يقول البعض إنّها الوظيفة: وظيفة الجغرافيا؛ وظيفة التوازنات؛ وظيفة أن يكون لبنان مختبرًا دائمًا لأزمات المنطقة. ويقول آخرون إنّها الطائفية؛ الصيغة المؤقتة التي صارت أبدية، لكأنّ الزمن يعود إلى الوراء أو يدور في حلقةٍ مفرغة بأحسن الأحوال. وهل ننسى أن البابا يوحنا بولس الثاني قال يومًا عندما زار بيروت إنّ لبنان “أكثر من وطن، إنّه رسالة”. لكنّ الرسالة، حين تُثقِلها الصراعات والتناقضات، تتحوّل إلى عبءٍ على حامليها، وهذا هو حال لبنان واللبنانيين مع الطائفية التي صارت نقمة بدل أن تكون نعمة.
***
في ساحة الشهداء، في قلب بيروت حيث تختلط الذاكرة بالسياسة، تختلط الأشياء. من التمثال الذي يرمز إلى شهداء السادس من أيار/مايو، قبل مائة سنة وعقد من الزمن. الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا بزعم ارتكابهم أفعالاً معادية للسلطنة العثمانية التي انهارت بعد سنوات قليلة، ليجد لبنان نفسه في حضن انتداب جديد. في الساحة نفسها يقف ديك “النهار” شاهداً على مدينة كانت عاصمة الصحافة وباتت اليوم تفتقر للشجاعة المهنية. وسط العاصمة الذي لا يهدأ ليلاً ونهاراً، كأنه صورة عن فئة اجتماعية تزداد غنى مقابل فئات اجتماعية تزداد فقراً.. وبينهما طبقة وسطى لم يبقَ منها شيء إلا اسمها بعد “سرقة العصر” أو سرقة أموال المودعين. في الساحة نفسها، تتراءى أضرحة رئيس حكومة لبنانية سقط صريعاً قبل 21 سنة ومعه ثلة من رفاقه. في الساحة نفسها ها هم محبو رفيق الحريري يُطلون سنوياً كما لو أنّهم يحاولون استعادة زمنٍ مضى. يرفعون الصور؛ يُردّدون الشعارات، ويبحثون في الوجوه عن أثرٍ لروحٍ كانت تسكن المكان. لكنّ الذي يطلّ عليهم ليس الأرواح، بل الأشباح.
أسماءٌ ومشاريعٌ تتنازع المشهد. ظلالٌ تتحرّك فوق الرؤوس، كأنّ الساحة صارت مسرحًا لأطيافٍ لا تهدأ. السياسة في لبنان لا تموت، بل تتحوّل إلى شبح. تتبدّل الأدوار، تتغيّر التحالفات، لكنّ الأشباح تبقى.
***
يسير “أبو عبد البيروتي” في وسط الساحة بين مسجد محمد الأمين وتمثال الشهداء. تبدو ملامح وجهه وكأنها مجبولة بتعب السنين وتعاقب الأحداث وكثافتها، لكأنّه يسير في مدينةٍ يعرف شوارعها، لكنه لا يعرف وجوهها الجديدة. يبحث عن روح. يبحث عن لحظة كان فيها الصوت يملأ الساحة، واليقين يملأ القلوب. لكنّ الروح تبدو سجينة الفراغ المتمادي.
هناك، في ضريح رفيق الحريري يرقد أكثر من رجل. يرقد مشروع. يرقد حلم. يرقد زمنٌ كاملٌ. يقول البعض: روح السُّنّية السياسية، روح الاعتدال، روح الحريرية التي صنعت توازنًا دقيقًا بين الداخل والخارج. كلّها اليوم تبدو جسدًا بلا روح. كأنّ الجسد قائمٌ، لكنّ النبض خافت.
حاول كثيرون نفخ الروح في هذا الضريح. يقول “أبو عبد البيروتي” متكئا على عصاه المغروزة في جنبات أحد أحواض فندق “لو غراي” الذي أعيد افتتاحه حديثاً، لتلمع الأضواء ولا تنتهي العتمة.
-ماذا تقصد؟
-لبنان دولة تنتج الزعماء وتدفن الوطن.
