نعم، وحدهم أولياء السلطة العرب ما زالوا بأكثريتهم يُراهنون على الولايات المتحدة. يخالفون صيرورة التاريخ. لذا سيدفعون أغلى الأثمان. لا يفكرون بإستراتيجيةٍ جديدة لحفظ الوجود على الأقلِّ. لا يتشبَّهون في الحدِّ الأدنى بقلقِ الأوروبيين أنفسِهم من أطماع واشنطن، بالرغم من أنهم حلفاؤها التاريخيون. ولا يتعلَّمون درس الإرادة من إيران مهما يكن رأيهم فيها. المال العربي، ولا سيما من دول الخليج، ما زال هو المنقذ للرأسمالية الأميركية الصهيونية، وللرأسمالية الكلاسيكية بصورةٍ عامَّة، والداعم القوي للمخططات الإبراهيمية. وما فَتِىءَ كثيرونَ من أولياء السلطة هؤلاءِ يُصرُّون على أنْ لا يقرأُوا معنى سقوط واشنطن وتل أبيب عند أبواب إيران مثلما سقط نابليون عند أبواب عكَّا. ويكابرون في التمنُّعِ عن الاعتراف بأنَّ الإرادة، هي بذاتها، قوةٌ إستراتيجية. ولا يريدون أنْ يلتقطوا الفرصة ليفهموا بعمقٍ أنَّ العالم بعد حرب الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لن يعود أبداً إلى ما كان عليه قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير2026. وأنَّ النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، نظام يالطا وبريتون وودز، ونظام الأَحادية الأميركية تحت شعار العولمة الرأسمالية إِثرَ زوال الاتحاد السوفياتي قدِ انتهيا إلى غير رجعة. ونحن على أبواب عالم جديدٍ متعدد الأقطاب، ومتوازن المصالح، بدأ يتشكَّلُ وسيأتي عاجلاً أو آجلاً، ولن تكون خريطة جغرافيا النفوذ كما هي الآن.
لو أنَّ السلطات العربية بأكثريتها تُؤذي نفسَها فحسْبُ، لكانتِ المسألةُ أبسط، لكنها تهدِّدُ وجود الإنسان العربي وتبتزُّهُ في مصيره القومي والتنموي، وترميه في حَفَفَةِ عالم ٍآتٍ بالتقدُّم والتنميةِ، ولا سيما في الفضاء الآسيوي الصيني – الروسي، أو في الفضاء الأوراسي، فيما نحن مرشحون إلى مزيد منَ الهَماشةِ والهزال والتخلُّف.
سلطات العرب تجاهلتْ بمعظمها معنى الحرب على إيران، فشجَّعَت عليها، ثمَّ ندِمَتْ نَدَمَ العاتبِ على واشنطن التي تركتها في قارعة العراء الإستراتيجي، لا ندماً سياسياً يدفعُها إلى المراجعةِ والتغيير. وبالرغم من ذلك فإنَّ رهان هذه السلطات على واشنطن ما زال قائماً لأنَّ المسألة هنا ليست مجرَّد سوء أمانةٍ، ولا هي اضطرابٌ وجدانيٌ، بل هي مسألةٌ تاريخية/ طبقية تعبِّرُ عن معادلة شراء حماية السلطة بمال النفط،(البترودولار) وتمثِّلُ مصالحَ متقاطعةً مع الأوليغارشية الأميركية بزعامة “أيباك” وأدواتها، كون المال العربي النفطي جزءاً من عملية الهيمنة الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة في العالم، وإنْ تكنْ هذه العملية قد دخلت في مراحلها الأخيرة.
ليس اتجاهُ الرأسمالية الكلاسيكية نحو السقوط هو ما يهمُّ معظمَ الأنظمة العربية، فهي بذاتها رأسمالية ريعية تبعيةٌ جاهزة لمحاولة الإنقاذ، ولو ضدَّ التاريخ. إنَّ ما يهمُّها فعلاً هو أن لا تسقط الولايات المتحدة حاميتها وسيّدتها. وهذا بالضبط ما أزعجَها – ولا سيما معظم دول الخليج – عندما رأت سقوط واشنطن عند أبواب إيران، فكابرتْ وأنكرتِ الواقع، وأمعنتْ في الذيليَّةِ المفضوحة، واستمرَّتْ في فتح أراضيها آملةً أن يتجدَّدَ العدوان على إيران.
