إستقالة الحريري: سقوط التسوية.. وسنوات العسل

كانت كلمات رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري كافية ووافية ومقتضبة. الأزمة السياسية "وصلت إلى طريق مسدود.. ولا بد من صدمة كبيرة".

أراد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أن تشكل ورقة إستقالة حكومته “صدمة كبيرة” لعلها تكسر حالة المراوحة (الستاتيكو) المستمرة منذ بدء الحراك الشعبي قبل 13 يوماً. أمل الحريري في الأيام الأولى للحراك أن تشكل ورقة الإجراءات الإقتصادية التي  تضمنت 25 بندا مخرجا للمصالحة مع الناس، لكن الجمهور الغاضب في الساحات اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، أظهر ردة فعل سلبية تشي بفقدان الثقة بالطبقة السياسية اللبنانية. سرعان ما إنتقل الحريري، خصوصا بعد إستقالة وزراء القوات اللبنانية الأربعة إلى مربع التعديل الوزاري. أكثر من أسبوع من الأخذ والرد وكان المطلوب بالنسبة إليه أمر واحد: التضحية برأس جبران باسيل، ليس لأن باسيل هو المسؤول عن أزمات البلد ولا من زاوية أي موقف شخصي، “فعلاقتي الشخصية بالرجل ممتازة ولا أحمله وزر ما حصل إقتصاديا أو ماليا”، لكن المطلوب إحداث صدمة وأحد عناصرها إستقالة جبران باسيل.

بالطبع كان موقف الثلاثي نبيه بري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية متناغما إلى حد كبير مع موقف الحريري، لكن حزب الله، ومنذ اليوم الأول للحراك، بدا متوجسا من أن القبول بالتضحية بجبران باسيل سيجعل ميشال عون هو الهدف التالي ومن بعده سلاح المقاومة. بدا عون مربكا، بدليل أنه أعطى موافقته مرتين على الأقل، قبل أن يعود إلى المربع الأصلي: رفض التضحية بجبران باسيل.

كان التناغم واضحا بين الحريري وحزب الله. خطوط مفتوحة وتواصل يومي مباشر بلا وسطاء. زيارات ماراتونية لقياديين من حزب الله إلى بعبدا وبيت الوسط وعين التينة. التحذير من أن هناك من يريد حرف الحراك الأصلي وأخذ البلد إلى مطارح خطيرة. لم يكن حزب الله يريد أن ينظر إلى المشهد اللبناني بمعزل عما يجري في العراق. كان المطلوب إجراء تعديل وزاري لا يمس بالتوازنات، أي الإبقاء على باسيل في الحكومة وإيلاء جهد كبير لترجمة ورقة الإجراءات الإقتصادية بأسرع وقت ممكن.

قبل نهاية الأسبوع الماضي، تغيرت النبرة الحريرية. لم يعد يستطيع الإنتظار حتى إشعار آخر. قيل له إن الحراك بدأ يبهت. المطلوب جدية عسكرية وأمنية تترجم بفتح الطرق وعندها سيتراجع الحراك أكثر، لأن إستمرار التعطيل ينعكس سلبا على مجمل الواقع الإقتصادي والمالي في البلد.

رفض الحريري، كما قيادة الجيش، حصول أية مواجهة مع الناس في الشوارع، وبالتالي أصر على على عدم سقوط نقطة دم واحدة، وهذه النقطة تحديدا كانت موضع مراجعة دائمة بين بيت الوسط والسفارات الأميركية والفرنسية والإنكليزية ومنسق الأمم المتحدة. أبلغ رئيس الحكومة هذه الجهات قراره النهائي بالإستقالة (الأحد أو الإثنين) وفي المقابل، سمع تشديدا غربيا متناغما بعدم ممانعة من حدوث أي تغيير سياسي “لكن بسلاسة”، فضلا عن التذكير بمحظور إستخدام القوة لفض الحراك السلمي في كل ساحات لبنان.

