في هذه الحربِ، لا القومُ عُزَّلٌ، والجيوشُ ما تنفكّ تتدرّع — التباساتٌ تحيط باللحظة. فالحربُ هنا لا تُختزل في صورة شعبٍ أعزل في مواجهة آلةٍ صمّاء، ولا في مواجهةٍ صافية بين براءةٍ مطلقة وشرٍّ محض، بل في شبكةٍ أكثر تعقيدًا من الترسيمات والقوى والتواطؤات.
ليست هذه الحرب، في بنيتها العميقة، حربًا على الإرهاب، ولا نزاعًا أهليًا بين معسكرين أيديولوجيين يتصارعان باسم التحرّر الوطني أو الهوية الشعبية المنبثقة عن صراعٍ طبقي ضدّ الاستغلال والاستعمار التوسّعي. كما أنّها، وإن اتّخذت منذ بدايتها طابعًا إباديًا من حيث الممارسة، لا يمكن اختزالها في نموذج «حرب الإبادة» بوصفه توصيفًا مكتملًا لبنيتها التاريخية.
إنّ هذا الاختزال — على جاذبيته الأخلاقية — يحجب ما هو أكثر رسوخًا: كوننا إزاء حربٍ تُدار داخل منطق المنظومة الدولية ذاتها، لا على هامشه؛ حربٌ تعيد ترتيب المواقع بين فاعليه بدل أن تُطيح بقواعد لعبته. إنها حربُ دولٍ تسعى إلى إعادة تثبيت وظائفها أو إعادة تعريف مناوئيها في شبكة السلطة العالمية، وحربُ برجوازياتٍ مركزيةٍ وإقليميةٍ تعيد حساب أرباحها وخسائرها، متستّرة بغطاء صراع الحضارات الكبرى.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة اللحظة التاريخية في فداحة العنف وحده، بل في قدرتها على التنكّر في هيئة سردياتٍ مُطمئِنة للبعض، تُغري بالاصطفاف السريع حولها وتمنع التفكير الهادئ في البنية التي تُنتجها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكيك اللغة التي تُؤطّر الحرب بقدر الحاجة إلى مساءلة الحرب ذاتها؛ إذ كثيرًا ما تُخفي الكلمات ما لا تستطيع الصواريخ إخفاءه.
طوفانٌ يُخلخل التوازنات
إنها حربٌ برجوازيةٌ كلاسيكيةٌ بامتياز، حربٌ تتخذ شكل صراعٍ بين دولٍ قومية تسعى إلى إعادة ترتيب مواقعها ووظائفها داخل النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور.
تأتي هذه الحروب عندما يختلّ التوازن النسبي بين القوى المهيمنة، فتصبح لحظة التحوّلات الكبرى ضرورة لإعادة تنظيم هرميات القوة، باعتبارها المعيار الأساس في توزيع الثروات العالمية.
فالحروب التي نشهدها اليوم، في منطقتنا، والتي سيتّسع إطارها غدًا، تبدو لنا للوهلة الأولى بين قوى متباينة، إلا أنّ تباينها لا يرقى إلى مستوى التناقض البنيوي، على الرغم من شراستها. فالغاية من تلك الحروب ليست تقويض النظام الدولي أو الإطاحة بالفاعلين فيه، بل إعادة ضبط تموضعهم ووظائفهم وفق رؤية جديدة لنظام دولي سيتضمّن قواعد جديدة لتراكم رأس المال ومركزيته، معياره الأساس والوحيد هو «فلسفة القوة»، أي «الهيمنة المباشرة المطلقة». وقد يستدعي ذلك أحيانًا تفكيك البُنى الإدارية التابعة لبعض الأنظمة القومية واستبدالها ببنى إدارية جديدة تكتسب شرعيتها فقط من خلال «التعاون المطلق» وفق المعيار الأميركي الجديد، وهذا ما شهدناه في العدوان على فنزويلا في الأمس وما نشاهده اليوم من عدوان على إيران ولبنان.
في هذا السياق، يمكن فهم طوفان غزة بوصفه حدثًا استطاع أن يُحدث خلخلةً حادّة في توازنات البرجوازيات الحاكمة إقليميًا، وسرّع في الكشف عمّا كان يُخطَّط له من نظامٍ إقليمي تتربّع على عرشه إسرائيل، كجزءٍ من نظام دولي جديد تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى وضع شروط الانتساب إليه، في ظل طموحين يختصران تلك الشروط:
أولاً؛ طموح إسرائيل في التوسّع والانتقال إلى طورٍ جديد من صهيونيتها السياسية؛
ثانياً؛ طموح الإدارة الأميركية في تمكين موقعها على عرش الاقتصاد العالمي، وذلك عبر سياسات «الهيمنة المطلقة المباشرة» عن بُعد، ما يخفّف من أعباء الكلفة البنيوية لسياسات القوة الناعمة في نشر الديموقراطيات وتغيير الأنظمة. هذا من جانب، وإعادة تشكيل طبقتها الحاكمة على أسسٍ قومية أكثر صلابة خدمةً لولادة «أميركا العظمى من جديد» (ماغا) وفق شعار الجمهوريين، من جانب آخر.
