رهان على 10 إيجابيات للأزمة المالية اللبنانية الطاحنة

رب ضارة نافعة، ومن رحم الأزمات تولد الفرص. هذا لسان حال بعض الناظرين إلى ما تبقى في الكأس اللبنانية بدلاً من البكاء ليل نهار على أطلال الإنهيار المالي الطاحن.

يمكن تعداد ما يجدر استخلاصه من عبر، لعبور اللبنانيين من فيضان أزماتهم المتناطحة مالياً واقتصادياً واجتماعياً، إلى ضفاف كفاف أقل خطراً بإنتظار الحلول المستدامة برغم الصعوبات المرحلية.

***

أولاً، إذا كان بعض الأزمة عبارة عن نقص دولارات في ميزان مدفوعات عاجز بقوة، فإن تراجع الإستيراد بنسبة 50 في المائة في 2020، وربما أكثر في 2021، يشير إلى إستطاعة اللبنانيين تغيير استهلاكهم نحو أنماط أكثر عقلانية، بالتخلي عن كثير من الكماليات المدفوع ثمنها أضعافاً مضاعفة لزوم التفاخر الإجتماعي في غالب الأحيان. والعودة إلى “قد بساطك مد رجليك” على صعيد الدولة والمجتمع بعيداً من كل أشكال التبذير والإسراف وربما الهدر والفساد.

ثانياً، يفترض بنسبة الدين العام إلى الناتج التراجع التدريجي من 180 في المائة إلى 100 في المائة أو أقل نزولاً إلى نسبة أكثر أماناً، بعدما توقفت الدولة عن سداد سندات “اليوروبوندز” التي تساوي حاليا 15 إلى 20 في المائة فقط من قيمتها الإسمية في الطرح الأولي. وسيجري التفاوض، عاجلاً أم آجلاً، على سداد 5 إلى 6 مليارات دولار فقط من أصل 33 ملياراً. أما سندات الدين بالليرة، وبعد هبوط سعر صرف العملة الوطنية، فقد إنخفضت قيمتها الحقيقية حتى تاريخه بالدولار “السوقي” 80  في المائة (بسعر 8500 ليرة للدولار الواحد) و60 في المائة بسعر المنصة (3900 ليرة). وبمعدل وسطي محتمل، قد تنخفض قيمة اجمالي الدين العام تدريجياً من 94 مليار دولار إلى ما بين 20 و25 ملياراً، أي بحمل مقدور عليه إذا تحول الاقتصاد إلى الانتاج أكثر.

ثالثاً، كما قال حاكم مصرف لبنان، وعلى قاعدة طابخ السم آكله، فان عصر تثبيت سعر صرف الليرة شارف على نهايته. وهو أس أو أصل مسببات الأزمة بفعل فحشاء فوائد باهظة صرفت للحفاظ على الإستقرار النقدي الموهوم، وإيهام اللبنانيين بقوة شرائية مصطنعة خلال 23 سنة تبخر سرابها الخادع في أقل من سنة واحدة.

والتعويم النسبي، برغم مخاطر بدايته، يجعل المواطن لاحقاً أقل إفراطاً في الإستهلاك وأكثر إحترازاً وإقتصاداً. ويزيد رخص الليرة تنافسية الإقتصاد، فترتفع قيمة الصادرات والإيرادات السياحية وتقل كلفة الاستثمار وتقترب أسعار الأصول من قيمها العادلة.

