ما بعد دياب: الحريري يعود بتغطية دولية وعربية
TOPSHOT - French President Emmanuel Macron (L) welcomes Lebanese Prime Minister Saad Hariri at the Elysee Presidential Palace on November 18, 2017 in Paris. Hariri is in Paris at the invitation of France's President who is attempting to help broker a solution to a political crisis that has raised fears over Lebanon's fragile democracy. / AFP PHOTO / Thomas SAMSON (Photo credit should read THOMAS SAMSON/AFP via Getty Images)

ما بعد إنفجار مرفأ بيروت ليس كما قبله. هو حدث تأسيسي بكل معنى الكلمة. أن ترحل حكومة حسان دياب بعد ستة أيام، هذا أمر بديهي. أما الإخراج فأمر آخر. هذه قراءة في ظروف الإستقالة وما يحتمل أن يليها.

إذا كان الحدث تأسيسياً، فهذا الأمر لا يسري فقط على الواقع السياسي في لبنان. صحيح أن كل القوى السياسية مدانة، سواء التي تمثلت في هذه الحكومة أو في الحكومات الثلاث التي سبقتها من العام 2014 حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2019، لكن التأسيس ينطبق أيضاً على الحراك الشعبي في لبنان. بصريح العبارة، لا يستطيع أهل الحراك مصادرة جراح الناس ولا إستثمارها ولا المتاجرة بها. وجع الناس بلغ حد الكفر بكل شيء. بالسياسة والأديان والأحزاب والإعلام.. وبما يسمى المجتمع المدني. الناس كفرت بنفسها وبالتعايش وبالبلد. الناس خسرت في ثوان قليلة، وبفعل إهمال وفساد متجذرين، فلذات أكبادها وجنى عمرها. لذلك، ليس مسموحاً أن يتنافس أهل الحراك على مدى سنة حول الأولويات ولا تتبلور عنهم قيادة تقرر وتحدد وتعزل “مجموعات الأجندات”.

إذا كان الحدث تأسيسياً، فإن أية مقاربة سياسية تقليدية لن تبلسم مشاعر الناس. لا يعني ذلك الإنقياد إلى خطاب شعبوي غير قابل للصرف السياسي. لكن لا بد من أن يكون هناك من يقول “نقطة على السطر يا شباب”.

هذا النموذج من الشعبوية شهدنا أحد فصوله قبل 48 ساعة، عندما قرر حسان دياب أن يخرج ببيان مكتوب، باللغة العامية، مساء يوم السبت الماضي، يعلن فيه أنه “لا يمكن الخروج من أزمة البلد البنيوية إلا عبر إجراء انتخابات نيابية مبكرة لإنتاج طبقة سياسية جديدة ومجلس نيابي جديد”.

لم يكد دياب ينتهي من تلاوة بيانه حتى أصبحت حكومته من الماضي. لا أحد يجيب حتى الآن على السؤال الآتي: من نصح دياب بتلك الفكرة؟ هل أراد فقط أن يتحرر من المسؤولية ويحملها للطبقة السياسية مجتمعةً؟ هل يدرك دقة وحساسية وخطورة ما طرحه؟ أي أن يقرر رئيس السلطة التنفيذية أن المجلس النيابي الذي إختاره أصبح فاقداً للشرعية ومطعوناً بتمثيله، وأنه من واجبه كرئيس حكومة أن يضع قانوناً خلال مهلة يومين يقرر فيه إختزال ولاية مجلس النواب؟ هل أيقن أنه بخطوته تجاوز صلاحياته كرئيس للحكومة؟ هل كان واثقاً أنه قادر على توفير الحماية السياسية والدستورية لهذا المطلب والسير به إلى مجلس النواب وتوفير أكثرية له؟ هل كان يدرك معنى إختزال ولاية مؤسسة مجلس النواب وأن تسقط الحكومة في الوقت نفسه، وربما تنتهي ولاية رئيس الجمهورية ولا تجري لا إنتخابات نيابية ولا تتألف حكومة ولا ينتخب رئيس جديد؟ هل كان يمكن أن يقود ذلك الى مؤتمر تأسيسي ومن هو صاحب المصلحة بمثل هذا المؤتمر إذا كان حزب الله غير متحمس لتعديل السياق الدستوري وتحديداً للإنتخابات النيابية المبكرة؟

بكل الأحوال، أقدم حسان دياب على ما كان ينتظره الجميع منه بلا إستثناء. ربما كان مطلوباً أن يكون الإخراج مختلفاً، لكن القاصي والداني يدرك أن هذه الحكومة أثبتت على مدى ستة أشهر أنها ليست الحكومة المشتهاة. صارت عبئاً بكل معنى الكلمة على الجميع. حتى أن حزب الله ومنذ ليل السبت الماضي، قرر إطفاء محركاته السياسية وترك لحسان دياب أن يقلع شوكه بيديه. عملياً، سقطت جدران الحماية السياسية من كل الجهات.

