منذ تحولت المدينة، في العهد الأموي، إلى عاصمة لأول مشروع إمبراطوري منظم في التاريخ الإسلامي، تشكل فيها نموذج حكم يقوم على مركزية القرار وربط الشرعية السياسية بمركز سيادي واحد. لكن هذه المركزية لم تُنتج استقرارًا دائمًا بقدر ما أسست لمسار طويل من إعادة تشكيل السلطة وأدواتها .إن اختزال العلاقة بين السوريين والدولة بمفهوم الطاعة يبدو تبسيطًا مخلًا. فالمجتمع السوري لم يتحرك داخل بنية حكم واحدة وثابتة، بل داخل أنظمة متغيرة أعادت، في كل مرحلة، إنتاج شروط الامتثال وحدوده ومعناه.
السؤال إذًا ليس: لماذا يطيع السوريون؟ بل: كيف أعادت الدولة، عبر التحولات، إنتاج أنماط مختلفة من الامتثال جرى تفسيرها لاحقًا بوصفها ثقافة طاعة؟
في التجربة الأموية المبكرة، لم تكن دمشق مجرد مركز إداري لدولة ناشئة، بل عاصمة أعادت تنظيم المجال السياسي في المشرق الإسلامي كله. ومع انتقال مركز الخلافة من الجزيرة العربية إلى دمشق، تغيّرت طبيعة السلطة نفسها: من قيادة دينية قبلية مرتبطة بالجماعة الإسلامية الأولى، إلى مشروع إمبراطوري يدير فضاءً واسعًا متعدد الجماعات والهويات والمصالح.
هنا بدأت الدولة تأخذ شكلًا أكثر مركزية. القرار السياسي، والإدارة العسكرية، والجباية، والشرعية الدينية، جرى ربطها جميعًا بمركز واحد يتموضع في العاصمة. لم تعد السلطة مجرد امتداد رمزي للجماعة، بل جهازًا سياسيًا يسعى إلى فرض نظام سيادي موحد على مجال واسع ومعقد.
لكن هذه المركزية لم تكن مستقرة كما تبدو في السرديات اللاحقة. فالسلطة الأموية بقيت محكومة بصراعات قبلية ودينية وسياسية متواصلة، سواء حول شرعية الحكم أو توزيع القوة داخل الدولة نفسها. وقد تجلّى ذلك في اضطرابات متكررة وفي إعادة توزيع مستمرة للولاءات داخل المجال الإمبراطوري.
لم يكن الامتثال السياسي نتيجة ثقافة خضوع مستقرة، بل نتيجة توازن متغير بين القوة والشرعية وإدارة الولاءات. ولم تكن الدولة متماسكة بالقدر الذي يسمح بإنتاج طاعة دائمة، ولا المجتمع كتلة صماء قابلة للضبط الكامل، ومع ذلك، أسّست دمشق الأموية لفكرة سياسية ستستمر طويلًا باعتبارها الدولة مركزًا يحتكر تعريف الشرعية وإدارة المجال السياسي. هذه الفكرة ستبقى حاضرة بأشكال مختلفة حتى مع تغير الإمبراطوريات وأنظمة الحكم.
مع دخول بلاد الشام تحت الحكم العثماني، فقدت دمشق موقعها كمركز مباشر لإنتاج السيادة، وتحولت إلى ولاية داخل منظومة تُدار من إسطنبول. لكن المدينة لم تفقد أهميتها، بل تغير دورها داخل النظام الجديد. بقيت دمشق مركزًا إداريًا وتجاريًا ودينيًا مهمًا، خصوصًا بحكم موقعها على طرق الحج والتجارة، إلا أنها لم تعد نقطة إنتاج السيادة العليا كما في العهد الأموي.
هذا التحول غيّر طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة. فالدولة العثمانية لم تسعَ إلى اختراق المجتمع بصورة شاملة، بل اعتمدت على إدارة التوازنات المحلية عبر الأعيان والزعامات الدينية وشبكات التجار. كانت السلطة تعمل عبر وسطاء أكثر مما تعمل عبر حضور مباشر داخل تفاصيل الحياة اليومية. لذلك، لم يكن الامتثال قائمًا على تعبئة سياسية أو اندماج كامل داخل الدولة، بل على تكيف براغماتي مع سلطة بعيدة نسبيًا. وما سيُقرأ لاحقًا بوصفه طاعة لم يكن سوى علاقة منخفضة الكثافة مع الدولة، تقوم على الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والجباية.
