشوارع. تختار أهدافها. تحرق. تدمر. تنتقل من شارع إلى آخر. هي الفوضى نعم، لكن هل هي عشوائية أم منظمة أم الإثنين معاً؟

كل المؤسسات العسكرية والأمنية أبلغت السلطة السياسية أن لا تكون أسيرة الأوهام. هناك حدود لإستخدام القوة. لن نعطي “شيكاً على بياض لأي مسؤول في الدولة”. كانت وظيفة هذه الرسالة تذكير كل من في السلطة اليوم بأن الحل سياسي ـ إقتصادي ـ مالي أولاً، أما البحث عن حل أمني “فلم يكن ولن يكون موجوداً في كل القاموس اللبناني”. قررت المؤسسات العسكرية والأمنية التعامل مع كل حالة على حدة. لا إنكفاء أمنياً، على طريقة مصرف لبنان، قبل أن يتدخل متأخرا في الأسواق، في الأيام الأخيرة، في إطار صياغة تتكامل فيها الإجراءات النقدية للمصرف المركزي مع الإجراءات الأمنية للمؤسسات الأمنية ضد الصرافين المخالفين، وهي صياغة، تولاها المدير العام للأمن العام، في إطار السعي للجم إنفلات سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء. وفي الوقت نفسه، لا إندفاع عشوائياً أو وفق أهواء السلطة السياسية في مواجهة الشارع. كان قائد الجيش حاسماً: ليست وظيفتي قمع كل حركة إحتجاج في الشارع. نتعامل مع كل حالة وفق ظروفها وحجمها وحيثياتها.

أكثر من ذلك، تستشعر المؤسسات العسكرية والأمنية، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، كيف طارت سلسلة الرتب الرواتب في خضم حرب الدولار. من ينصف هذه المؤسسات وكيف تستطيع الوقوف على قدميها والقيام بمهامها في ظل إنهيار القيمة الشرائية لليرة اللبنانية؟

السياسة أولاً وأخيراً. لا أحد يريد لهذه المؤسسات أن تضعف أو أن تهون. بالعكس ثمة من يراهن على تحملها مسؤولياتها في هذه المرحلة التاريخية، من أجل منع إنزلاق لبنان نحو الفوضى.. وصولاً إلى المحظور.

طرحت أمام الأميركيين سيناريوهات متعددة. في إحدى جلسات النقاش في شباط/فبراير الماضي، في العاصمة الأميركية، إنبرى أحد اللبنانيين للقول إننا أمام الإحتمالات الآتية:

أولاً، أن تنزلق الأمور إلى الفوضى في الأسابيع المقبلة، فيبادر حزب الله إلى وضع يده على البلد كله، وهذا السيناريو غير واقعي لأنه ليس مطروحاً في حسابات حزب الله نهائياً ولا يمكن أن يقبل به عاقل، وبالتالي، من شأنه أن يشعل نيران الحرب الأهلية، ويستدرج البلد إلى العقوبات والحصار الدولي.

ثانياً، أن يقول الجيش للجميع “الأمر لي”، فلا يتساهل مع أحد حتى لو كان ثمن ذلك خوض مواجهة بالسلاح مع كل من تسول له نفسه الوقوف بوجهه في كل المناطق اللبنانية، بما في ذلك حزب الله. هذا السيناريو أيضا لا قيمة له في الواقع لأن قيادة الجيش تعتبر أن وضعها في حالة إشتباك مع أي مكون لبناني، بمعزل عن حجمه وقوته، غير موجود في حساباتها نهائياً، فكيف مع حزب الله؟ هذا خيار قد تكون نتائجه وخيمة ويسرّع في جعل لبنان أسير الإقتتال الأهلي المفتوح ويؤدي إلى إنقسام المؤسسات العسكرية والأمنية.

أن يحصل تواطؤ ضمني مثلث الأضلع بين المؤسسة العسكرية وحزب الله والأميركيين، فيتحمل الجيش مسؤولياته، بشراكة غير معلنة مع حزب الله، لضبط إيقاع المشهد اللبناني برمته، وبغطاء دولي، منعاً لإنزلاق لبنان نحو الفوضى، وهذا السيناريو دونه رفض الأميركيين أية شراكة مع حزب الله، لا من تحت الطاولة ولا من فوقها