القراءة الإستراتيجية تؤكد أنَّ الصمودَ الإيراني حال دون أن يسقط “الشرق الأوسط” كله بيد واشنطن وتل أبيب من سواحل الشام إلى جبال أفغانستان وحدود الصين وروسيا. لم نعرف في التاريخ قِصَرَ نظرٍ، وتخليَّاً عن حق الوجود الكريم، مثلما هو الوضع الراهن في غالبية الدول العربية. الأمثلة على ذلك قليلة بل نادرة. قد تُستثنى مصر والجزائر لكنهما مهددتان بضياع جهودهما الإستراتيجيّةِ بسبب الأوضاع العربية حولهما. ولولا استدراكهما ببناء جيشيْنِ قوييْنِ، وتنويع التحالفات ومصادر الأسلحة، وتطوير بعض الصناعات العسكرية المحلية، والانتباه الشديد لمخاطر حركة الإرهاب الديني، لكانت مصر قد لحقت بسوريا مُمزَّقةً، ولكانت الجزائر قد تحوَّلت إلى دولةٍ مغلقةٍ متقوقعةٍ كما كان يُرادُ لها في مرحلة التحريك الأميركي–الفرنسي–الإسرائيلي لمخططات “جبهة الإنقاذ”، وما زالت حتى الآن عُرضةً للمحاولات الصهيونية من جهة المغرب.
إذاً إلى أين يذهب العالم العربي في ظلِّ هذه السلطات؟ ونحن على أبواب عالم جديد في كوكب الأرض؟
التهميش الإضافي. هو الجواب الواضح، ما لم يتمَّ الاستدراك في اللحظات التاريخية الأخيرة التي نمرُّ بها الآن. العرب- للأسف الشديد-(ولا نقصد المواطن العادي) لا يُريدون أن يستكشفوا مكامن قوتهم في الجغرافيا والديموغرافيا. إنهم سدس سكان الأرض، يمتدون بين المضائق الأهم في العالم من جبل طارق إلى باب المندب مروراً بقناة السويس، وصولاً إلى مضيق هُرمُز المدخل البحري إلى جيرانهم في الحضارة الفارسية. ويتوزعون بين ثلاثة بحار: المتوسط والأحمر وبحر العرب، ويطلون على المحيطين الهندي والأطلسي، وهم قلب العالم بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمتلكون كبريات الثروات الباطنية، وأعظم الجذور الحضارية.
لقد رمَوْا كلَّ ذلك وانصاعوا إلى المستعمر الأميركي والإسرائيلي. لو فهموا أنَّ الجغرافيا تصنع التاريخ كما يرى “إيف لاكوست”، لكانوا على غيرِ ما هم عليه اليوم. ولكانوا أدركوا أنَّ الحرب على إيران هي حرب عليهم وعلى كل المشرق، ولما كانوا شاركوا فيها وحرَّضوا عليها.
عندما تحين اللحظة التي يدركون فيها معنى القوة في هذه الجغرافيا، سينتبهون إلى أنَّ المسافة التي تفصلهم عن الولايات المتحدة تعادل ضِعْفَيِّ المسافة بينهم وبين الصين وروسيا، ولهم اتصال بري ممكن مع هاتين الحضارتين والدولتين عبر إيران وممرات أوراسيا. وسيجدون أنفسهم مضطرين لتطوير العلاقات مع بكين وموسكو بعدما يتشكل العالم الجديد بقيادة الصين ومعها روسيا؛ فهل يفعلون ذلك قبل فوات الأوان؟ هل يعترفون بأنَّ الولايات المتحدة إمبراطورية في طريق الزوال، أم يستمرون في التعامي والزحف فوق الرمال؟ الأمل ضعيف، ولكننا نعتقد أنَّ هذه هي الحقيقة الراهنة.
