لبنان: ستاتيكو سياسي.. هل يكسره الأمن أم الدولار؟

يطرح الحراك الشعبي في لبنان، في يومه الثاني عشر، الكثير من الأسئلة، خاصة مع تبلور ميزان قوى جديد يختلط فيه الشارع بالسياسة والأمن والإقتصاد، كما الداخل بالخارج. هذه محاولة جديدة لتفكيك الصورة.

تأخذنا الواقعية السياسية إلى السردية الآتية:

أولا، لن يغامر سعد الحريري بالإستقالة من الحكومة، في ظل “الستاتيكو” الحالي، فما هو معقود له اليوم، ليس مضمونا في الغد. بكلام أوضح، إذا إستقال، ماذا يضمن أن ينجح بتأليف الحكومة الجديدة وبالتالي الإعتذار عن التكليف، وماذا لو دخلت عوامل دولية أو إقليمية تصب في خانة مرشح آخر لرئاسة الحكومة، من تياره أولا (ريا الحسن مثلا) أو من لون سياسي مختلف ثانيا؟ يقود ذلك الحريري للقول أن الأضمن له أن يبقى رئيسا للحكومة الحالية مع تعديلات طفيفة.

ثمة نقطتان يمكن أن تضغطا على الحريري، ومن شأن إحداهما أن تعدل موقفه أو وضعيته. الأولى أمنية بإمتياز وهي الأهم. ممنوع المس بالمتظاهرين أو سقوط نقطة دم واحدة. هذا خط أحمر دولي. ما تبلغه رئيس الحكومة تبلغته أيضا قيادة الجيش. لذلك، بدت الأخيرة مستظلة بالموقف الأميركي في مواجهة من لوّح لها بالآتي: “أتينا بك بشحطة قلم ومنشيلك بشحطة قلم”. لذا، لا يحمل هذا الحذر العسكري الرسمي، في طياته، إلا القليل من الحرص الداخلي ممزوجا بالكثير من تمنيات الخارج. الأمثلة كثيرة من منطقة البداوي شمالا إلى الرينغ في العاصمة، فكيف إذا قررت بعض الأجهزة التسهيل أو دعم التحشيد في بعض الحالات؟

هل يستطيع الحريري تحمل هذه الكلفة وأن يتجاهلها على طريقة ما يريد له أن يفعل بعض داعميه لا بل مصممي الأحذية الفولاذية الجديدة التي ينتعلها وهي أعلى من ركبتيه بقليل؟

النقطة الثانية إقتصادية ومالية بإمتياز. تبلغ اليوم كلفة كل يوم تعطيل حوالي 150 مليون دولار تقريبا. يعني ذلك أن خسارة 12 يوم تعطيل بلغت عتبة الملياري دولار أميركي وكلفة شهر واحد من التعطيل ستصل إلى أربعة مليارات دولار. هل يستطيع الحريري تحمل هذه الكلفة وأن يتجاهلها على طريقة ما يريد له أن يفعل بعض داعميه لا بل مصممي الأحذية الفولاذية الجديدة التي ينتعلها وهي أعلى من ركبتيه بقليل؟

ثانيا، على الأرجح، نحن أمام خيار أن يسير سعد الحريري بسيناريو التعديل الحكومي. هو يدرك أن بمقدوره القفز فوق الدستور كيفما يشاء. نام اللبنانيون على طلال إرسلان وزيرا وفي اليوم التالي صار مروان خير الدين وزيرا بديلا له. نماذج إقالة أو إستقالة وزراء لا تعني أن هناك حاجة للوزير الذي يحل مكانه أن ينال ثقة المجلس النيابي. وما يسري على وزير يسري على ثلث الوزراء وربما أكثر. في الديموقراطيات الأخرى، تبدو المسألة مختلفة، سواء في إيران أو في بريطانيا، على سبيل المثال لا الحصر.

