زهير هواري من حلم الثورة إلى سؤال.. الدولة

هذا الحوار ليس مبتورًا، إنما اقتضته مساحة النشر وتقليد أسلوب مؤلف الكتاب، حيث الإيجاز الفائض بالمعنى تسيّد نص كتابه الصادر حديثًا «أحكي وفي فمي تراب». هنا حوار مع زهير هواري، الأستاذ الجامعي، الصحافي، الشيوعي، "الأزهري" و«النموذج» في تكريس معنى المناضل الحزبي الذي جمع ورفاقه التبرعات وهم حفاة الأقدام.

منى سكرية: هل أن أحدنا لا يرى بيدره إلا نظيفًا من الزؤان؟
زهير هواري: أكيد كلا. وقد ذكرت في كتابي «أحكي وفي فمي تراب» أن كل إنسان له روايته لظروف حياته وسيرته. أدرك جيدًا أن الإنسان مهما كان حاضر الذاكرة أثناء كتابة سيرة حياته يظل مقصرًا، فالحياة أوسع وأعقد من الكلمات.

– طبعًا أنا لمست جرأتك بكتابة سيرتك. إنما قصدت أن النقد بشكل عام، بعد تجربتك الحزبية والنضالية، دفعك إلى أن تورد بعض المحطات عن بيدر الآخرين وتغافلت عن بيدرك؟
– لقد أوردت ما يخص بيدري وبيدر الآخرين أيضًا، ولكن نظريتي تقول إن حياتنا كأفراد عاديين، وحتى مناضلين، متداخلة بين الخاص والعام.

– دعني أرجع إلى أصل السؤال. تحدثت عن تبعية الأحزاب الوطنية، وتمويل القيادة الفلسطينية في زمن ياسر عرفات لمنظمة العمل الشيوعي التي تنتمي إليها، ولكنك لم تدخل بالتفاصيل، في حين قاربت نقدك للمرحلة السورية في لبنان بحادثة شخصية، ما يعني أنك، وبعد كل هذه التجربة والتحديات التي مرّت، لم ترها بصورة شاملة؟
– لا. علينا أن نراها من زواياها المتعددة. نحن كقوى وطنية يسارية كنا جزءًا من الحرب الأهلية، ولكن هذا الجزء ليس كما يتصور البعض أنه كان قادرًا على إحداث انقلاب في المجتمع اللبناني. هناك لاعبون آخرون أكبر وأقوى منا بكثير. وإلى الآن ما يزال البلد مسرحًا لقوى إقليمية ودولية أيضًا. أما بالنسبة للموضوع المالي، نعم لقد حصلت المنظمة على مساعدة مالية من منظمة التحرير الفلسطينية لتمويل نشاطها التنظيمي نتيجة العلاقة المتينة التي ربطت المنظمة بالثورة الفلسطينية، وكانت مساعدة غير مشروطة. وأحب أن أذكر أنه عندما اجتمع أبو عمار بالرئيس حسني مبارك في القاهرة بعد إخراجه من طرابلس من قبل السوريين، أصدرت منظمة العمل بيانًا عنيفًا ضده، ما يدل على أننا لم نكن مرتهنين له. أما الحديث عن المرحلة السورية فقد بدأته منذ دخول القوات السورية إلى لبنان في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

– ولكن محسن إبراهيم شارك بفعالية بصوغ اتفاقية أوسلو (1993) التي كانت نكبة على الشعب الفلسطيني باعترافهم؟
– النكبة حدثت في العام 1948 وما تلاها. ثم في بيروت بعد هزيمة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية عام 1982 دون أي نجدة عربية أو دولية. ووسط هذا المشهد كان على هذه الثورة المشتتة أن تعود إلى الصراع في الداخل بشروط العدو المجحفة، بدل أن تخضع لمعادلات الإلحاق العربية والإقليمية المعروفة. بموجب اتفاق أوسلو عاد حوالي 10 آلاف فلسطيني من كوادر منظمة التحرير إلى الضفة الغربية، وبات الصراع جوانيًا.

– وتحوّل تطبيق أوسلو إلى تنسيق أمني مع إسرائيل؟
– أوسلو ليس اتفاقًا منزلاً، بل هو ساحة للصراع بين مشروعين: صهيوني وفلسطيني. وحدث أن قُتل اسحاق رابين (1996)، وحوصر عرفات (2001 و2002) في رام الله، واحتُل العراق (2003)، وتمددت حركة حماس، وحدثت انهيارات عربية لا تعد ولا تحصى، وتضاعف خلل ميزان القوى لصالح إسرائيل.

– في كتابك/سيرتك اعترفت بعدة مآزق، منها أنكم غيّرتم اسم منظمة العمل الشيوعي إلى منظمة العمل اليساري الديموقراطي العلماني، فاكتشفت أن أجيالًا جديدة لم تعرف تاريخ هذه المنظمة ودورها وما أنتجته فكريًه؟
– نعم، غيّرنا اسم وفلسفة وهوية المنظمة، وهو دليل حيوية فكرية. ما يحدث حاليًا في الساحة اللبنانية والساحات العربية هو نكبة متعاظمة. نحن الآن لا نجد من نتفاعل معه في رؤية الصراع بآفاقه وخطورته، ونعرف كيف تتفكك المنطقة والمجتمع اللبناني، وكيف أصبحت الأحزاب مجرد ملاحق للأنظمة ومرادفة للطوائف والعشائر، وكيف غاب الحس النقدي التغييري عن القوى السياسية التي كنا نراهن عليها ونعتبرها يسارية وعلمانية.