إرتفع منسوب الوعي المالي لدى اللبنانيين. فقبل 2020 لم يكن 95 في المائة منهم يعرف معنى وماهية مخطط “بونزي” الاحتيالي، أما اليوم فيعرفون مخاطره بعدما دفعوا غالياً ثمن قلة الوعي بأن الجذب بالفوائد الخيالية ليس إلا لعبة مدمرة

رابعاً، إنفجرت فقاعة القطاع المصرفي، وبدأ الورم المالي بالتنفيس الحميد. وما التباهي سابقاً بأن حجم القطاع 4 إلى 5 مرات حجم الاقتصاد إلا من ضروب رعاية أكذوبة طال أمد تصديقها بالتركيز “الزجلي الفلكلوري”على الميزة اللبنانوية التفاضلية التي سرعان ما انكشف هزالها عند مفترق الأزمة، علماً بأن مؤشرات “الكذبة” كانت واضحة منذ العام 2000 وقبله عندما قررت البنوك الأجنبية ترك لبنان لإرتفاع مخاطر العمل فيه ضمن فقاعة مصطنعة ترعاها هندسات غير سوية لمصرف لبنان لطالما حذر منها صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الإئتماني العالمية. والآن، يفترض بحجم القطاع المصرفي العودة إلى ما بين 100 و 150 في المائة فقط من الناتج، كما في المتوسطات العالمية السليمة لخدمة الاقتصاد الحقيقي لا خدمة هدر الديون السيادية وفساد الهندسات المالية والاحتكارات المافيوية.

خامساً، ربح مقترضون كثيراً من هبوط سعر صرف الليرة، وسارعوا إلى سداد تسليفات بما قيمته 14 مليار دولار في 2020، فانخفضت مديونيات الأسر والأفراد والشركات بنسبة 30 في المائة.

وفي جانب المودعين، تجنب عدد لا بأس به منهم جزءاً من استحقاق الاقتطاع  المدمر لايداعاتهم وسحبوا أموالاً خزّنوها في البيوت يقدرها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بنحو 10 مليارات دولار، فضلاً عن سحوبات بآلاف مليارات الليرات تشكو المصارف كما البنك المركزي من عدم عودتها إلى النظام المالي. واستخدم مودعون آخرون ما تيسر لهم من شيكات مصرفية مقابل ودائعهم واشتروا عقارات فانتعش هذا القطاع في 2020 ليرتفع عدد الصفقات 60 في المائة وتراخيص البناء 10 في المائة وصعد سعر سهم سوليدير 100 في المائة. وباع آخرون شيكات ودائعهم بثلث القيمة تجنباً لخسائر أكبر مستقبلاً، أي أنهم مارسوا سياسة وقف النزيف.

وفي العموم، إرتفع منسوب الوعي المالي لدى اللبنانيين. فقبل 2020 لم يكن 95 في المائة منهم يعرف معنى وماهية مخطط “بونزي” الاحتيالي، أما اليوم فيعرفون مخاطره بعدما دفعوا غالياً ثمن قلة الوعي بأن الجذب بالفوائد الخيالية ليس إلا لعبة مدمرة.

سادساً، لا بد من الإقرار أن مرحلة القروض والمساعدات على الطريقة المستسهلة منذ اتفاق الطائف وصلت هي الأخرى إلى نهايتها، سواء كان ذلك لأسباب سياسية أو اقتصادية. المهم، أن أسلوب “الشحادة” لم يعد يجدي نفعاً، وسقطت اسطورة  أن “لا غنى للعالم عن لبنان ولن يتركه خالي المال”.

إقرأ على موقع 180  سعد الحريري سيّد اللعبة.. الانتحارية

ومع صندوق النقد الدولي، لا بد من تقديم اوراق اعتماد الالتزام بالاصلاح الحقيقي لا الوعود العرقوبية التي فخخت مؤتمرات باريس 1 و2 و3 وسيدر. وبرغم قساوة شروط الصندوق وارهاقها للفقراء، فالمال المقترض منه ليس سهلاً انفاقه كيفما اتفق. فلا مال للحشو الوظيفي وهدر كهرباء لبنان ودعم الليرة وتمويل الاستيراد ومناقصات ومصالح ومجالس وصناديق ائتلاف الطوائف.