بعد الاستقلال الوطني في منتصف أربعينيات القرن الماضي، دخلت سوريا مرحلة مختلفة جذريًا. أصبحت الدولة مطالبة بإنتاج سيادة وطنية داخل حدود واضحة وبناء مؤسسات قادرة على احتكار القرار السياسي. لكن هذا التحول تزامن مع ضعف البنية المدنية وصعود المؤسسة العسكرية بوصفها الفاعل الأكثر قدرة على إعادة تشكيل السلطة، ومنذ انقلاب العام 1949 دخلت البلاد في دورة متسارعة من الانقلابات العسكرية مكرسة مفهوم تغيير السلطة أسرع من تغيير المجتمع.
لم تعد الشرعية تُنتج عبر مؤسسات مستقرة، بل عبر موازين القوة داخل الجيش والأجهزة المرتبطة به. وهكذا عاش المجال السياسي حالة دائمة من السيولة وعدم الاستقرار، مما صعب الحديث عن ثقافة طاعة مستقرة. فالمجتمع لم يكن أمام نظام متماسك طويل الأمد، بل أمام سلطات متبدلة وشبكات قوة يعاد تشكيلها باستمرار لذلك، اتخذ الامتثال شكل التكيف مع واقع سياسي متغير أكثر مما اتخذ شكل الولاء الثابت للدولة.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم ترسخ النظام لاحقًا في عهد حافظ الأسد إثر الحركة التصحيحية (1970)، دخلت سوريا مرحلة جديدة بالكامل. لم تعد الدولة تكتفي بإدارة السلطة، بل بدأت بإعادة تنظيم المجتمع نفسه داخل شبكة مركزية واسعة من المؤسسات الأمنية والإدارية والاقتصادية.
فالدولة لم تعد جهازًا فوق المجتمع، بل أصبحت حاضرة داخل تفاصيل الحياة اليومية: في المدرسة، الجامعة، الوظيفة، النقابة، شالحي، وحتى داخل المجال الرمزي العام، حيث تحولت صورة الرئيس إلى جزء دائم من المشهد اليومي، ولم يعد النظام يعتمد فقط على القمع المباشر، بل على شبكة معقدة من المصالح والفرص والضبط الأمني والاندماج الإداري. وهكذا لم تُنتج الطاعة بوصفها قناعة سياسية فقط، بل بوصفها نتيجة لتشابك الخوف والمصلحة والحاجة داخل بنية دولة متغلغلة في المجتمع، وهكذا لم يعد حضور الدولة في سوريا مقتصرًا على المؤسسات أو الخطاب السياسي، بل كان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية نفسها. صورة الرئيس المعلقة في المدارس والدوائر الرسمية، والحضور الدائم للأجهزة الأمنية في المجال العام، وحتى اللغة الحذرة التي يستخدمها الناس في أحاديثهم اليومية، كلها كانت تعكس دولة لا تكتفي بإدارة المجتمع، بل تسعى إلى تنظيم المجال الذي يتحرك داخله الأفراد وحدود ما يمكن قوله أو فعله داخله.
مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، دخلت الدولة السورية مرحلة تفكك عميق. لم يعد هناك مركز واحد قادر على احتكار العنف أو تعريف السياسة بصورة كاملة، ومع تعدد الفاعلين المسلحين وتداخل القوى الإقليمية والدولية، ظهرت مراكز قوة متنافسة أعادت توزيع السيطرة بين مؤسسات رسمية وشبكات محلية واقتصادات حرب وترتيبات أمنية متغيرة. لم يعد الامتثال علاقة واضحة بين الفرد والدولة، بل تحول إلى ممارسة يومية مرتبطة بالبقاء وإدارة المخاطر. وهكذا لم تعد الطاعة تعني الخضوع لسلطة مستقرة، بل التكيف المستمر مع واقع سياسي متشظٍ.
