إغتيال لقمان سليم.. لمصلحة من؟

شكّل إغتيال الناشط السياسي اللبناني لقمان سليم، في عملية متقنة ومُحضّرة، صدمة أمنية ـ سياسية، إرتفع معها منسوب المخاوف من أهداف قريبة وبعيدة لهذه الجريمة.

يمكن تسجيل سلسلة ملاحظات ربطاً بالإغتيال هدفاً وزماناً ومكاناً وظروفاً وردود أفعال:

أولاً، لقمان سليم صاحب رأي، ومهما كان موقفه حاداً، فهو لم يكن رجل عنف ولا يرتبط بميليشيا ولا يحمل سلاحاً. عملية الاغتيال مدانة ومستنكرة بأعلى ما يمكن من صوت وهي عملية ظالمة، مهما بلغت حدود الإختلاف السياسي معه.

ثانياً، ليس خافياً أن جسم حزب الله صار “لبيساً” للغاية بالنسبة إلى جمهور عريض في لبنان والخارج. إذا كان الحزب يُتهم بتفجيرات في دلهي وبورغاس وبانكوك وبعض نواحي أميركا اللاتينية، فلماذا لا تُوجه أصابع الإتهام إليه في الكحالة ومرفأ بيروت وحتى في حرق مبنى بلدية طرابلس وأصغر خلاف عائلي من أقاصي عكار إلى لجنوب؟ لقد سبق أن وُجهت أحكام جاهزة ومبرمة إلى حزب الله في كل الإغتيالات السياسية في لبنان وجرت محاولة إلصاق تهم به في الكويت (خلية العبدلي) والإمارات ومصر وحتى في أقصى المغرب العربي. دائماً يجب أن يكون السؤال ما هي مصلحة هذا الطرف أو ذاك، من الإغتيال، إذ أن القتل للقتل يصبح هواية ولذلك يصح السؤال ما هي مصلحة حزب الله في إغتيال لقمان سليم بشخصه وباللحظة السياسية والمكان الذي وقعت فيه الجريمة على أرض الجنوب. زدْ على ذلك، هل يشك عاقل بأن تورط الحزب، إذا ثبت، وبالتالي دمغه بالإرهاب، ستكون له تداعيات سلبية على مجرد تمثيله بوزراء تكنوقراط في حكومة سعد الحريري المشتهاة؟

ثالثاً، ما يساعد في أن يكون جسم حزب الله “لبيساً”، هو فائض القوة الذي جعل جمهوره ولا سيما في وسائل التواصل الإجتماعي يجاهر بتكفير وتخوين وإلصاق التهم بكل من يقول كلمة تتعارض مع الخط السياسي لحزب الله.

رابعاً، ثمة ماكينة إعلامية ـ سياسية مُعادية لحزب الله مستعدة لتوجيه الإتهام بالاغتيالات قبل انطلاق التحقيق ومن دون أية أدلّة، في تكرار لسيناريو انفجار مرفأ بيروت.. وهذا الاتّهام السياسي المبرمج للحزب يخدم الفاعل الحقيقي، بمعزل عن هويته. ومن يستمع إلى مداخلة السفير الأميركي الأسبق جيفري فيلتمان في اللقاء الإفتراضي مع مجلس سياسات الشرق الأوسط، يدرك ما يعنيه حزب الله للأميركيين وما يمكن أن يرصد من أموال ومشاريع وإعلام لمواجهته. لذا، من غير المفاجئ أن توجّه شخصيات سياسية واعلامية وفضائيات تعبر عن سياسات دول اتهامها الفوري إلى حزب الله قبل توصل التحقيقات الى خيوط تساعد في كشف الجريمة. وقد اعتاد حزب الله على تلقي مثل هذه الاتهامات، وليس آخرها في تفجير المرفأ او في اغتيال المواطن جوزيف بجاني في الكحالة مثلا.

سيكون التحقيق صعباً. وما لم تظهر صدف او ثغرات او معطيات تقنية دالة، فإن لغز الجريمة سيبقى عصياً على الفهم والتحليل والإكتشاف مثل لغز اغتيال جوزف بجاني في الكحالة وحسان اللقيس في الحدث

خامساً، بمعزل عن هذه كلها، كل التقديرات تشي بأننا أمام إغتيال سياسي (أي أهدافه سياسية) وليس عملية سلب او تصفية خلافات شخصية أو مالية أو غيرها.

سادساً، في دراسة مسرح الجريمة، يتبين ان الفاعلين هم مجموعة محترفة ومنظمة. إقتضى التنفيذ التخطيط ووجود مجموعات على الأرض تراقب وتنفذ، فضلا عن مجموعة عوامل لوجستية (سيارات، رصد، ملاحقة في مسرح يمتد بين بيروت والجنوب). غادر لقمان سليم مزرعة نيحا ليل الاربعاء – الخميس، والتبس على كثر موقع نيحا بين بلدتي صريفا ودير كيفا في شرق قضاء صور. إمتد الالتباس مع الربط بين نيحا (صور وليس الشوف كما تهيأ للبعض) وبين العدوسية (الزهراني) البعيدة حوالي خمسة وثلاثين كيلومتراً عن الأولى. كما أن الطريق التي سلكها الجناة هي واحدة من اكثر من عشر طرقات يمكن سلوكها، وهذا ما يسهم في صعوبة كشف خبايا الجريمة، لا بل يسهم في اطالة امد اكتشافها، ما يتيح للجناة الاختفاء ومحو اكبر اثر لهم ومغادرة المنطقة وربما لبنان، إذا كانوا قد أتوا من خارجه. لهذا سيكون التحقيق صعباً. وما لم تظهر صدف او ثغرات او معطيات تقنية دالة، فإن لغز الجريمة سيبقى عصياً على الفهم والتحليل والإكتشاف مثل لغز اغتيال جوزف بجاني في الكحالة وحسان اللقيس في الحدث.