فالتفرّغ لإيجاد العوائق التي من شأنها أن تكبح تطوّر الاقتصاد الصيني السريع بات على رأس أولويات الإدارة الأميركية.
وعليه، فالحرب الجارية اليوم ليست حربًا «ضدّ التاريخ»، إنما هي حربٌ من داخله؛ حربُ لاعبي النظام ضدّ مواقعهم فيه. يدفع ثمنها أولئك الذين عجزوا عن استشراف لحظة التحوّل تلك، وظنّوا أنّ بوسعهم الاحتفاظ بمواقعهم ضمن البنيان الأميركي–الصهيوني المتجدّد دون إعادة تعريف شروط اندماجهم فيه.
في هذه الحروب، تُستعاد تقنيات السيطرة والعنف التي جُرّبت وطُوّرت تاريخيًا في السياق الفلسطيني، فيتحوّل الجسد المحاصَر إلى مختبرٍ دائم لتقنيات الضبط العسكري والسياسي. وهنا يتبدّى التواشج بين المحلي والعالمي، بين الجغرافيا المحاصَرة ومنظومات القوة العابرة لها.
مواجهة الاستعمار والاستغلال
تكمن دلالة غزة في أنّ فعلها التمرّدي كشف حدود التعايش الذي ظنّت قوى إقليمية أنّه ممكن ضمن البنية القائمة للعلاقات الدولية، وأظهر هشاشة التوازنات التي استندت إليها.
نحن، إذًا، إزاء مرحلة انتقالية بالمعنى الماركسي للكلمة: لحظة تتآكل فيها الخطابات الشعبوية ومرتكزاتها، وتتفتّت البُنى المادية التي يتمحور حولها فعل الحرب. لحظة تتصدّع فيها شبكات الزبائنية التي أحكمت القوى البرجوازية المحلية من خلالها سيطرتها على البيئات الشعبية، وينشأ فراغٌ سياسي–خطابي يكشف هشاشة التمثيل الذي كان قائمًا. غير أنّ هذا الانكشاف لا يفضي تلقائيًا إلى تحوّلٍ تحرّري، ما لم تُلتقط من قِبل قوة اجتماعية سياسية تحرّرية قادرة على إعادة تنظيم الوعي لدى تلك البيئات.
هنا يتعيّن التفكير في كيفية المواجهة على جبهتين داخل أفقٍ تاريخي واحد: ضدّ المستعمِر الذي بات يعلن جهارًا خطّته التوسّعية، ومواجهة طبقية ضدّ الدولة في صيغتها البرجوازية. أي عدم إضاعة الوقت في السعي لإعادة تأهيل الدولة أو إصلاح وظيفتها وإيجاد حلول لأزماتها الاقتصادية، والسعي للتموضع داخل مؤسساتها واعتبار ذلك نضالًا. إنّ إدراك لحظة الانكشاف التي تخلقها الحروب البرجوازية يفتح مجالًا للمواجهة على مستويين: مقاومة الهيمنة الخارجية، ومساءلة البنية التي يُعاد إنتاجها داخليًا.
هذا التلاقي لا يتحقّق بالضرورة في ذروة الحرب، بل قد يتكوّن في المرحلة التي تدخل فيها البرجوازيات طور «تنظيم السلم»؛ حقبة ما بعد الحرب، أي حين تسعى إلى تثبيت الفصل الجديد من وظائفها الإقليمية وإعادة توزيع مواقعها داخل النظام من أجل الدفاع عن مصالحها. عندها يتبدّى إمكان أن يتحوّل الغضب المتولّد عن سياسات الموت إلى وعيٍ طبقي يتجاوز الاصطفاف الوطني الضيّق، ويضع الدولة نفسها — لا بوصفها أداةً محايدة — بل كبنيةٍ مادية لإدارة التراكم والسيطرة، في موضع المساءلة والصراع.
بهذا المعنى، تكمن مفارقة غزة في أنّها، في أقصى مأساتها، أطلقت فعلًا تاريخيًا يفوق شروطه المباشرة؛ فعلًا تمرّديًا عاريًا، كثيفًا إلى حدّ أنّه زعزع توازناتٍ إقليمية ظنّت نفسها راسخة.
لقد فتحت غزة، وهي تحت الركام، أفق الإمكان السياسي الذي لم يكن محسوبًا في دفاتر القوى المتحكّمة، وأعادت إدخال فعل الرفض في معادلةٍ كادت تُختزل لمصلحة حسابات السوق ومنطق التحالفات البينية الباردة؛ ليتحوّل فعل الرفض هذا من مجرّد هزّةٍ في ميزان القوى إلى أفقٍ لانقلاباتٍ إقليمية أعمق. كي يتحوّل هذا الرفض من شرارةٍ تاريخية إلى قوةٍ تغيّر اتجاه الانقلابات الإقليمية نفسها.
تلك هي عظمتُها: أنّها، وهي مُحاصَرة، فرضت على التاريخ أن يُعيد ترتيب معالم من حاصَرهَا، من حليفٍ وعدوٍّ ومُهادن.
