الاصطفاء الإلهي وتحريف المعنى: في جذور الفشل البنيوي للصهيونية

منذ ولادتها الحديثة في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، لم تُنشأ الصهيونية بوصفها حركة للتحرر أو مشروعًا للخلاص الإنساني، بل تشكّلت كأيديولوجيا سياسية مغلقة تقوم على الاستعلاء والإقصاء، وتحويل التاريخ إلى أداة لتبرير العنف والبطش. هذه الحركة ارتبطت منذ بدايتها بمفهوم مضلِّل عن "الاصطفاء الإلهي"، استُخدم لتبرير السيطرة بالقوة والإلغاء والتوسع، وجعل القوة المادية معيارًا للشرعية على حساب العدالة والقيم الإنسانية. هذا الانحراف في فهم الاصطفاء لم يكن مجرد خطأ عابر، بل كان مسارًا متأصلًا في بنيتها الفكرية والسياسية، ما جعل أي مشروع لإقامة دولة صهيونية معرضًا للفشل في بداياته.

في كل الديانات السماوية الكبرى، الاصطفاء لا يعني امتيازًا مطلقًا أو الحق في القهر، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الأرض والناس والمجتمع. فالقرآن الكريم يؤكد أن التميز الإلهي يرتبط بالعدل والرشاد: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) الأنعام: 83. فالآية توضّح أن الاصطفاء الحقيقي يقترن بالمسؤولية لا بالقوة، وأنه واجب على من اختاره الله أن يتحلى بالرشاد والمعرفة، وأن يمارس العدالة مع الآخرين. وبالمثل يحذر العهد القديم من تحريف معنى الاختيار الإلهي، كما جاء في سفر التثنية: (فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا هَذِهِ لِتَعْمَلُوا بِهَا وَتَحْفَظُوا وَتَفْعَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ) تثنية 5:32. الاصطفاء ليس ذريعة للبطش أو الاستعلاء، بل دعوة للعدالة والتقوى والمسؤولية تجاه الآخرين. تحريف هذا المعنى، كما فعلت الصهيونية الحديثة، حوّل الاختيار الإلهي إلى غطاء للقتل والإلغاء، وجعل القوة معيارًا للحق، والظلم وسيلة للبقاء، وهو ما أدى إلى هشاشة تاريخية وديموغرافية وسياسية عميقة.

نشأت الصهيونية الحديثة في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وسط حالة من التهميش والمعاداة لليهود، لكنها بدلًا من اختيار مسار للتعايش أو الإصلاح، صاغت مشروعًا سياسيًا قائمًا على الاستيطان والإحلال: (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). ركّز مفكرو الصهيونية، مثل تيودور هرتزل وآخرين، على تحويل الغربة التاريخية إلى مشروع دولة معسكرة، حيث يصبح العنف جزءًا من المنطق البنيوي لوجودها. القوة لم تكن مجرد وسيلة، بل غاية ومقياسًا للشرعية. ومن هنا بدأت الأزمات تتراكم منذ البداية؛ فكل محاولة لبناء دولة صهيونية اصطدمت بغياب العدالة والشرعية الأخلاقية، وبمقاومة السكان الأصليين الذين رفضوا الإلغاء والاستبداد.

وعلى مدار أكثر من قرن، لم تعرف الصهيونية الاستقرار الحقيقي. في غزة، يُحوَّل المدنيون إلى أرقام، والمدن إلى أهداف، والقتل اليومي إلى سياسة رسمية باسم الحق الإلهي. وفي الداخل الإسرائيلي تتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية؛ فالانقسامات الداخلية حادة، وفقدان الثقة بالمؤسسات مستمر، وشعور دائم بالتهديد يسود المجتمع. هذه الهشاشة ليست صدفة، بل نتيجة منطقية لعقيدة ترى في القوة معيارًا للحق، وفي البطش غاية وجودية. كل عمل عسكري أو سياسي يُنفذ باسم الاصطفاء الإلهي المزيف يضيف عاملًا جديدًا من عوامل التوتر والضعف البنيوي.

وهنا يبرز عنصر المسؤولية الفردية والجماعية بشكل واضح. كل جندي، كل سياسي، كل مفكر ساهم في تحويل الاصطفاء إلى ذريعة للبطش يتحمل جزءًا من هذا الفشل البنيوي. المسؤولية ليست مجرد نظرية، بل تجربة تاريخية ملموسة؛ فكل من اختار اتباع المنطق الاستعلائي، وكل من أغلق قلبه عن العدالة والرحمة، ساهم في استمرار حالة الفشل الداخلي والقلق الوجودي للكيان الصهيوني. القرآن الكريم يوضح هذا البعد الأخلاقي: (وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المؤمنون: 101. كل فعل أو قرار يُتخذ باسم القوة أو الحق الإلهي المزيف يتحول إلى عقاب جماعي لاحقًا. المسؤولية هنا مزدوجة: فردية وجماعية، سياسية واجتماعية، أخلاقية وتاريخية.