يمثل السياق السوري الراهن لحظة انتقالية معقدة، لا يمكن توصيفها بوصفها استقرارًا سياسيًا جديدًا، ولا بوصفها قطيعة كاملة مع البنى التي تشكلت خلال العقود السابقة. بل هي أقرب إلى حالة إعادة تشكل بطيئة للدولة، في ظل تفكك جزئي في نموذج المركزية الصارمة الذي حكم سوريا لعقود طويلة، وظهور توازنات جديدة لا تزال في طور التكوين. فالدولة، في مثل هذه المرحلة، لا تعمل بوصفها جهازًا مكتملًا يفرض النظام، بل بوصفها بنية تحاول إعادة تعريف نفسها وحدودها ووظائفها في آن واحد.
إن الحديث عن الطاعة في هذا السياق يفقد كثيرًا من دلالاته التقليدية. فالمفهوم يفترض وجود مركز سلطة واضح، ونظام سياسي مستقر، وعلاقة هرمية ثابتة بين الحاكم والمحكوم. غير أن الواقع في المرحلة الانتقالية لا يستجيب لهذه الافتراضات بصورة كاملة، إذ تتعدد مستويات القرار، وتتداخل مصادر الشرعية، وتبقى حدود الدولة نفسها في حالة إعادة رسم مستمرة.
فيصبح الامتثال أقرب إلى شكل من أشكال التفاوض السياسي والاجتماعي، لا إلى علاقة خضوع مستقرة. فالسؤال لم يعد يقتصر على كيفية إنتاج الامتثال، بل يتجاوز ذلك إلى كيفية إعادة بناء الإطار الذي يجعل الامتثال ممكنًا أصلًا. أي كيف يمكن تأسيس بنية سياسية قادرة على إنتاج شرعية مستقرة في سياق خرج للتو من نموذج الدولة المركزية الصارمة، ودخل في حالة من التعدد والتشظي في مراكز السلطة.
لا يمكن فهم الامتثال في سوريا اليوم باعتباره استمرارًا خطيًا لماضٍ طويل، بل باعتباره نتيجة مفتوحة لعملية تاريخية لم تستقر بعد. فالدولة لم تكتمل إعادة تشكيلها، والمجتمع لم يستقر داخل إطار سياسي نهائي، والعلاقة بين الطرفين ما تزال في حالة تشكل مستمر.
إن فهم الامتثال السياسي في سوريا لا يمكن أن ينفصل عن فهم تاريخ الدولة السورية ذاتها، بوصفها البنية التي تنتج هذا الامتثال وتعيد تعريفه في كل مرحلة من مراحل تشكلها.
يكشف التاريخ السوري، من الدولة الأموية حتى اللحظة الراهنة، أن الامتثال السياسي لم يكن سمة ثابتة في المجتمع، بل نتيجة متغيرة لطبيعة الدولة نفسها وتحولاتها.
في كل مرحلة، تغيّر شكل السلطة، فتغيّر معه شكل الامتثال. ربما لم تكن المشكلة يومًا في مجتمع يطيع، بل في دولة نجحت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، في إعادة تعريف العلاقة الممكنة بين السلطة والامتثال. فكلما تغيّرت بنية الدولة، تغيّر معها شكل الطاعة وحدودها ومعناها. وما يكشفه التاريخ السوري ليس وجود ثقافة ثابتة للخضوع، بل مسار طويل من التحولات التي أعادت تشكيل العلاقة بين الناس والسلطة مرة بعد أخرى. لذلك، لا تبدو الطاعة الشامية قدرًا اجتماعيًا ثابتًا، بقدر ما تبدو أثرًا سياسيًا أنتجته الدولة نفسها، ثم أعادت الأجيال اللاحقة قراءته بوصفه سمة في المجتمع.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال الأهم: لماذا يطيع السوريون؟ بل: كيف أعادت الدولة، في كل مرحلة تاريخية، إنتاج الشروط التي تجعل الامتثال ممكنًا، ثم يبدو لاحقًا وكأنه طبيعة اجتماعية مستقرة؟