ثالثاً، أن يحصل تواطؤ ضمني مثلث الأضلع بين المؤسسة العسكرية وحزب الله والأميركيين، فيتحمل الجيش مسؤولياته، بشراكة غير معلنة مع حزب الله، لضبط إيقاع المشهد اللبناني برمته، وبغطاء دولي، منعاً لإنزلاق لبنان نحو الفوضى، وهذا السيناريو دونه رفض الأميركيين أية شراكة مع حزب الله، لا من تحت الطاولة ولا من فوقها، بدليل أنه عندما قرر الجيش اللبناني مواجهة المجموعات التكفيرية في جرود عرسال، بشراكة غير مباشرة مع حزب الله، هدد الأميركيون، وقتذاك، بوقف المساعدات العسكرية للجيش، فجرت عندها هندسة الأدوار والجبهات. تولى الجيش اللبناني الحدود الشرقية من ناحية لبنان، فيما كان حزب الله شريك الجيش السوري في الهجوم على معقل المجموعات التكفيرية عبر حدود سوريا الغربية.

ما هو المخرج؟

حتى الآن، لا مخارج عسكرية أو أمنية. ثمة عقول سياسية إلغائية إقصائية معشعشة، في العديد من “الهضاب اللبنانية”، تريد إلغاء كل من يعترض طريقها إلى الرئاسة، وهذه معضلة مارونية كبيرة لا شفاء منها. ثمة عقول موازية تصرفت مع حسان دياب بصفته جسماً غريباً على بيئته ويجب إقتلاعه بأي ثمن. وكالعادة ينجو نبيه بري من مجرد فكرة المنافسة والإلغاء، طالما أن التطويب معقود له في إطار “الثنائية الشيعية” المحكمة، وهي ثنائية لم تحل دون تراشق الجمهورين، طيلة الأيام التي تلت جلسة الأونيسكو الشهيرة.

يقول أحد القلة من العاقلين في دائرة القرار إن لبنان يحتاج إلى دعم خارجي (قروض ميسرة بقيمة لا تقل عن 15 مليار دولار)، ولا بديل لنا إلا بالذهاب سريعاً إلى خيار صندوق النقد الدولي، ولكن هذا لا يكفي. علينا أن نقرر أحد أمرين:

إما إعطاء فرصة جديدة لحكومة حسان دياب محصنة بطاولة حوار وطني يدعو إليها رئيس الجمهورية. “على الجميع أن يقدموا تنازلات وأن يدفعوا أثمان الإنقاذ أما بالمال أو بالسياسة، وإلا سنكون حتما أمام خيار الفوضى الشاملة”؛

وإما فليتفق الجميع على حكومة إنقاذ وطني جديدة، تكون بمثابة مرحلة إنتقالية.

من دون أحد الخيارين الأول أو الثاني، لن تأتي قروض ومساعدات مالية خارجية للبنان. الأمر بيد الأميركيين، سياسياً. هم أبلغوا الجميع عددا من اللاءات، أبرزها حذار التشفي والإنتقام.. “وأية خطوة تأتي في سياق إصلاحي شامل ستحظى بتأييد دولي”. النقطة الثانية، ممنوع المس بالمتظاهرين ولكن الفوضى أيضاً ممنوعة. النقطة الثالثة تكرار النصيحة الأميركية بالذهاب إلى خيار صندوق النقد والتسريع بإقرار الخطة المالية والإقتصادية. بدوره، شدد الجانب الفرنسي على أولوية الخطة وتضمينها الإصلاحات وتحديداً في قطاع الكهرباء.

لا العودة إلى نمط التسويات القديمة يفيد ولا القفز فوق وقائع النظام القائم ودولته وربما دوله العميقة يفيد. نحن في خضم حالة صراعية بين قديم متجذر وقوي يجب أن يمضي بلا أسف ولكن من دون إستهانة بعناصر قوته، وهي مهمة ليست بالسهلة أبدا، وبين جديد لم يولد بعد وحبذا أن يأتي “على البارد” وليس “على الحامي” أو من خلال تلك العشوائية أو الإرتجالية، كالذي يحصل حالياً.

يكفي أن يقول اللاعبان الأساسيان أنهما ضد الفوضى. تحديدا حزب الله والولايات المتحدة. لكن ترجمة كل واحد منهما لنقيض الفوضى، تبدو متناقضة مع الآخر. من يستطيع أن يجد قواسم مشتركة بين الإثنين؟

عندما يتحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، يوم الجمعة المقبل، تطوي حكومة حسان دياب يومها الـ100. قيل عنها، في دوائر حزب الله، في يوم ولادتها، إنها حكومة إدارة الإنهيار الإقتصادي الذي وصلنا إليه. “قد تعيش ثلاثة أشهر أو ثلاث سنوات”. ما يحدد هو أسلوب إدارتها للأزمة. الأهداف صحيحة، لكن الأدوات كارثية!

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free