فيما كانت الذي كانت فيه كل أنظار ناس إقليمنا المشرقي المتوسطي، ومعها كل أنظار العالم، مشدودة إلى مآلات التمدّد التركي في سوريا، ومصير ما تبقى من النفوذ الإيراني، ومستقبل العامل الخليجي، وأدوار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وحتى باكستان، إضافةً إلى المخاطر الكُبرى التي تشكلها إسرائيل في جنوب سوريا، سار كاتُبنا في عكس كل هذه التيارات الجارفة، وقرَّر أن يرى سوريا من منظور مصر وعدساتها.
وحين أقدم كاتُبنا على هذا التفرد المُثير، كان يضع الإصبع على حقيقةٍ مدهشة، هي أن الغيابَ النسبيَّ لمصر، القائدة الطبيعية تاريخياً وعروبياً، عن المنطقة، كان في الحقيقة أحدَ الأسباب الكُبرى التي جعلت الوطن العربي؛ بل والإقليم المشرقي بأسره؛ على ما هو عليه اليوم، من:
– حروبٍ أهليةٍ مدمّرةٍ تتنقّل كالنار في الهشيم من بلدٍ إلى آخر، في إطار فوضى غير خلاّقة؛
– انفجارِ أبشعِ أنواع الهويّات القاتلة المذهبية والطائفية، وتداعي مفهوم الدولة الوطنية، مع انسداد أي أفقٍ قوميٍّ لاستبدالها بالدولة- الأمة العربية؛
– انفتاحِ بطنِ المنطقة على تمدّد الفاشية- التلمودية الصهيونية؛
– تحوّلِ بعض صيغ الإسلام السياسي السلفي إلى قنابل انشطارية إيديولوجية، في إطار ما أسماه بنجامين باربر- عن حق- “تحالف عالم ماكوَلد الضمني مع عالم الجهاد” (بمعناه الإرهابي- التكفيري)؛
– وأخيراً، اقتحامِ ثورة العولمة التكنو-رأسمالية لقيم الحضارة المشرقية، وهي في أقصى حالات مرض نقص المناعة الثقافية والروحانية، وأخطرِ أنواع فقدان الثقة بالنفس.
مصر وفكرة الدولة في زمن التفكك
بالطبع، ليست مصر وحدها المسؤولة عن هذه المحصّلة. غير أن غياب- أو تغييب- دورها، تماماً كما حدث مع هزيمة مشروع محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، ثم تهاوي الدور التوحيدي-التحديثي الكبير الذي جسّدته تجربة جمال عبد الناصر في النصف الثاني من القرن العشرين، أفقد المنطقة بأسرها البوصلة القادرة على توجيهها للخروج من هذا النفق المظلم.
“الغيابَ النسبيَّ لمصر، القائدة الطبيعية تاريخياً وعروبياً، عن المنطقة، كان في الحقيقة أحدَ الأسباب الكُبرى التي جعلت الوطن العربي؛ بل والإقليم المشرقي بأسره؛ على ما هو عليه اليوم”
وتتبدّى هذه الحقيقة بجلاء في ثنايا كتاب “حبل السرَّة”.
ففي مقدمته، حين يتساءل الكاتب لماذا قرَّر التطرق إلى الدور المصري في سوريا، تتداعى أمامه جملة الأسباب والعوامل التي جعلت- ولا تزال تجعل- من مصر فاعلاً مركزياً قادراً على الإسهام في إنقاذ المنطقة.
نقرأ في الكتاب: ![]()
– أن الدولة المصرية تمتلك رؤية واضحة لواقع التفكك والفوضى في العالم العربي، ولأدوار القوى العربية وغير العربية، وكذلك لكيفية مواجهة التهديدات التي تطال أمن مصر والعالم العربي (ص 10).
وبالنسبة إلى سوريا، تشكّلت مجموعة من الثوابت الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية، أبرزها: حماية مؤسسات الدولة الوطنية من السقوط، محاربة الإرهاب، الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، رفض عسكرة الأزمة، وإنهاء معاناة السوريين جرّاء الصراعات (ص 20). وكان الهمّ المصري إزاء محاولات التقسيم والتفتيت هو الموجّه الأساسي لمجمل السياسة المصرية في سوريا والمنطقة (ص 21).