إذا قرأنا مأزق الصهيونية اليوم من زاوية الاصطفاء، يتضح الانحراف الأخلاقي في جوهر المشروع. الاصطفاء الحقيقي يقترن بالعدل والرحمة والمسؤولية، لا بالقهر أو الاستعلاء أو البطش. كل مرة تجاهلت فيها الصهيونية هذا المعنى، تراكمت أزماتها وظهرت هشاشة بنيتها. الخراب المتكرر، والانقسامات الداخلية، والأزمات الأمنية المستمرة ليست مجرد مصادفات، بل نتيجة طبيعية لمسار أخلاقي وفكري أعوج. مشروع يقوم على نفي الإنسانية وتحويل الحق الإلهي إلى أداة بطش لا يمكنه أن يخلق دولة شرعية أو مجتمعًا مستقرًا.

ولقد أثبتت التجارب التاريخية والسياسية هذا الفشل البنيوي بوضوح. المذابح والاستيطان في فلسطين خلال الانتداب البريطاني أديا إلى مقاومة مستمرة من قبل الفلسطينيين وأسفرا عن نزاعات متكررة وعنف متبادل. حروب 1948 و1967 و1973 أظهرت أن الاعتماد على القوة وحدها لم يفرض الشرعية، وأن كل توسع عسكري قابله قلق وجودي دائم وعمّق الانقسامات الداخلية. أما الأزمات الداخلية المعاصرة، من انقسامات سياسية وفقدان الثقة بالمؤسسات والشعور الدائم بالتهديد، فهي انعكاسات مباشرة لعقيدة استعلائية حوّلت الاصطفاء إلى ذريعة للبطش.

من خلال هذه التجارب يظهر درس واضح: القوة وحدها لا تصنع دولة، ولا تبرر البطش، ولا تلغي المسؤولية. الاصطفاء الحقيقي يقترن دائمًا بالعدل والرحمة وبالمحاسبة الفردية والجماعية. وكل مشروع يتجاهل هذه المبادئ، مهما بلغت قوته العسكرية أو الدعم الدولي، سيكون عاجزًا عن تحقيق الاستقرار، وسيجد نفسه محاصرًا بمأزق تاريخي وأخلاقي لا يمكن الفرار منه.

هذا الربط بين العقيدة الصهيونية والفشل البنيوي، وبين الاصطفاء الديني الحقيقي والالتزام الأخلاقي، ليس مجرد تحليل تاريخي، بل درس وجودي؛ فكل فرد، وكل جماعة، وكل مؤسسة ساهمت في تحويل الاصطفاء إلى ذريعة للبطش تتحمل جزءًا من هذا الفشل. وكل دولة تقوم على هذا النوع من العقيدة، مهما بلغت قوتها، ستكون عاجزة عن إنتاج الشرعية والاستقرار، وحبيسة عنفها الخاص. الدرس الأكبر أن أي مشروع سياسي أو ديني يجب أن يربط بين القوة والمسؤولية، وبين الحق الإلهي والعدل والرحمة. وكل من يغفل عن هذا الربط سيظل عاجزًا عن تحقيق الاستقرار، وسيظل مأزومًا تاريخيًا وأخلاقيًا، محاصرًا بعواقب خياراته الخاطئة.

إقرأ على موقع 180  المواجهة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية: من يقول "آخ" أولاً؟

القرآن الكريم يوضح أن القوة لا تعطي الحق في الظلم: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فصلت: 34. كما يحذر العهد القديم من إساءة استخدام النعمة الإلهية: (وَإِذَا صَارَ لَكَ وَرَثْتَ الأَرْضَ فَاحْفَظْ أَنْ تَعْمَلَ بِكُلِّ كَلِمَةِ الشَّرِيعَةِ وَلاَ تَعْمَلْ شَيْئًا شِرِّيرًا) تثنية 6:17. هذه الشواهد تعزز مفهوم أن الاصطفاء الحقيقي مسؤوليةٌ والتزامٌ أخلاقيٌ، وليس أداة للبطش أو الغلبة.

ختامًا، كل أيديولوجيا تقوم على نفي الإنسان وتحويل الحق الإلهي إلى أداة بطش، مهما بلغت قوتها، ستواجه انهيارًا مستمرًا، وستظل عاجزة عن إنتاج دولة طبيعية أو مجتمع مستقر. الفشل البنيوي للكيان الصهيوني اليوم ليس صدفة، بل نتيجة حتمية لعقيدة استعلائية متوحشة حوّلت الاصطفاء إلى ذريعة للقهر. الواجب الآن على أي مشروع سياسي أو ديني، وعلى كل فرد وجماعة داخل أي دولة، أن يربط بين القوة والمسؤولية، وأن يفهم أن الحق الإلهي أو التفرد التاريخي يقترن بالعدل والرحمة والمحاسبة الأخلاقية. وكل من يغفل عن هذا الرابط سيظل مأزومًا، عاجزًا عن تحقيق الاستقرار، ومحاصرًا بعواقب عنفه الخاص.. وكلُ ما نشهده اليوم من أزمات متكررة، سواء في غزة أو داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، هو انعكاس مباشر لهذه البنية الملتوية التي حوّلت القوة إلى غاية، والبطش إلى معيار للحق، واستبدلت المسؤولية الأخلاقية بالاستعلاء المزيف.

Print Friendly, PDF & Email
علي المقداد

باحث في العلاقات الدولية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  من سارتر إلى هابرماس.. البوصلة الخاطئة لبعض مثقفي الغرب!