عن أبناء جبل عامل والدولة اللبنانية.. وما بينهما (2/1)

عامٌ وثلاثة اشهر على ما يُفترض أنه وقف إطلاق النار في لبنان، لم تضع خلالها الحربُ الإسرائيلية أوزارَها، بل استمرت بالتقسيط اليومي، ليبدأ ما يسمى "اليومُ التالي"- وما يزال- بحربٍ سياسيّة - إعلاميّة مُكمِّلة ومواكِبة، يسميها البعض "الحرب الناعمة".

حربٌ استهدفت ولا تزال المكوِّنّ نفسَه الذي استهدفَته الحرب المفتوحة، وتحت عناوينَ شتى؛ تارةً تحشره في خانة الخارج عن الدولة أو عليها، وتارةً أخرى توصمه بإقامة دويلة ضمن الدولة، وطوراً توسمه بالتبعية للخارج، ما وضع هذا المكوِّن موضع المدافع عن نفسه، مُتلمساً تبرئةً له، ورأب صدعٍ مع غيره، وصدّ سيل التهم عبر غير سدّ.

هذا التموضع الدّفاعي الغاية، كما هو حال دفاعه العسكري منذ انتهاء الحرب، يتّخذُ تموضعات مختلفة، عبر كيانات ومؤسّسات وبُنى وتنظيمات من المكوِّن نفسِه ومن في فلكه، ومن إعلامِه وبيئته، وثمة أسئلة تبلغ ذروتها حدّ التكفير بالدولة: هل يؤمن الشّيعة بمفهوم الدولة؟ وإذا كانوا كذلك فما رؤيتهم لها؟ وغيرُها من الأسئلة التي تبقى جُلُّها بدون إجابات لدى البعض الذي لا يبتغيها أصلًا، بقدر ما له فيها مآرب أخرى، شأنُه في ذلك شأنُ الإشكاليات المماثلة في الوطن المفترَض، والإفتراض هنا يتكئ على اعتبار ابن خلدون أن “الدولة هي الامتداد الزماني والمكاني للعصبية”، أي الفئة أو الجماعة، والعصبية هنا هي الجماعات اللبنانية المكوّنة لهذا الاجتماع اللبناني المُركّب ما بين طائفي وقبليّ؛ مذهبي وحزبي؛ سياسي وديني؛ مديني وريفي إلخ..

أما الإشكالية الأولى فهي الدولة نفسُها، التي قيل أنّها كمفهوم أو كمُنشأ، “أعظمُ إنتاج بشري عبر التاريخ”.. والحديث هنا لا يطمحُ إلى دولة أفلاطونية، ولكنه يُشرعن السؤال حدّ الإيغال عما اذا كان هناك أصلاً دولة بمعنى الدولة حتى يكون لهذا المكوّن أو لغيره من المكوّنات رؤية حولها؟ أو بمعنى آخر أكثر اختصاراً، أين هي الدولة؟ الدولة بشرطها وشروطها العلمية، ومقوماتها الذاتية؟ وإذا كان هناك بعضٌ منها فماذا عن البعض الآخَر الذي تسقطُ بدونه، ولا تُعتبَر دولة وفق إجماع علماء الاجتماع على ثلاثة أركان حتى تكون دولة وهي: “جماعة من الناس (شعب)، إقليم (أرض)، وسلطة مستقلة (ذات سيادة)”. وبالتالي لا يمكنُ لأيِّ مجتمعٍ يفتقد إلى ركن منها أن ينطبقَ عليه وصفِ الدولة. وفي حال دولتنا، جماعةُ النّاس جماعات، وشعبها شعوب وقبائل لمّا يتعارفوا بعد (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [سورة الحجرات:13]، وأرضها أراضٍ خمس محتلة وأكثر، وسلطتُها لا تمتّ بصلةٍ إلى الإستقلال الناجز عن الخارج، والاثنتان معاً (الأرض والسلطة) ليستا ذات سيادة، بفعل الاحتلال الاسرائيلي واعتداءاته وخروقاته اليومية.. ولو وسّعنا البيكار لقلنا أن السيادة ليست بارودة. السيادة عندما تهزم الدولة أصحاب المولدات وصهاريج المياه ومافيات الكسارات والأملاك البحرية والنهرية وناهبي الأرصفة ومواقف السيارات.

نعم، الدولة، أرضٌ وشعبٌ وسلطة، وعندنا الدولةُ، أرضٌ محتلة، وشعبٌ جزءٌ منه مشرَّد ومهجّر عن هذه الأرض، وسلطةٌ سيادتُها منتَهكة براً وجواً وبحراً. فكيف يستقيم أمرها الوجودي؟

وفق المفكّر الألماني ماكس فيبر (1864-1920) فإن الدولة عبارة عن “مِساحة من الأرض وسكّانٍ دائمين وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعّالة على أراضيها“، فهل ينطبق هذا على مساحة الأرض المنقوصة أكثر من 13 كلم عند حدودها الجنوبية؟ وهل يستوي الأمر مع سكان القرى الحدودية كسكانٍ غير دائمين، وهم المقيمون ما بين تشريدٍ وتهجيرٍ وتدميرٍ دونما حكومة تَقيهم منه؟ أو عبر حكومات تعاقبت عليهم بالمعاقبة إذ لم تكن إحداها “قادرةً على المحافظة والسيطرة الفعّالة على أراضيها”؟