عندما أيقن الحريري أن تعديل الحكومة بات مستحيلا طالما ثمة إصرار على بقاء جبران باسيل، أبلغ رئيس المجلس النيابي وقيادة حزب الله إنه عازم على تقديم إستقالته يوم الإثنين (أمس)، لكن ضغوط هاتين الجهتين أثمرت تمديد الفرصة حتى بعد ظهر اليوم (الثلثاء)، وعندما تعرضت خيم المعتصمين وتجمعاتهم بين الرينغ وساحتي الشهداء ورياض الصلح في وسط العاصمة اللبنانية لأعمال تخريب وحرق وتكسير، كان الحريري قد إتخذ قراره، قبل أن تأتيه الرسالة الأخيرة: الإستقالة من دون توافق مع باقي المكونات السياسية في الحكومة لا تضمن تكليفك برئاسة الحكومة مجددا.

عند هذا الحد، وصلت أوضح رسالة للحريري، وقرر أن يتصرف على أساسها: هناك من يريد إستنزاف رصيدي. طرابلس وعكار تهتفان ضد الحكومة. صيدا متعاطفة مع الحراك (حتى مدارس الحريري في صيدا شاركت بطلابها وأساتذتها في الحراك الذي يقوده أسامة سعد ضد الحكومة). البقاع بدأ يتحرك. إذا كان هناك من لا يريد أن يستشعر بالخطر المحدق بنا جميعا، سأرمي كرة الإستقالة بوجه الجميع وتحديدا بوجه رئيس الجمهورية.

عند هذا الحد، صارت الإستقالة واقعة ولم يكن ينقصها سوى أن يعلنها في مؤتمر صحافي مقتضب ومن بعده تسليمها رسميا إلى الرئيس اللبناني ميشال عون. ماذا بعد؟

أولا، عمليا، إنتقل لبنان إلى مرحلة سياسية جديدة. ما بعد 17 تشرين الأول/اكتوبر ليس كما قبله. لا بالتوزنات ولا بالمعادلات السياسية القائمة ولا تلك التي ستأتي ـ وهي حتما غامضة ـ من الآن فصاعدا.

ثانيا، رمى سعد الحريري إستقالته بوجه رئيس الجمهورية وحمله بالتالي مسؤولية التردد في إتخاذ قرارات سياسية إستثنائية، يأتي في مقدمها قرار التضحية بجبران باسيل. الأهم أن الحريري ببيان إستقالته أعلن إنتهاء التسوية السياسية الرئاسية التي أتت بعون رئيسا للجمهورية وبه رئيسا للحكومة، وهي مرحلة كان مقدرا لها أن تستمر حتى نهاية العهد الحالي في العام 2022.

ثالثا، إنتهت مرحلة “سنوات العسل” بين الحريري وحزب الله والتي دامت حوالي ثلاث سنوات (مرحلة التسوية) وتعززت بعد الإنتخابات الأخيرة. عمليا، عاد الطرفان إلى زمن مرحلة عدم الثقة، خصوصا وأن حزب الله بدا يحيل قرار الإستقالة إلى معطيات خارجية وتحديدا أميركية وسعودية “أكبر من الحريري نفسه”.

رابعا، تقود هذه المعطيات الثلاث إلى إستنتاج مفاده أننا دخلنا عمليا في مرحلة فراغ سياسي معطوفة على واقع إقتصادي ومالي كارثي وهواجس ومخاوف أمنية، مما يجعل البلد أمام منعطف سياسي كبير، وبالتالي، سيزداد الضغط أكثر على العهد ومجلس النواب والقوى العسكرية والأمنية وأيضا على الواقع المصرفي، ولا أحد يملك جوابا على سؤال اليوم التالي.