لا بد من إستدراك بسيط. حاول عدد من الوسطاء إقناع حسان دياب بأن يسحب مشروع قانون إختصار ولاية مجلس النواب من على جدول أعمال جلسة الحكومة اليوم وأن يرفق ذلك بتقديم إعتذار لمجلس النواب، وذلك مقابل إلغاء الجلسة التشريعية المخصصة لمساءلة الحكومة يوم الخميس المقبل. شعر دياب بالإحراج وبأن هناك من يدفعه للإستقالة عنوة. كان مستعداً لتقديم تنازلات حتى يستمر، لكن سلسلة من المؤشرات سرّعت في إتخاذ قرار الإستقالة، وبينها موقف وزراء حزب الله وحركة أمل، خصوصاً بعدما تبين له أن موقف وزير الصناعة عماد حب الله لم يكن يعبر عن موقف حزب الله السياسي بدقة، مثلما شكل موقف وزيرة العدل ماري كلود نجم رسالة بالبريد السريع من جبران باسيل إلى حسان دياب.

سقطت حكومة حسان دياب وتحرر منها الجميع. دخل لبنان عملياً في مرحلة تصريف الأعمال. ثمة خطوات إجرائية تحتاج إلى وقت، لكن ما هي خارطة الطريق الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة؟

أولاً، لا بد من العودة إلى زيارة رئيس فرنسا إيمانويل ماركون. في المعلومات، أن الزيارة كانت منسقة مع الأميركيين ولو أنها أعطيت طابعاً إنسانياً، كما مؤتمر دعم لبنان. الدليل الأول مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر باريس (تقنية الفيديو كونفرانس). الدليل الثاني أن البنك الدولي وصندوق النقد تواصلا رسمياً مع الحكومة اللبنانية بعد الزيارة مباشرة، بتكليف أميركي مباشر وإستناداً إلى لائحة الأولويات التي طلبها وزير المال اللبناني غازي وزني من نظيره الفرنسي. المقصود من ذلك أن لبنان عاد إلى دائرة الإهتمام الدولي للمرة الأولى بهذه “الحرارة” منذ حرب تموز/يوليو 2006. ينسحب ذلك على عواصم إقليمية ودولية قررت محاولة حجز “مطرح ما” في الخريطة اللبنانية الجديدة (ما بعد حدث 4 آب/أغسطس 2020). لذلك، لن يكون مفاجئاً أن يعدل السعوديون والخليجيون مسارات تعاملهم مع الوضع اللبناني، خصوصاً في ضوء إلحاح عواصم غربية، على إقفال الباب اللبناني أمام أية محاولة دخول تركية واسعة النطاق ومحاولة الحد من التمدد الإيراني في لبنان.

ثانياً، هذه المظلة الدولية الجديدة فوق لبنان، لا يبدو أنها تتخذ منحى صِدامياً، كما كان الحال في 2004 أو 2005 أو 2006. ثمة واقعية فرنسية مستجدة عبر عنها التنسيق الفرنسي مع حزب الله، عشية الزيارة وخلالها. لقد سلّف ماكرون الحزب أموراً عديدة:

1-الطاولة المستديرة في قصر الصنوبر، وهو خاطب الحاضرين، من خارج المألوف، أنه يجلس بيننا ممثل قيادة حزب الله. وهذه العبارة قالها لأحد الصحافيين على متن الطائرة بأنه تحدى كل المناخ الدولي الذي يصنف حزب الله إرهابياً.. وأنه سأل محمد رعد في خلوتهما السريعة “عالواقف”: ماذا ستقدمون أنتم بالمقابل؟

2-جاء طرح ماكرون لفكرة حكومة الوحدة الوطنية بمثابة كلمة سر الطاولة الرئاسية الفرنسية في لقاء قصر الصنوبر. وهذه الفكرة بدت مكملة لخطاب حزب الله منذ لحظة إستقالة سعد الحريري في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أي تمسكه بصيغة حكومة الوحدة الوطنية في لبنان.

3-هذا ليس وقت القضايا الكبرى. إنه وقت القضايا الملحة كالإغاثة والنفايات والكهرباء والناس ينتظرون منكم أن تهتموا بأمورهم الحياتية، على حد تعبير ماكرون.

4-حتى في موضوع التدقيق الجنائي، بدا خطاب ماكرون مفاجئاً للجميع: لماذا لا تريدون التدقيق الجنائي في حسابات الدولة اللبنانية (ثمة مفارقة بأن وزير المال كان يجب أن يوقع العقد رسمياً مع شركةAlvarez & Marsal اليوم (الإثنين) فهل يحق له أن يوقعه في مرحلة تصريف الأعمال).