سابعاً، الملفت للإنتباه في الجريمة هو التخطيط الدقيق المستند الى معلومات دقيقة عن المغدور وصداقاته وتحركاته وطريق انتقاله والسيارة التي يستعملها ووسائل الحماية الشخصية من اجهزة تعقب الكترونية وما شابه. يضاف اليها دراسة دقيقة لمسرح الجريمة لجهة خلوه من الازدحام المروري والتقاطعات ووجود مبانٍ قد تكون مجهزة بكاميرات مراقبة. يستبعد ان يكون المغدور بصدد سلوك الطريق التي يبدو انه اقتيد إليها من نيحا الى العدوسية. ومن الطبيعي ان يسلك الطرقات الرئيسية، لذلك يرجح ان تكون الجريمة بدأت بعد قليل من مغادرته نيحا، برغم أنه لا يمكن الربط بين إكتشاف الهاتف الخلوي للمغدور على بعد أكثر من ثلاثمائة متر من المكان الذي كان يسهر فيه في نيحا وبين لحظة إرتكاب الجريمة في العدوسية. هذا الإحتمال وارد، مثلما يمكن أن يكون المنفذون قد تعمدوا إعادة الهاتف إلى هذه النقطة، وهذا أمر يمكن التعرف إليه من خلال خارطة تنقل الجهاز الخلوي ليلة الجريمة.

تركت هذه الجريمة احراجا للبيئة السياسية في الجنوب والضاحية الجنوبية وجرحا امنيا بليغا لا يلتئم الا بالاسراع بكشفها وتقديم الجناة الى العدالة بأسرع وقت ممكن

ثامناً، لا شك ان المغدور لديه علاقات مع شخصيات سياسية وبحثية اميركية وغربية ولبنانية الا انه لم ينجح في شد عصب جمهور معين يناصره أو يهب لنجدته مثل أي شخصية سياسية وازنة او عشيرة او طائفة تهب لنصرة المستهدف، كما كانت الحال مع معظم جرائم الإغتيال السياسي التي تمكنت من احداث شرخ بين اللبنانيين وانطلاق موجة اتهامات سياسية وحزبية. صحيح أن ردود الفعل الاعلامية كانت قوية جدا، لكن قيمة الجريمة في الواقع الشعبي تكاد تساوي صفراً بالإفتقاد إلى زخم استغلال الجريمة في الشارع، كما جرت العادة في جميع الإغتيالات السابقة وما كانت تشكله من قوة دفع سياسية في محطات مفصلية، ولدينا في تجربة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الكثير من الأمثلة. وقد يكون هذا الانكفاء عن أية ردة فعل في بيئته المفترضة يتصل بمواقفه السياسية التي بلغت حدودا يصعب تقبلها حتى من معظم المعترضين داخل البيئة نفسها.

إقرأ على موقع 180  تفسير النص الدستوري بالمواءمة أم بالمعاني المتناقضة؟

تاسعاً، ليس دفاعاً عن القوى المهيمنة سياسياً في منطقة الجريمة أو حتى في مكان سكن لقمان سليم في الضاحية الجنوبية، أي حركة امل وحزب الله، فإن الناشطين السياسيين ضد توجهات “الثنائي الشيعي” موجودون في منطقتي الجنوب والضاحية الجنوبية، ولا تهديدات ترقى الى حد الإعتداءات او الإغتيالات. كما ان “الثنائي” اختار أن يساجل بالاعلام من يتناوله في الاعلام وبالقضاء من يتحامل عليه ويتهمه زورا وبهتانا.. والمحاكم اللبنانية ما تزال تنظر في العديد من الشكاوى، لكن هذا  لا يجب أن يكون مبررا لعدم شمول التحقيق جميع المشتبه بهم، أياً كانت ميولهم السياسية، لأن الأصل هو كشف من خطط وحرض ونفذ الجريمة.

عاشراً، ترافقت الجريمة مع دعوات لاجراء تحقيق دولي ولو كانت خجولة الا انها تستبطن في طياتها سحب الثقة من القضاء اللبناني خصوصا بعد تعثره في ملف انفجار مرفأ بيروت وكذلك بعد كثرة الحديث عن الربط بين جريمة المرفأ وبين هذا الاغتيال، وسها عن بال هؤلاء ان القضاء الدولي في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد 14 سنة ومليار دولار أفضى إلى نتيجة مخيبة للجهود والامال والأموال، وها هي المحكمة الخاصة بلبنان تواجه هذه السنة معضلة تمويل أوروبية، وليست لبنانية، تعيد طرح الأسئلة حول مستقبل المحكمة والقضايا المثارة أمامها.

ثمة ملاحظة أخيرة أن الجيش وقوى الأمن الداخلي وضعا اليد على مجموعات داعشية من كفتون (32 بين موقوف وقتيل عدا عمن تمكنوا من الفرار) إلى البقاع الشمالي (18 موقوفاً). نحن نتحدث عن مجموعتين تتفرعان إلى مجموعات، وهذا يعني أن الإرهاب موجود، ربطاً بإعادة تحرك مجموعات داعشية في العراق وسوريا أو على طول الحدود الشمالية الشرقية مع لبنان أو لأهداف لبنانية بحتة.

لقمان سليم كان يأتمن بيئته على حياته.. ولذلك لم يبارحها. تركت هذه الجريمة احراجا للبيئة السياسية في الجنوب والضاحية الجنوبية وجرحا امنيا بليغا لا يلتئم الا بالاسراع بكشفها وتقديم الجناة الى العدالة بأسرع وقت ممكن.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الأميركيون ونصرالله: رسائل، مفاوضات، ترجمات!