– أن تمسّك الدولة المصرية بالحفاظ على الدولة السورية انطلق من قناعة راسخة لدى صانع القرار المصري مفادها أن “الدول الضعيفة والمنهارة ساهمت في الفوضى الإقليمية، وأن الطريق الوحيد للخروج من أزمات الشرق الأوسط يكون من خلال إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها” (ص 27).
– أن وزير الخارجية المصري آنذاك، سامح شكري (عام 2015)، عبَّر عن المحدّدات المصرية لمقاربة الأزمات في الوطن العربي- ومنها سوريا- حين أشار إلى أن “سيطرة الطائفية وانتشار الفوضى والتنظيمات والميليشيات المتطرفة والإرهابية على معظم الأراضي السورية أمرٌ يهدّد مستقبل المنطقة برمّتها، ولا يمكن السكوت عنه أو القبول به كأمرٍ واقع” (ص 30).
– وأخيراً، أن القاهرة أكدت مراراً تمسّكها بالدور العربي في حل أزمات الوطن العربي، ورفضها السماح بتمدّد أدوار القوى الإقليمية على حساب هذا الدور، سواء في سوريا أو في غيرها (ص 34).
عهد مُرسي: الاستثناء العابر
هذه الثوابت المصرية في التعاطي مع أزمات المنطقة- التي تركّز على رفض الطائفية والمذهبية والتطرف ومشاريع التقسيم والتفتيت، وتشدّد على حماية “الدولة الوطنية” العربية-شهدت استثناءً قصيراً في عهد الرئيس محمد مُرسي. فعلى الرغم من تمسّكه المعلن بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، انطلق مُرسي في مقاربته للأزمة السورية من موقع ديني-إيديولوجي أملته مواقف جماعة الإخوان المسلمين وبعض رجال الدين المتشددين.
وقد تجسّد ذلك في مؤتمر “موقف علماء الأمة من القضية السورية”، الذي عُقد في القاهرة عام 2013، ودعا إلى “وجوب الجهاد لنصرة الشعب السوري بالنفس والمال والسلاح، من أجل إنقاذه من النظام الطائفي، ومن الحرب التي يشنُّها النظام الإيراني وحزب الله وحلفاؤهما الطائفيون”. وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين آنذاك، الشيخ يوسف القرضاوي، أن الحرب على سوريا “هي حرب على الإسلام”.
غير أن هذه المرحلة، التي خرجت فيها مصر عن ثوابتها الاستراتيجية وانخرطت؛ ولو سياسياً وخطابياً؛ في مناخ الحروب الأهلية-الجيوسياسية العربية، كانت، كما أسلفنا، استثناءً يؤكد القاعدة. فالعودة إلى تلك الثوابت لم تقتصر على عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بل إن جذورها تمتد إلى التجربة الناصرية ذاتها. إذ عندما تحوّلت ثورة 1958 في لبنان إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين المسلمين والمسيحيين، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر شعاره الشهير: “الوحدة الوطنية اللبنانية تأتي في الأولوية قبل الوحدة العربية”، واضعاً بذلك سقفاً واضحاً لمفهوم الدور المصري وحدوده، وساهم آنذاك في وقف الحرب هناك.
تركيا وإيران: النفوذ والمخاطر الإقليمي
يتوقف الكاتب ملياً عند موقف مصر من دوري تركيا وإيران في الصراعات العربية الراهنة. ويشيرُ إلى أن الدولة المصرية “تتخوف من تصاعد النفوذ التركي في سوريا، حيث تتعاون أنقرة مع “هيئة تحرير الشام” لضمان نفوذها في شمال البلاد، مما قد يكرّس وجوداً عسكرياً طويل الأمد في المنطقة”. كما كانت ضمن الحسابات المصرية بعد سقوط حكم الرئيس بشار الأسد “إمكانية أن تندفع إيران، التي خسرت نفوذها التقليدي في سوريا، إلى تعزيز وجودها العسكري والسياسي في العراق ولبنان واليمن لتعويض هذه الخسارة. وهذا قد يؤدي إلى تصعيد الصراع الطائفي في المنطقة ويهدّد أمن الدول العربية” (ص 37).