مع تعويم سعر صرف الليرة، والبدء بالإصلاحات، سيشهد الإقتصاد تقشفاً لا مثيل له منذ إنتهاء الحرب الأهلية. ولا ينجح فرض التقشف إلا بتوفير شبكة حماية للفقراء

سابعاً، “برغم صعوبة المحاسبة في هكذا نظام طائفي”، كما اكتشف بحسرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، فان ساعة الحقيقة تقترب لمعرفة ما بدّده هذا النظام السياسي والمصرفي. وبالتالي تطرح مسألة توزيع الخسائر، التي وان كانت غير عادلة حتى الآن، إلا أنها ستأتي أيضاً وحتماً على حساب أغنياء لهم في القطاع المصرفي ما لا يقل عن 90 مليار دولار بين مساهمات وودائع لا مصير واضحاً لها سوى أنها غير موجودة إلا دفترياً، ولا يمكن استعادتها في المديين القصير والمتوسط. أما المدى الطويل، فهو رهن إرادة اللبنانيين أنفسهم في فرض معادلة العدالة التي يريدون.

ثامناً، بعدما كان النموذج الاقتصادي السابق محل انتقاد مبكر من إقتصاديين متنورين، فان تغييره اليوم “أغنية” على كل شفة ولسان بدءاً من سياسيين في السلطة المتهالكة يؤكدون ان لا عودة إلى الوراء وأن النموذج المقبل انتاجي أكثر. كانت الصادرات تشكّل قبل الأزمة 20 في المائة من الواردات، فاذا بها في السنة الاولى للأزمة ترتفع إلى 30 في المائة، بالاضافة إلى ارتفاع استهلاك عدد لا بأس به من المنتجات اللبنانية في السوق المحلية وبنسبة 20 إلى 30 في المائة لا سيما على صعيد السلع الغذائية وادوات التنظيف.

تاسعاً، مع تعويم سعر صرف الليرة، والبدء بالإصلاحات، سيشهد الإقتصاد تقشفاً لا مثيل له منذ إنتهاء الحرب الأهلية. ولا ينجح فرض التقشف إلا بتوفير شبكة حماية للفقراء. لذا شرعت الحكومة المستقيلة في طرح حلول على هذا الصعيد، وأي حكومة مقبلة ستجد نفسها مجبرة على توفير تلك الشبكة باحصاءات دقيقة تشرف عليها الجهات الدولية المانحة مثل البنك الدولي. تلك الشبكة يفترض أن تصحح أخطاء الدعم بحيث يصل إلى مستحقيه دون غيرهم. والبقية ستدفع جزءاً من فاتورة التعافي ربما بضرائب أكثر على الدخل والأرباح وربما بالتخلي عن مكاسب زبائنية وإحتكارات لا بد من تفكيكها أو تغريمها كلياً او جزئياً.

عاشراً، إن ارهاصات المحاسبة مثل التدقيق في حسابات مصرف لبنان تعد بداية ما، بحد أدنى مطلوب لتحديد حجم الخسائر ليبنى على الشيء مقتضاه لاحقاً بتحميل المسؤوليات، ولو نظرياً. إلى ذلك يضاف عدد من القضايا المرفوعة ضد متهمين بالفساد وبأسماء كانت حتى الأمس القريب من المحميات المنيعة المستحيل إدراجها في سياق أي محاسبة أو محاكمة.. ولو إعلامية.

ختاماً، ما تقدم ليس موالاً مطرباً احتفالاً بخاتمة الأحزان، بل بعض نقاط على حروف واقع مظلم أملاً في خطوات أكثر عدالة، مثل استعادة المليارات التي هربت بعد او قبيل 17 تشرين الاول/ اكتوبر 2019 واسترداد ما سرق بالهندسات المالية منذ 2016 وما قبلها، ومحاولة محاسبة الفاسدين بقوانين “من أين لك هذا”، وضرب التحالف الأوليغارشي السياسي والمالي والمصرفي والأمني والقضائي والإداري والتجاري والاحتكاري والمافيوي. ومع علمنا بشبه استحالة ذلك في القريب العاجل، لكن إذا لم تستطع إضاءة شمعة، فالعن الظلام وساعته إلى قيام الساعة.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  مرفأ بيروت: إنفجار صيغة.. وشهيات إستثمار دولية!