وقف النار المؤجل: قراءة في بنود الاتفاق الأميركي اللبناني الإسرائيلي

صدر في واشنطن، في 4 حزيران/يونيو 2026، بيان عن وزارة الخارجية الأميركية في ختام اجتماعات عُقدت يومي الثاني والثالث من حزيران/يونيو بين وفدين لبناني وإسرائيلي، بحضور الوسيط الأميركي. واللافت أنه قبل إيفاد وفد عسكري لبناني إلى البنتاغون لحضور اجتماعات عسكرية أميركية-لبنانية-إسرائيلية في 29 أيار/مايو ومن ثم ارسال "الوفد السياسي" برئاسة سيمون كرم، عمّمت السلطات اللبنانية أن البند الوحيد قيد المناقشة هو وقف إطلاق النار، غير أن "بيان وقف النار"، حسب التسمية الأميركية، لم يتضمن وقف النار الموعود، لا بل تضمن أموراً أخرى، أهمها الآتي:

أولاً؛ يشترط لتوقف إسرائيل عن إطلاق النار أن يتوقف حزب الله عن إطلاق النار وينسحب إلى شمال الليطاني. هذا البند وحده بحاجة إلى اتفاق. وفي حال البحث فيه، هناك أمور عديدة يجب توضيحها، أبرزها: الانسحاب إلى أين؟ وكيف؟ وما هو مصير السلاح؟ علماً أن الولايات المتحدة، وهي راعية الاتفاق، رفضت تسليم السلاح عام 2025 للجيش اللبناني وطلبت تدميره في مكانه. وهل يشمل الانسحاب عودة السكان إلى منازلهم؟ وهل هناك ضمانات لعدم اعتداء إسرائيل على المنطقة التي يخليها حزب الله؟ وإذا حصل عدوان، فمن يرد عليه؟

والغريب هنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد ذكر مرتين خلال أقل من 48 ساعة أنه أجرى مكالمة “جيدة جداً” مع حزب الله، وأنه طلب وقف إطلاق النار بحيث لا تهاجم إسرائيل حزب الله ولا يهاجم الحزب إسرائيل، ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لم تأخذ وزارة الخارجية الأميركية والوفدان اللبناني والإسرائيلي بكلام ترامب، ولماذا قرّرت أن يتوقف حزب الله فقط عن إطلاق النار وينسحب من جنوب الليطاني؟

ثانياً؛ نصّ الاتفاق على إنشاء مناطق تجريبية (Pilot Zones) يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأراضي واستبعاد أية قوة أخرى. هذا البند بحاجة أيضاً إلى اتفاق مفصل لتوضيح أمور عديدة، أبرزها: من يُحدّد هذه المناطق؟ وإلى كم منطقة يُقسَّم جنوب لبنان؟ وهل يُسمح للسكان بالعودة إلى “المنطقة التجريبية” وإعادة الإعمار وممارسة حياتهم العادية؟ وهل هناك ضمانة لعدم تدخل إسرائيل عسكرياً في هذه المناطق؟ وهل يُسمع رأي سكان المناطق والسلطات المحلية المنتخبة، مثل البلديات، في تحديد هذه المناطق وإدارتها؟ وما هو السلوك المتبع بين “منطقة تجريبية” وأخرى غير تجريبية على حدودها؟

ثالثاً؛ نصّ الاتفاق على تأكيد لبنان وإسرائيل أنه لا توجد نيات عدائية بينهما. وهذا البند يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء وتعديل قوانين في مجلس النواب، ولا يمكن تنفيذه من دون العودة إلى بعض القوانين النافذة، لا سيما قانون مقاطعة إسرائيل.

رابعاً؛ ورد في الاتفاق أن الوفود ناقشت إطاراً أمنياً يستند إلى المناقشات التي جرت في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في 29 أيار/مايو، بهدف ضمان سيادة لبنان وإسرائيل وأمنهما وسلامة أراضيهما بشكل مستدام. ويشمل ذلك تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة اللبنانية ومنع إعادة ظهورها. هنا يبرز السؤال الآتي: هل يُفهم من ذلك أنه جرى في الاجتماع العسكري مناقشة “تفكيك الجماعات المسلحة” (المقصود حزب الله)؟ وهل يسمح الدستور والقوانين ببحث مثل هذه الأمور مع جهات خارجية؟ أم إن مجلس الوزراء هو السلطة السيادية التي يحق لها التطرق إلى هذه الأمور، لا سيما أنها تتضمن اتخاذ تدابير لمنع ظهور هذه الجماعات؟

خامساً؛ هل وافق الطرف اللبناني على فقرتين: الأولى، تتعلق بالولايات المتحدة وكلام وزير خارجيتها ماركو روبيو بأن حزب الله عدو للبنان؟ والثانية، تتعلق بإسرائيل، ومفادها أنه لا يمكن تحقيق أمنها وسلامتها إلا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته في جميع المناطق اللبنانية؟ وإذا سلّمنا جدلاً أن الوفد اللبناني المفاوض وافق، فهل يحق له القبول بهذه الإجراءات من دون العودة إلى السلطة الدستورية، أي مجلس الوزراء؟

سادساً؛ ورد في فقرة تتعلق بلبنان أن لبنان أكد ضرورة الاحترام المتبادل للحدود المعترف بها دولياً، والحاجة الملحة إلى التنفيذ الكامل لوقف الأعمال العدائية، مع التشديد على مبادئ وحدة الأراضي والسيادة الكاملة للدولة. لكن لم يرد في البيان أي عناوين أو تفاصيل تنفيذية لاحترام الحدود اللبنانية أو وقف الأعمال العدائية، ولا لاحترام سيادة الدولة اللبنانية في ضوء وجود قوات احتلال إسرائيلية داخل أراضيها بشكل غير قانوني.

خلاصة القول إن هذا الاتفاق لا يمكن تنفيذه، لأنه لا يُحدّد خط وقف إطلاق النار، ولا ساعة بدئه، ولا هيئة الإشراف على تنفيذه، ولا الجهة التي تراقبه. كما أنه يحتاج إلى رزمة من الاتفاقات تشمل العديد من الفقرات الغامضة والملتبسة..

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إسرائيل في مواجهة "الحرب الإقليمية الأولى".. خططاً وتداعيات
إلياس فرحات

عميد ركن متقاعد

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هل يجر نتنياهو المنطقة إلى حرب إقليمية إنقاذاً لمستقبله؟