5- لا بد من إبراز نقطة خافية على كثيرين ومفادها الإهتمام الفرنسي الإستثنائي بإعمار وإدارة مرفأ بيروت في المرحلة المقبلة (آخر ممر للنفوذ الفرنسي البحري في شاطىء المتوسط الشرقي)، وفي موازاة ذلك إدارة مرفأ طرابلس (تردد أن الشركة الفرنسية المعنية تحركت سريعاً في هذا الإتجاه).

ليس المطلوب من هذا العرض التذكيري، إبراز تطابق فرنسي ـ حزبُ اللهي. المقصود أن الزيارة حملت خطاباً واقعياً يمكن صرفه بالسياسة، أقله إستناداً إلى الوقائع اللبنانية المعيوشة.

ثالثاً، قبل أن يقدم حسان دياب إستقالته وبعدها، جرى تواصل بين الفرنسيين وبين سعد الحريري. تقاطع ذلك أيضاً مع تواصل بين الحريري وقيادة “الثنائي الشيعي”. بدا الحريري متهيباً اللحظة السياسية والشعبية، غداة ما حصل في مرفأ بيروت. قالها بالفم الملآن: لن أعود إلى رئاسة الحكومة وفق مضبطة شروط من اي طرف. ما لم يقله علناً هو أنه يريد تغطية أميركية ـ سعودية لأي عودة له إلى رئاسة الحكومة.

رابعاً، تشكل زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل، في الساعات المقبلة، أول رسالة أميركية إيجابية، ينتظر أن تترجم تسريعاً لمسار تكليف رئيس الحكومة الجديد، علما أنه سيلتقي الحريري إلى جانب عدد من القيادات الرسمية والسياسية، وهذه الزيارة مقررة منذ فترة، ولا علاقة لها بموضوع ترسيم الحدود البحرية حصراً، حسب أوساط دبلوماسية لبنانية معنية ببرنامج الزيارة. والجدير ذكره أن ديفيد هيل كان الأكثر حماسة لخيار سليمان فرنجية للرئاسة في العام 2015 قبل أن يشجع لاحقاً الحريري وسمير جعجع على المضي في خيار ميشال عون، إعتقاداً منه بمحاولة حشر حزب الله في الزاوية.

خامساً، لا بد من ترقب مسار التجديد لقوات الطوارىء الدولية في الجنوب اللبناني (اليونيفيل) خلال الأيام العشرة المقبلة. حتى الآن، كان الأميركيون يضغطون من أجل ربط التجديد بتعديل المهام وتوسيعها، تحت طائلة التخفيض التدريجي، بحيث يتم الإبقاء فقط على خمسة آلاف من جنود “القبعات الزرق”، غير أن الموقف الفرنسي ومستجدات ما بعد إنفجار بيروت، جعلت الأميركيين يعيدون النظر بموقفهم، من دون أن يقدموا أي تنازل حتى الآن.

سادساً، لا بد من ترقب خط العلاقة بين بيروت والعواصم الخليجية في المرحلة المقبلة، وتحديداً الخط الإماراتي ـ اللبناني، في ضوء الإتصالات التي أجراها ماكرون مع القيادة السعودية التي يبدو أنها فوّضت القيادة الإماراتية وتحديدا محمد بن زايد بالتعامل مع الملف اللبناني.

سابعاً، لا حماسة أميركية أو أوروبية أو عربية أو محلية لخيار الإنتخابات النيابية المبكرة. هذا الإستنتاج يجعل مبادرة بعض النواب إلى الإستقالة لا تتعدى حدودها مجرد التفاعل مع الشارع الغاضب، وليس وفق أية “أجندات” خارجية.

ثامناً، إذا أمكن تمرير حكومة الوحدة الوطنية بأسرع وقت ممكن، سيكون سلم أولوياتها هو نفسه سلم أولويات حكومة تصريف الأعمال: تسريع أعمال الإغاثة والإيواء والترميم وكشف مصير المفقودين؛ تسريع التحقيق القضائي في جريمة مرفأ بيروت ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته في تدمير عاصمة لبنان.

تاسعاً، إذا لم يفرز الحراك الشعبي قيادة وبرنامجاً سيكون نسخة متكررة عن حراكي 2015 و2019، وهذه النقطة باتت تلحظها العواصم الغربية في نظرتها الواقعية.

على الطبقة السياسية أن تدرك أن الشارع في لبنان يفرز وقائع جديدة. أن غضب الناس سيستدرجهم إلى أعمال عنفية وربما إلى عنف مسلح. عليهم أن يعلموا أن تطلبات الشباب عالية جداً ولا بد من فتح مسارب في الجدران المغلقة للنظام السياسي.. وإلا فإن الوضع سيتجه نحو الفوضى وربما أكثر من ذلك.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free