وعلى الرغم من المصالحة المصرية- التركية واستقرارها؛ حتى الآن؛ فإن ذلك لا يُلغي اختلاف وجهات النظر حول نشوء سلطة سورية جديدة تدور في الفلك التركي، ما يفتح الباب واسعاً أمام تعزيز التنافس بين مصر وتركيا في سوريا (ص 113).
مصر الغائبة ظاهرياً عن المشهد الإقليمي منذ “كامب ديفيد” كانت حاضرة جوهرياً بغيابها، وستظل كذلك بشكل مُستدام تاريخياً واستراتيجياً وثقافياً.. لا حلول، ولا مخارج، ولا استقرار للمنطقة من دون مصر.. فإذا كانت مصر هبة النيل، فإن الوطن العربي الموحّد والمستقر هو هبة مصر
أما بالنسبة إلى إيران، فقد تميزت المقاربة المصرية للسياسات الإيرانية بمجموعة من الخصائص التي جمعت بين الحذر من دور قوة غير عربية، وبين إدراك أن سياسات طهران في سوريا والدول العربية تزيد من الصراع المذهبي. لكنها أساساً انطلقت من رفض الانجرار لتسعير الصراع مع إيران، ما يعزّز الانقسام المذهبي السني- الشيعي، إلى جانب البحث عن نقاط تقاطع في المصالح المشتركة (ص 104).
مصر وقيادة المنطقة: جذور ودوافع
نأتي أخيراً إلى تحليل ميشال أبو نجم للدوافع الذاتية والموضوعية التي يعتبرها المحرّك الرئيس للسياسات والتوجهات المصرية، والتي يمكن تلخيصها كالتالي:
– الحضور التاريخي والمشرق العربي: في وعي كل مواطن لبناني وعربي، كانت مصر حاضرة دائماً. سواء جسدت حضورها بالحملات العسكرية منذ فجر التاريخ، أو بالنفوذ السياسي والقوة الناعمة، ظلّت علاقاتها بالمشرق متشابكة، ذات أبعاد جيوسياسية وأمن قومي واقتصادي واجتماعي وحضاري متبادل. وبين مصر وسوريا تحديداً، كان هناك ما يسميه الكاتب “حبل السرّة”، الذي جعل البلدين في حالة اتصال عميق منذ الفراعنة حتى عهد محمد علي باشا، ولو فرّق بينهما إنشاء إسرائيل جغرافياً (ص 7).
– مفهوم الدولة الوطنية: تتمسك مصر بفكرة الدولة الوطنية لما لها من تاريخ طويل كدولة متماسكة منذ أقدم العصور، ما جعل هذا المفهوم ملمحاً تاريخياً أساسياً في شخصية مصر ( جمال حمدان، “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”).
– العوامل الجغرافية والإدارية: إلى جانب العامل التاريخي، يسهم العامل الجغرافي والإداري، مثل إدارة الموارد المائية، في تعزيز مركزية الدولة المصرية.
– البُعد الأمني: يتقدم البعد الأمني البحت في مقاربة مصر لسياستها الخارجية، خاصة حيال سوريا وأزمات المنطقة العربية عموماً، على العامل الاقتصادي، رغم أن الاقتصاد يشكّل هاجساً أساسياً ضمن مفهوم الأمن القومي.
– الدور الإيديولوجي والقيادي: لا تستطيع مصر التخلي عن دورها القيادي في المنطقة العربية لأسباب إيديولوجية مرتبطة بالانتماء إلى العروبة، وأيضاً بدافع الأمن القومي المصري والعربي معاً.
هل أتضحت الآن أسباب وصفنا كتاب “حبل السرة” بأنه تفرّد مميّز؟
يُفترض ذلك. ليس فقط لأن الكاتب أوضح أن مصر الغائبة ظاهرياً عن المشهد الإقليمي منذ اتفاقات كامب ديفيد (1979) كانت حاضرة جوهرياً بغيابها، وستظل كذلك بشكل مُستدام تاريخياً واستراتيجياً وثقافياً، بل أيضاً (وأساساً) لأنه أبرز بجلاء أنه لا حلول، ولا مخارج، ولا استقرار للمنطقة من دون مصر ودورها القيادي والأخلاقي، والحضاري.
فإذا كانت مصر هبة النيل، فإن الوطن العربي الموحّد والمستقر هو هبة مصر.