قدّم الحريري نفسه، على صورة والده، بوصفه يقدم مصلحة البلد على أي إعتبار آخر، بينما قدّم الآخرين بوصفهم حماة للفساد ولزعران الشوارع ولكل منظومة النهب المنظم منذ ثلاثة عقود من الزمن

خامسا، نجح الحريري بتقديم نفسه أمام الشارع اللبناني (وشارعه) بطلا، وليس مسؤولا هو ومن تعاقبوا قبله على تحمل المسؤولية في السلطة السياسية منذ العام 1992 حتى الآن، عن الواقع الإقتصادي والمالي والإجتماعي الذي إنفجر حاليا. قدّم الحريري نفسه، على صورة والده، بوصفه يقدم مصلحة البلد على أي إعتبار آخر، بينما قدّم الآخرين بوصفهم حماة للفساد ولزعران الشوارع ولكل منظومة النهب المنظم منذ ثلاثة عقود من الزمن.

سادسا، تأتي الإستقالة في لحظة إقليمية ودولية مفصلية، لكأن الأميركي يحصد في زمن خروجه العسكري من المنطقة أكثر مما حصد في كل المرحلة الممتدة منذ العام 2003 وحتى العام 2019. بتعبير آخر، يعدل الحريري موازين القوى الداخلية لمصلحته، على عكس صورة موازين القوى التي كانت تتحرك لمصلحة فريق 8 آذار، وتحديدا حزب الله، في كل ساحات المنطقة، وهذه إشكالية كبيرة، ستطرح أسئلة عند كل الأطراف وتزيد مساحة إنعدام الثقة.

سابعا، خرج حزب الله من حقبة 17 تشرين الأول/اكتوبر خاسرا، أولا، من خلال إرتباكه من اليوم الأول وحتى يومنا هذا، وثانيا، برهانه وثقته الكبيرين بأن الحريري لن يستقيل وأنه يستطيع بفضل دعمه له أن يصمد في السراي الكبير، كما فعل فؤاد السنيورة في مواجهة حزب الله وحلفائه طيلة سنة ونصف السنة (2007 ـ 2008)، وثالثا، بعدم إمتلاكه خارطة طريق لمقاربة الأوضاع الإقتصادية والمالية، وهي نقطة ضعف قاتلة لا تشي بأن الحزب الذي أظهر كفاءة عالية في المقاومة ضد إسرائيل وفي مواجهة المجموعات الإرهابية المسلحة في لبنان وسوريا، ما زال يتصرف في الداخل اللبناني وفق مقاربة لا تمت بصلة سوى إلى التوزنات الطائفية والمذهبية (ومعها السياسية).

ثامنا، يصبح السؤال المطروح أمام قيادة حزب الله، هل يمكن أن يستدرك ويحاول إلتقاط الفرصة من أجل أخذ مشروعية مختلفة، أي أن حماية سلاح المقاومة يمكن أن تأتي من خلال التشبيك بين شرعية الإنتفاضة الشعبية وأهدافها المحقة، وتحديدا ضد الفساد (بمعزل عن إنخراط بعض السفارات أو الجهات الأجنبية في دعم أو تمويل بعض مجموعات الحراك وهذا أمر محسوب ومتوقع في بلد مثل لبنان)، وبين شرعية السلاح بوصفه أداة لحماية لبنان في وجه المخاطر الخارجية وتحديدا الإسرائيلية؟ وألا يعتقد حزب الله أن الكتلة التاريخية التي نزلت إلى الشوارع تحت عنوان محاربة الفساد، كان يمكن له وحده أن يستثمرها في خانة الصياغة التي وضع حروفها الأولى قبل سنة ونيف، وأعلن فيها حربه المفتوحة ضد الفساد، وظلت حبرا على ورق؟

تاسعا، إذا كانت أولوية الحريري تهدئة الشارع، هل أن الإستقالة فعلت مفعولها وماذا سيكون مشهد الساحات في الساعات المقبلة وكيف ستتم تهدئة الشارع السني الذي يرفض إخراج الحريري من رئاسة الحكومة، وهل صحيح أن الأزمة ستزداد حدة كما توقعت الخارجية الفرنسية؟

عاشرا، يبقى السؤال هل أن رئيس الجمهورية قرر بتريثه بقبولها أن يعيد النظر في السبب الذي أدى إلى إستقالة الحريري، أم أنه يدرس مع حلفائه خيارات من نوع آخر. لننتظر ما ستحمله الساعات المقبلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free