تلخّص هذه العبارة، على وجه الخصوص، عمق الأزمة التي تمرّ بها الولايات المتحدة، حتى بات مستقبلها كقوة عظمى موضع تساؤل جدي.
للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يُطرح سؤال مستقبلها، وما إذا كانت على وشك الغروب تحت أفقٍ مشتعلٍ بالنار في الشرق الأوسط.
في ستينيات القرن الماضي، أُطلقت على حروب المنطقة تسمية «أزمة الشرق الأوسط».
ويعود هذا التوصيف ليتسلّل إلى الأدبيات السياسية من جديد، بقدر اتساع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وفداحة تداعياتها.
«الأهداف الاستراتيجية توشك أن تتحقق».
ماذا يُقصد بذلك، على وجه التحديد؟
لا أحد بوسعه أن يعرف، أو حتى أن يتكهن بما قد يُقال بعد دقائق.
«سنعيد إيران إلى العصر الحجري».
كان ذلك انفلاتاً عصبياً آخر، نتيجة إخفاق الحملة العسكرية في تحقيق إنجازات ملموسة يمكن البناء عليها تفاوضياً.
بعد ساعات قليلة، أسقط الإيرانيون طائرتين أميركيتين متقدمتين، وطاردوا المروحيات التي هرعت للإنقاذ.
العصبية المفرطة هي الوجه الآخر لوطأة الإخفاق.
إن استهداف الجسور والبنى التحتية، والمدارس والجامعات، والمستشفيات، والمنشآت الكهربائية والنفطية، ومحطات تحلية المياه، يبدو أقرب إلى أعمال انتقام وتخريب، من دون هدف سياسي واضح، سوى جعل الحياة مستحيلة تماماً.
إنها جرائم حرب متكاملة الأركان، بذريعة إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق «قبل فوات الأوان».
وإذا ردّت إيران بالمثل، كما تعهّدت، فإن الإقليم بأسره سيدخل في متاهات لا مخرج منها.
بفائض الكراهية، لا يمكن أن يكون مستقبل الإقليم أميركياً، كقوة عظمى متنفذة، ولا إسرائيلياً، كقوة تفرض قيادتها عليه.
في مثل هذه الأجواء، يُطرح سؤال الغروب نفسه على القوة العظمى الأميركية، كما لم يحدث من قبل.
إثر الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم أيديولوجياً واستراتيجياً واقتصادياً إلى معسكرين كبيرين، تصارع على النفوذ فيهما قطبان عظميان: الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فيما عُرف بـ«الحرب الباردة»، التي انتهت بانهيار جدار برلين وتقوّض حلف وارسو، الذي كان يقابل حلف شمال الأطلسي.
وبانفراد القوة الأميركية بقيادة النظام الدولي، تعرّض العالم العربي، أكثر من غيره، لما يشبه التفكيك، بما يخدم المصالح الإسرائيلية، كما جرى في العراق مثالاً.
اليوم، تكاد تتقوّض جميع ركائز ومقومات القيادة الأميركية المنفردة للنظام الدولي.
لم تكن الولايات المتحدة طرفاً مباشراً في بدايات الحرب العالمية الثانية، لكنها، عندما دخلتها، بدت حاسمة.
وبقوة الحقائق التاريخية، بذل الاتحاد السوفيتي أدواراً وتضحيات أكبر في دحر ألمانيا النازية، لكنه، لأسباب أيديولوجية، حُوصِر خلف «ستار حديدي»، وأُفسح المجال أمام القوة الأميركية للتمدد إلى أوسع مدى ممكن.
بنت الولايات المتحدة نفوذها اعتماداً على قوتها الاقتصادية، التي تجلّت في الدور الذي لعبته في إنعاش الاقتصادات الأوروبية المنهكة بفعل الحرب والخراب الواسع.
وكان مشروع مارشال مثالاً واضحاً على نزوع سياسي يقوم على الدمج الاقتصادي وبناء تحالف غربي قوي ومتماسك.