وربّ قائل أن بمقدور الحريري حتى أن “يزم” حكومته الحالية، فتصبح من 14 أو 16 وزيرا، ويمكن إيجاد تخريجة دستورية له، على طريقة تخريجات ما يسمى “زمن الوصاية” وما بعده، عندما إنتخب ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، من دون تعديل الدستور.. وأمثلة مخالفة الدستور في لبنان أكثر من أن تعد وتحصى.

ثالثا، إذا سلمنا أن سيناريو التعديل هو الوحيد المتاح حاليا، فقد سلّفت معظم المكونات السياسية رئيس الحكومة سعد الحريري موقفا مفاده أن لا أحد من وزرائها فوق رأسه خيمة زرقاء أو صفراء أو خضراء أو حمراء… “لكن ما يسري علينا يجب أن يسري على غيرنا”. هنا بيت القصيد. رفعت بعبدا خيمة برتقالية عالية جدا فوق رأس جبران باسيل، وما عداه، فإن كل رؤوس الوزراء العونيين يمكن التضحية بها من دون إستثناء. المهمة الحريرية صارت صعبة للغاية. نبيه بري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية لا يمكن أن يضحوا بأحد من وزرائهم إذا كان الثمن المطلوب عونياً هو رأس فادي جريصاتي أو غسان عطالله. حاول الحريري الإستعانة بأصدقاء هم أهم رأسمال إستراتيجي عنده في هذه الأيام الصعبة. جاءه الجواب من حزب الله أننا لسنا المرجعية الصالحة للضغط على حليف يريد البعض شيطنته وتحميله أوزار ما تكبده لبنان على مدى عقود طويلة من الزمن. السؤال الأهم “لمن تريدنا أن نهدي رأس جبران باسيل؟ لسمير جعجع أم لسامي الجميل”؟

بدا حزب الله متهيبا من رغبة خصومه في الشارع المسيحي تخسيره بالنقاط عناصر قوته في هذا الشارع، خصوصا وأن الحراك في شقه المسيحي غير الحزبي، هو حراك شبابي واعد، ويمكن البناء عليه في المستقبل، ولكنه غير مؤطر وغير منظم وغير مسيس، لذلك، تصبح التضحية بباسيل بمثابة هدية مجانية للقوات اللبنانية، فقط لا غير.

 دخلت الأمور في حالة مراوحة. ستاتيكو سياسي وشعبي وأمني وإقتصادي ومالي مأزوم، ولكن لا أحد يريد أن يكسره مخافة أن تؤدي أية دعسة ناقصة إلى إهتزاز ما

رابعا، دخلت الأمور في حالة مراوحة. ستاتيكو سياسي وشعبي وأمني وإقتصادي ومالي مأزوم، ولكن لا أحد يريد أن يكسره مخافة أن تؤدي أية دعسة ناقصة إلى إهتزاز ما يؤدي إلى تعديل في موازين القوى الدقيقة حالياً.

خامسا، صار عامل الوقت هو الجنرال الحقيقي الذي يستطيع أن يعدل النقاط لمصلحة هذا أو ذاك من اللاعبين. غير أن الوقت لا يبدو مفتوحا أمام الجميع. عنصر الأمن هو أخطر عامل. أي دخول أمني غير محسوب على المسرح اللبناني، اليوم، قد يطيح كل المعطيات السالفة الذكر. الخطورة الكبيرة أن الحصانة اللبنانية في مواجهة هكذا تطورات مفقودة تاريخيا. نقطة القوة الأبرز اليوم أن القوتين المرجحتين للسلم الأهلي، وهما حزب الله وواشنطن لا تريدان أي إهتزاز أمني في لبنان، لكن ماذا عن إمكانية دخول قوى أخرى؟ لا جواب.