-وماذا عن بيروت؟
يأخذ نفساً عميقاً من تحت طربوشه الذي عفا عليه الزمن ويقول:
-اسمع يا ابني. بيروت لا تحبّ من يخاطبها من خارج إيقاعها. نحن قوم لا نحب كل مختالٍ فخور. تستطيع فتح المدن بالدبابات. ولكن القلوب مفتاحها الحب. لبنان يحب القوي. لكنه يكره فائض القوة.
ينهي “أبو العبد” كلماته ويتأبط عصاه ويمشي بعيداً عن الساحة.
***

فظيعٌ لبنان كيف يلتهم من كان يشغل الناس والعالم. كان رفيق الحريري رجلًا تُحسبُ كلماته بميزان من ذهب. كان إذا تحرك صمتت العواصم لتسمع. اليوم، صارت الكلمات تتطاير في الهواء، بلا وزن، بلا أثر. كأنّ السياسة تفتقد للخبّازين، وصارت مجرد صدى.
لبنان البلد الذي يحصد الأرواح. في حروبه، في أزماته، في انفجاراته. ولبنان السياسة يصنع الأدوار. يرفع هذا، ويُسقط ذاك، ويعيد توزيع المشهد كأنّه مخرجٌ قاسٍ لا يرضى بممثلٍ واحد طويلًا. ولبنان الوطن.. جسدٌ بلا روح.
لكن، هل حقًا فقد الروح؟ أم أنّ الروح تختبئ في مكانٍ آخر؟
ربما الروح ليست في زعماء الطوائف، بل في الناس الذين يعودون كل عام إلى الساحة، برغم التعب. ربما ليس في الخطابات، بل في ذاكرة أمٍّ فقدت ابنها، أو في شابٍ يحلم بوطنٍ لا يهاجر منه. ربما ليست في الطائفية ولا في الوظيفة، بل في قدرة هذا البلد على البقاء، برغم كل ما يلتهمه من احتلال وفقر وقتل ودمار.
لبنان يشبه طائرًا ينهض من رماده، لكنه في كل مرة يفقد ريشة. ينهض، لكنّه أضعف حالاً وناساً. يبتسم، لكنّ في عينيه حزنًا قديمًا. هو بلدٌ لا يسمح لك أن تحبّه نصف حب، ولا أن تكرهه نصف كره. إمّا أن تتورّط فيه، أو تبتعد عنه. ومع ذلك، يعود إليك في المنام. تماماً، كما قال الأخوين عاصي ومنصور الرحباني “من عز النوم بتسرقني بهرب لبعيد بتسبقني.. لوينك بعدك لاحقني”.
في السياسة، الأشباح كثيرة. لكنّ الأرواح لا تموت بسهولة. قد تُسجن في ضريح، قد تختبئ في زاوية، قد تنتظر لحظةً أخرى. لبنان علّم أبناءه أن يتقنوا الانتظار. انتظار التسوية، انتظار الخارج، انتظار الزعيم، انتظار المعجزة.
***
فظيعٌ لبنان السياسي، نعم. لكنه أيضًا مذهل في قدرته على الاستمرار. فظيعٌ كيف يلتهم القادة، لكنه لا يلتهم الحكاية. الحكاية تبقى. تتغيّر الشخصيات، تتبدّل الأسماء، لكنّ المسرح يبقى مفتوحًا.
في ساحة الشهداء، تقف المدينة وحيدة مع نفسها. تهدأ الأصوات، وتختفي الأشباح، ويظلّ السؤال معلّقًا في الهواء: من يعيد الروح إلى جسد لبنان وعاصمته؟
ربما الجواب ليس عند نائب أو وزير أو زعيم. ربما الجواب في لحظة صدقٍ نادرة، يعترف فيها الجميع بأنّ الوطن ليس وظيفة، ولا طائفة، ولا دورًا إقليميًا. الوطن روح تتجدد. وإذا سُجنت الروح طويلًا، لا يموت الجسد فقط، بل يفقد معناه.
لبنان اليوم يقف على حافة المعنى والمبنى. إمّا أن يستعيد روحه ودوره، أو يبقى مسرحًا للأشباح.
وبين الروح والشبح، يقف شعبٌ تعبٌ، لكنه لم يفقد القدرة على الحلم. وهذا، ربما، هو الأمل الأخير.. وحسناً أن يلتقي حلم أبناء بيروت مع أحلام باقي الحواضر العربية.. عندها لا بد أن تعود الريادة وهل أجدر من عاصمة لبنان بها؟