كما شكّلت القوة العسكرية ركيزة ثانية، تمثّلت في إنشاء وقيادة حلف شمال الأطلسي، وتحمل القسط الأكبر من تكاليف تمويله وتسليحه.
ولم يكن تمويل الحلف عملاً خيرياً، بقدر ما كان عاملاً رئيسياً في ترسيخ صورتها كقوة عظمى.
بدا للأوروبيين أن أفضل ما في خطاب ترامب، الذي ألقاه أخيراً، هو عدم تطرقه إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي، الذي دأب على التلويح بالانسحاب منه، ساخراً من الحلفاء التقليديين إلى حدود غير معهودة في العلاقات الدولية، بلغت حدّ التجريح الشخصي في الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وطبيعة علاقته بزوجته.
في المقابل، جاء رد ماكرون، رغم تهذيبه، مهيناً للرئيس الأميركي ومنصبه، إذ وصفه بأنه «دون المستوى ولا يستحق التعليق عليه».
كان ذلك تعبيراً عن انهيار مروّع في صورة ساكن البيت الأبيض.
لم تكن فكرة الانسحاب من حلف شمال الأطلسي جديدة في تفكير ترامب؛ فتكاليفه، لا أدواره، هي ما يشغله أساساً.
وعندما احتاج إلى الحلف في إعادة فتح مضيق هرمز، قيل له: «هذه ليست حربنا»،
إذ اتخذ قرار الحرب على إيران مع شريكه، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون استشارة الحلفاء.
كما لم تكن هناك مشكلة سابقة في مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، غير أن أحد أبرز أهدافه الآن بات يتمثل في فتح المضيق، الذي لم يكن مغلقاً أصلاً.
لا يريد الأوروبيون التورط في الحرب، غير أنهم لا يملكون خطة بديلة مشتركة تحفظ أمن القارة بعيداً عن الولايات المتحدة.
ومن اللافت إعلان ترامب أن بلاده لا تحتاج إلى النفط الذي يمر عبر المضيق، وأن على من لهم مصلحة في فتحه أن يتولوا تأمينه.
مع توحّش السياسات، حقبةً بعد أخرى، تقوّض ما كان يُعرف بـ«الحلم الأميركي»، الذي جسّدته هوليوود، قبل أن تحلّ الكوابيس على العالم، ولا سيما الشرق الأوسط، نتيجة تبنّي السياسات التي تخدم إسرائيل بالكامل.
تتبدّى نذر الغروب اليوم في فوضى مراكز التخطيط والقيادة، التي بلغت حدّ إقالة رئيس أركان الجيش الأميركي (القوات البرية) الجنرال راندي جورج أثناء الحرب.
وعندما تتكشف الحقائق، سيظهر بوضوح حجم الفوضى والتدخلات السياسية في إدارة العمليات العسكرية، وتعريض الجنود الأميركيين للخطر من دون ضرورة، خصوصاً في حال تنفيذ إنزال بري للحصول على اليورانيوم المخصب، أو لفتح مضيق هرمز بالقوة.
على مدى 19 دقيقة، حاول ترامب أن يبدو واثقاً ومقنعاً في تبريراته لخوض حرب تعارضها أغلبية مواطنيه، وفق استطلاعات الرأي العام.
كرّر المقولات التي اعتاد ترديدها عن تدمير القوات الإيرانية البحرية والجوية، وشلّ برنامجيها الصاروخي والباليستي، متعهداً بطمأنة الأسواق عبر إنهاء المهمة خلال أسبوعين أو ثلاثة، من دون أن يحظى كلامه بالمصداقية.
فإذا كان قد حقق أهدافه من الحرب، فلماذا يواصل القتال؟
وهل يدخل استهداف البنى التحتية ضمن هذه الأهداف؟
بدا خطاب الأزمة دافعاً نحو مزيد من التأزيم، لا إلى الحل، فيما ظهر الأداء الرئاسي متدنياً إلى حدّ جعل سؤال غروب القوة الأميركية أمراً لا مفرّ منه.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