ما مدى صحة الرسائل التي تقول بأن الأميركيين يضغطون على الشركات الفرنسية والإيطالية لتأجيل عملية البدء بالتنقيب عن الغاز؟

سادسا، ما يسري على الأمن يسري على الإقتصاد. هنا يبدو حزب الله هو الحلقة الأضعف. قدرته محدودة. قدرة الآخرين أكبر بكثير. لنراقب مجموعة من المؤشرات. منذ الأسبوع الأخير من أيلول/سبتمبر 2019، أي قبل الحراك بثلاثة أسابيع تقريبا، بدأ الضغط على الليرة اللبنانية. أيضا، في خضم الحراك حصلت عمليات تلاعب في السوق سارع المعنيون إلى ضبطها. في العملية الأولى، تورطت ثلاثة مصارف على الأقل، أبرزها مصرف لبناني يأتمر بأوامر الأميركيين. في الأخيرة (في نهاية الأسبوع الماضي)، بدا واضحا ان الصرافين المتورطين كانوا سيرسلون “الحقائب” إلى دولة خليجية. مع هذه الواقعة وتلك، لا بأس من محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة:

الأولى، لماذا لم يزر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر بيروت هذا الشهر، كما وعد المسؤولين سابقا، وهل أرجئت الزيارة أم ألغيت؟

الثانية، ما مدى صحة الرسائل التي تقول بأن الأميركيين يضغطون على الشركات الفرنسية والإيطالية لتأجيل عملية البدء بالتنقيب عن الغاز في أحد البلوكات التي تم تلزيمها في دورة التراخيص الأولى في كانون الأول/ ديسمبر المقبل؟

الثالثة، كان لبنان الرسمي موعودا بثلاث ودائع: أولى من جهة مصرفية غربية تقدر بنحو مليار و200 مليون دولار، ثانية تقدر بنحو مليار دولار من الإمارات، ثالثة من السعودية وقيل للبنان (تحديدا من الفرنسيين) إنها يمكن أن تصل إلى نحو ثلاثة مليارات دولار. لماذا قررت الجهات الثلاث مرة واحدة، وقبل أن يبدأ الحراك بأن تغض النظر عن  ودائع هدفها مد الإقتصاد اللبناني بأوكسيجين جديد؟

لنقرأ جيدا ما قاله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمراسلة شبكة “سي إن إن” بيكي أندرسون، اليوم الإثنين، بأن الاقتصاد اللبناني “على بعد أيام من الانهيار إذا ما استمرت الاحتجاجات”

سابعا وأخيراً، يمكن القول أن اللعبة صارت مكشوفة إلى حد كبير. الحكومة تدرك أن ما كان يمكن أن تعطيه في الأيام الأولى للحراك من تعديل حكومي، لن يقبل به الحراك، وحتى لو أعطته إستقالة الحكومة كلها، لم يكن مرضيا للجمهور المحتشد في الساحات، لذلك، قررت أن تتصرف بإنكار متعمد. اللجان الوزارية تجتمع في السرايا يوميا وفي موازاتها إجتماعات عمل في بيت الوسط بعنوان ترجمة ورقة الإجراءات الإقتصادية الإصلاحية، وها هو المجلس النيابي يستعد لملاقاتها.

لذلك، ثمة رهان حكومي على أن جمهور الساحات بدأ يتراجع نسبيا وأن عامل الطقس سيؤدي إلى إضعاف الساحات وجنرال الوقت كفيل بجعل جمهور آخر يعود إلى حيث أتى، فيكون التعديل الوزاري، ولو شكليا، خطوة إستعراضية كافية لإعطاء الحراك مخرجا يستطيع بعده أن يخرج من الساحات في إنتظار موعد جديد. هنا، تبدو حسابات الحكومة مغايرة تماما لحسابات أهل الحراك من الشمال إلى الجنوب مرورا بالعاصمة بيروت.

لنراقب الأمن والإقتصاد.. ولنقرأ جيدا ما قاله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمراسلة شبكة “سي إن إن” بيكي أندرسون، اليوم الإثنين، بأن الاقتصاد اللبناني “على بعد أيام من الانهيار إذا ما استمرت الاحتجاجات”.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free