التعفّن الدماغي في المجال العام ليس حادثًا عرضيًا. إنّه نتيجة بنية كاملة أُعيد تشكيلها خلال العقدين الأخيرين: إعلام يقوم على الإثارة، منصّات رقمية تكافئ الانفعال الفوري، أنظمة تعليم تخرّج حافظين بدل مفكرين، وأحزاب تحوّلت إلى آلات تعبئة عاطفية بدل أن تكون مصانع أفكار.
في الماضي، كانت السياسة تُدار في ظلال النصوص الثقيلة: كتب، بيانات معمقة، سجالات فكرية، مدارس نظرية تتصارع حول المفاهيم قبل أن تتصارع حول المواقع. اليوم، تنتقل المعركة إلى مستوى أدنى: سباق على من يملك الجملة الأكثر استفزازًا، أو الفيديو الأكثر انتشارًا. تتحوّل الفكرة إلى “محتوى”، ويتحوّل السياسي إلى مؤدٍ يبحث عن تفاعل، ويتحوّل الجمهور إلى جمهور متلقٍ يستهلك الموقف كما يستهلك إعلانًا.
النتيجة بنية ذهنية تتعوّد على الاختزال. قضية معقّدة مثل الاقتصاد السياسي تُختصر في “فساد”. صراع إقليمي مركّب يُختصر في “مؤامرة”. أزمة بنيوية في الدولة تتحوّل إلى مشهد درامي تُختزل بشخص واحد. هكذا يُقتل التحليل، ويُدفن السياق، وتُستبدل البنية بالحكاية.
التعفّن هنا لا يعني غياب المعلومات، بل وفرتها بلا هندسة. المواطن يعيش في سيل لا ينتهي من الأخبار والمعلومات والآراء، فيتشكل وعيه على شكل شظايا. الشظايا تمنع بناء نظرية. النظرية تحتاج صبرًا، قراءة، مسافة نقدية. أمّا المنصّات فتمنح مكافأة فورية لمن يصرخ أكثر، ويبالغ أكثر، ويختزل أكثر.
غيابُ المنظّرين ليس مسألة أفراد موهوبين، بل مسألة بيئة. الفكر النقدي يحتاج مؤسسات تحتضنه: مدارس وجامعات حرّة، مجلات فكرية، مراكز أبحاث مستقلة، تقاليد إلخ.. حين تُختزل الجامعة إلى شهادة، والمجلة إلى إعلان، ومركز الأبحاث إلى ذراع تمويل، يصبح المنظّر فائضًا عن الحاجة.
ركاكة الخطاب السياسي تنبع من هذا الفراغ. السياسي الذي لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يدخل في اشتباك نظري، يعوّض ذلك بالبلاغة الشعبوية. يرفع الصوت حيث يلزم رفع السؤال. يوزّع الاتهامات حيث يلزم تقديم نموذج. يحرّك المشاعر حيث يلزم بناء مفهوم.
المفارقة أنّ هذا الوضع يخدم الجميع على المدى القصير: السياسي يربح شعبية، المنصّة تربح تفاعلًا، الجمهور يشعر بانتماء لحظي. أمّا على المدى البعيد، فتُستنزف القدرة الجماعية على التفكير. يتراجع مستوى النقاش عامًا بعد عام حتى يصبح من العسير طرح فكرة مركّبة دون أن تُتهم بالتعقيد أو النخبوية.
المخرج الاستراتيجي يبدأ بإعادة الاعتبار للفكرة بوصفها استثمارًا طويل الأمد. أي مشروع سياسي جاد يحتاج مدرسة فكرية تحيط به، لا جهاز دعاية فقط. يحتاج تدريب كوادر على القراءة النقدية، وإنتاج أوراق سياسات، وبناء خطاب يتدرّج من المفهوم إلى البرنامج إلى القرار.
كما يتطلّب الأمر إعادة هندسة المجال العام: دعم منصّات تحليل معمّق، تشجيع الكتابة الطويلة، تحفيز الجامعات على إنتاج معرفة مرتبطة بالواقع بدل تكرار المناهج. السياسة بلا نظرية تتحوّل إلى إدارة أزمات يومية، والنظرية بلا سياسة تتحوّل إلى تمرين ذهني معزول.
إنّ مواجهة التعفّن الدماغي ليست معركة أخلاقية، بل معركة بنيوية. هي صراع حول من يملك الزمن: من يفرض إيقاع السرعة، ومن يجرؤ على إبطائه لصالح التفكير. حين يستعيد المجتمع ثقته بالتحليل، ويمنح المساحة للعقل النقدي، تتغيّر طبيعة الخطاب، ويتحوّل النقاش من ردّ فعل إلى رؤية.
الرهان اليوم ليس على فوز طرف على آخر، بل على بقاء القدرة على التفكير ذاته. ففي اللحظة التي يصبح فيها العمق عبئًا، والاختزال فضيلة، يدخل المجال العام في مرحلة ضمور بطيء. أمّا حين تُعاد الكرامة للفكرة، ويُستدعى المُنظّر إلى الطاولة، تبدأ السياسة من جديد كفنّ لإدارة التعقيد، لا كحلبة لسباق الشعارات.