– في مقدمة الكتاب وتحديداً حوارك مع «ناكر ونكير» هو بمثابة نص سوريالي تراجيدي/كوميدي، عميق، فلسفي. هل دراستك في جامعة الأزهر أثرت فيك، قبل أن تتغلب عليها الماركسية؟ 
– أنا ابن الأزهر، ولكنني من الخوارج على ثقافته، إذ لم أعد أزهريًا منذ أن كنت في الأزهر. حاولت أن أستفيد من ثقافتي الأزهرية في النص بالاستناد إلى تحصيلي، لكن نظرتي إلى الحياة والوجود مختلفة. بهذا المعنى استعملتها كميثولوجيا إسلامية وعربية كي لا أقول شيئًا آخر.

– أنت قلت ما هو أعمق في هذه المقدمة، لأنك أعدت السؤال/المأزق إلى عمق أزمة الخطاب الديني الإسلامي؟
– أبعد مما تذكرين، فنحن بالأصل كائنات هشة. أردت القول في سيرتي، بين المقدمة والفصل الأخير، إن هناك أسئلة وجودية كانت وما زالت محيرة للإنسان.

– في سيرتك الصحافية دروس بالمهنية الأخلاقية والركض خلف المتاعب وقلة المردود المادي، في حين نرى غالبية إعلاميي هذه المرحلة مترفين ماديًا، وأقرب إلى الجهل بأصول المهنة؟
– رأيي أن الصحافة مهنة لم تعد كما كنا نتصورها كمحترفين ملتزمين. الصحافة انتقلت من مهنة البحث عن نبض الناس مهما كلف الأمر، إلى مؤسسة رأسمالية لها رب عمل وعلاقات طبقية وتحتاج إلى تمويل وإلى تغطية سياسية. وبالتالي صارت تابعة وملحقة بأنظمة سياسية قد تكون عربية وقد تكون غير عربية أيضًا، والصحافي كإنسان يعتاش من هذه المهنة يخضع لأحكامها، وأحكامها قاتلة جدًا لشخصية الصحافي المستقل والنزيه. لذلك انكببت لاحقًا على نيل شهادة الدكتوراه والتدريس الجامعي.

إقرأ على موقع 180  أفول مملكة جديدة.. مكتبات بيع الكتب تموت

– ذكرت في كتابك أن بعض نخب ثورة 17 تشرين 2019 في لبنان تم اختراقها من أجهزة أمنية محلية وخارجية، وسعت للمقعد النيابي، وارتهنت ماليًا؟
– صحيح، البلد كله تعود الارتهان لمصادر متعددة داخلية وخارجية، وهذه كانت حال النخب والصحافة قبل الحرب الأهلية وبعدها.

– وهل كان دور بعض نخب المجتمع المدني والأهلي الذين توالدوا كالفطر في المجتمع اللبناني سليمًا برأيك؟
– كلا، رأيي أنه لم يكن سليمًا بالأصل، لأنهم لم يتمتعوا بالخبرة والاستقلالية التي نطلبها منهم. همّهم كان الحلول محل الأحزاب والوصول. الاستقلالية يحتاجها البلد لإنقاذه من أزماته، لأنه مهدد بالتفكك وبمشروع إسرائيلي استعماري منفلت وبرعاية أميركية له، والعصب العربي والوطني مفقود للأسف، والإيراني همّه أن تتحول الدول والشعوب العربية إلى أكياس رمل تدافع عن نظامه. وبالتالي فإن مشكلة هذه القوى هي تبعيتها للغرب والشرق الذي تتلقى منه الدعم.

– سؤال على الهامش، وبكلمتين: لماذا حصل انشقاق فواز طرابلسي عن منظمة العمل؟
– هو لم ينشق، وإنما غادر المنظمة بعد أن أكمل «ريسكلاجه» في فرنسا كما قال هو، وقد قدم رسالة ما تزال موجودة عندنا بخط يده، يقول فيها إن هذا الرجل، أي محسن إبراهيم، كنز يجب الحفاظ عليه وحمايته والبقاء في خط نضاله الفكري والسياسي. ثم اتهمه شفاهة بأنه يريد منظمة على مقاسه. وبعد وفاته لم يعد أمينًا لذاكرته. كتابي الأخير ردّ عليه من دون أن أسميه، ولا أريد قول أكثر من ذلك.

– تسنى لك أن تجري مقابلة مع سلطان باشا الأطرش في قريته في السويداء عام 1973، ونقلت عنه قناعته أن أميركا لن تدعم إلا إسرائيل، هل من أقوال له تتذكرها الآن؟
– أبدى عتبه على النظام السوري. سلطان باشا الأطرش هو قيمة تاريخية عربية تتجاوز محليته المناطقية والتوحيدية. لقد محا آل الأسد الثورة السورية الكبرى وسوريا بتاريخها وتنوعها، وتصرفوا وكأن حزب البعث هو من أوجدها وبناها.

– هل أنت من جيل «انبلف» بالوعود وبالخطاب الذي كان نقيض التطبيق؟
– أبدًا، كنت وأمثالي مؤمنين ومقتنعين بمغامرة التغيير، لكنها لم تنجح.

Print Friendly, PDF & Email
منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  النازية الألمانية.. الأبُ الفعليُ لإسرائيل!