إذن نحن أمام معضلة وليست إشكالية؛ معضلة وجود أو انتفاء الدولة المكتمِلةِ العناصر المكوّنة لها ومنها، القادرةِ السائدة المتسيّدة، أو الدولة المنقوصة وهذا ما يُفقدها مشروعيّتَها (كمشروع لا كشرعية) التي تستمدُّها ﻣﻦ ﺧﻼل “ﺿﻤﺎن وﺣﻤﺎﯾﺔ أﻣﻦ اﻟﻨﺎس وﺣﻘﻮﻗﮭﻢ وﻣﻤﺘﻠﻜﺎﺗﮭﻢ أو ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﺨﯿﺮات اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ” كما ﯾﺮى الفيلسوف البريطاني ﺟﻮن ﻟﻮك (1632-1704). فهل تضمن دولة اليوم أمنَ مواطنيها وتحميهم من الغارات والمسيّرات الإسرائيلية فوق عاصمتها وجنوبها وبقاعها وفوق قصر جمهوريتها أو أثناء اجتماع حكومتها ونوابها؟ وهل ثمة مظلة دولة تظلل حقوقَ مواطنيها بالتساوي أو ظلال دولة تحمي ممتلكاتهم؟ وماذا عن “خيراتهم المدنيةِ” الممنوعِ على”أهل القُرى الحدودية” العودةُ اليها إلى أجلٍ غير مسمّى؟ والجواب لا أرض مكتملة، لا شعب كاملاً، لا خيرات مدنية ولا ممتلكات محمية بل محميات.

الإشكالية الثانية في ظل انعدام ما تقدم، هي وضع هذا المكوِّن موضع المتهم المُلزَمِ بالدفاع والتبرير- ودون سواه- ممن يُفترَض أنهم إخوة يوسف في الوطن، لكنّهم يرمونه في غيابة الجبّ، كأنه القاتل وهم المقتول وليس عدوّه وعدوّهم، إذ “يرضى القتيلُ وليس يرضى القاتلُ”.. والقتيل هنا شهداؤه على مذابح التحرير ذات الجنوب وذات الشمال طيلة عقودٍ أربعة دون أن “تغفر” له دماهم أو تجعله في حِلٍّ من عقدة المواطَنة والمواطنية وغيرها من المسمّيات، فالمطلوبُ منه تقديمُ أوراق اعتمادٍ لدى الدولة وغيرِها كأيِّ سفير أجنبي، أو شهادةِ حُسن سلوك وطني كلّما اهتزت البلاد على وقع عدوان إسرائيلي هو أول مَن حرّرها منه، فهل على هذا المكوِّن المفرِطِ في التّضحية أن يكون متّهماً في قفص الأسئلة معنياً بخلفياتها وعليه أن يجيب؟

إقرأ على موقع 180  كيف نتحدث عن الحرية ونحن مُصادرون.. طائفياً؟

هو مكوِّنٌ، يعود تاريخُه فيه إلى أكثر من ألفٍ وأربعمئة سنة، ومعروفٌ قبل تاريخه هذا إنشاؤه أولَ دولة فعلية (دولة السّلالة الإدريسية (780 – 974) في المغرب العربي)، وموروثه يزخَر منذ سنتِه الأولى بالسَّعي نحو شيء اسمه دولة و”الدولة ممارسة وليست شيئاً” على ما يرى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1924- 1984) وتاريخُ هذا المكوِّن السياسيّ حافلٌ بتبنّي مفهوم الدولة منذ كان رأس حربتها والسعي إليها في عهد الرسول (ص) وحين سالَمَ الإمامُ علي (ع) لصالح مشروع الدولة “واللهِ لأُسَالِمنَّ ما سلمتْ أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلّا عليَّ خاصة” (نهج البلاغة – الخطبة 74) أو كما يُنسَب إليه عندما أخبروه بحشود الرّوم لغزو بلاد المسلمين: “واللهِ لو فعلَها بنو الأصفر لوَضعتُ يدي في يد معاوية“، مكملاً إرساءه أسسَ الدولة، عهده إلى مالك الأشتر حين ولاّه مصر: “جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها”. وبعده على مرّ عهود الدول المتعاقبة ما بعد الرسول الأكرم (ص) من عهود الخلفاء إلى دول الأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك، وبالرغم من الفتك به، ظلّ هذا المكوِّن يدعو لـ”أهل الثغور” ويبذل حتى في دولة العثمانيين على مدى خمسة قرون ونيف، وكانت له علامات فارقة في تأسيس وبناء الدول ومنها إسهام علماء شيعة لبنان في المرحلة التأسيسية للدولة الصفوية في إيران، (1501- 1722م) وفي بنائها الفكري، وصولاً إلى تحريم كبار ومعظم مراجعِ الشيعةِ في كل زمانٍ ومكان مخالفة الأنظمة في الدولة أياً كانت، بدءاً من دفع ضرائبها إلى التزام إشارات سيرها. فكيف يكون حالهم مع دولتهم اليوم وبعده؟ (يتبع في جزء ثانٍ وأخير).

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الكاظمي ودياب في وطنين يبكيهما الله كل يوم