منذ وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017، كسر ترامب تقاليد راسخة في الخطاب الرئاسي، اعتمدت لعقود على التوازن والانضباط واللغة المحسوبة. وبدلًا من ذلك، قدّم نموذجًا يقوم على المباشرة والصدام والمفاجأة، مستفيدًا من بيئة إعلامية جديدة تتسم بالسرعة والتشظي. لم يكن هذا التحول مجرد أسلوب شخصي، بل انعكاسًا لتحولات أعمق داخل المجتمع الأميركي نفسه. فمع تصاعد الشعبوية وتراجع الثقة بالمؤسسات، أصبح الخطاب الحاد والمباشر أكثر قدرة على جذب الانتباه والتأثير، حتى وإن جاء على حساب الدقة أو الأعراف السياسية.
تشير بيانات مراكز بحثية أميركية، مثل Pew Research Center، إلى تراجع ملحوظ في ثقة الأميركيين بالمؤسسات الإعلامية والسياسية خلال العقد الأخير، وهو ما وفّر أرضية خصبة لخطاب يتجاوز الوسائط التقليدية ويخاطب الجمهور مباشرة عبر المنصات الرقمية. وقد استثمر ترامب هذا التحول بفاعلية، حيث جعل من حساباته على وسائل التواصل أداة رئيسية لإعلان السياسات وصناعة الجدل، في سابقة غير معهودة لرئيس أميركي.
في هذا السياق، لم يعد الخطاب مجرد وسيلة لنقل القرار، بل أصبح القرار ذاته. فتصريحات ترامب، سواء بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، أو فرض الرسوم الجمركية على الصين، أو حتى تعليق التمويل عن منظمات دولية أو الانسحاب من منظمات دولية، غالبًا ما كانت تُعلن أولًا عبر تغريدات أو تصريحات إعلامية، قبل أن تتحول إلى سياسات رسمية.
أما علاقته بوسائل الإعلام، فقد اتسمت بطابع صدامي غير مسبوق. فقد وصف مرارًا مؤسسات إعلامية كبرى بأنها “عدو الشعب”، في خطاب يتناقض مع تقاليد أميركية عريقة في حماية حرية الصحافة. ووفق تقارير Committee to Protect Journalists، فإن هذه اللغة ساهمت في تصاعد المخاوف بشأن سلامة الصحفيين وتراجع الثقة بالإعلام، وخير دليل مؤتمره الصحافي الأخير الذي سبق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لم يترك أحداً من الصحافيين دون توجيه ملاحظة إليه وإلى المؤسسة التي ينتمي إليها مثل “نيويورك تايمز” أو “سي إن إن” وغيرهما من كبريات المؤسسات الأميركية العريقة في عالم الصحافة والإعلام.
في السياسة الخارجية، بلغ هذا النهج ذروته. فقد أعاد ترامب صياغة الخطاب الدبلوماسي من لغة التوازن إلى لغة الصدمة. لم يتردد في توجيه انتقادات علنية لحلفاء تقليديين، مثل دول حلف الناتو، أو في التشكيك في التزاماتهم الأمنية، كما استخدم لغة حادة تجاه خصومه، من الصين إلى إيران.
وظهرت هذه المقاربة بوضوح في تصريحاته المثيرة للجدل، من اقتراحه تحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، إلى وصف فولوديمير زيلينسكي بـ”ديكتاتور غير منتخب”، مرورًا بإبداء إعجابه بأسلوب فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، وصولًا إلى تهديده المباشر لإيران باستخدام لغة غير مسبوقة في العلاقات الدولية.
ولم تقف حدود الخطاب عند السياسة، بل امتدت إلى الجغرافيا السياسية نفسها. فقد طرح أفكارًا غير تقليدية، مثل ضم كندا، أو شراء غرينلاند، أو استعادة قناة بنما، في مقاربة تعكس تصورًا مختلفًا لدور الولايات المتحدة في العالم، يقوم على إعادة التفاوض حتى في المسلمات الجيوسياسية.
في الداخل الأميركي، انعكس هذا الأسلوب في مواجهات مباشرة مع مؤسسات الدولة. فقد دخل ترامب في صدام مع السلطة القضائية، وهاجم قضاة فيدراليين، كما تبنّى خطابًا حادًا في قضايا الهجرة والهوية، بما في ذلك تشديد السياسات الحدودية، وحصر الاعتراف بجنسين فقط، وهي مواقف عززت الانقسام داخل المجتمع الأميركي.
كما أثار جدلًا واسعًا بتلميحه إلى إمكانية الترشح لولاية ثالثة، برغم القيود الدستورية، وهو ما اعتبره كثيرون اختبارًا لحدود النظام السياسي الأميركي نفسه.
ومن اللافت للانتباه أن هذا الخطاب، برغم الانتقادات الواسعة، نجح في تحقيق هدفه الأساسي: الهيمنة على المجال الإعلامي. فوفق تحليلات إعلامية، حاز ترامب خلال فترات طويلة من ولايته على نسبة غير مسبوقة من التغطية الإخبارية مقارنة بأي رئيس أميركي حديث، ما جعله الفاعل المركزي في تشكيل الأجندة العامة.
وهنا تكمن المفارقة: فبينما سعى منتقدوه إلى مواجهته عبر تفكيك خطابه، ساهموا، من حيث لا يقصدون، في تضخيم حضوره الإعلامي.
في ضوء ذلك، لا يمكن فهم ظاهرة ترامب بوصفها انحرافًا عابرًا، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحوّل أعمق في العلاقة بين السياسة والإعلام. فالرئيس لم يعد مجرد صانع قرار، بل أصبح أيضًا صانعًا للسردية، قادرًا على إعادة تعريف ما هو مقبول سياسيًا وإعلاميًا.
وقد ذهب بعض المراقبين إلى مقارنة أسلوبه بشخصيات سياسية غير تقليدية، مثل الزعيم الليبي معمر القذافي، أو حتى وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف، في إشارة إلى حضور عنصر المفاجأة والمبالغة في الخطاب. وبرغم اختلاف السياقات، فإن هذه المقارنات تعكس حجم التحول الذي أحدثه ترامب في النموذج التقليدي للخطاب السياسي.
في النهاية، يمكن القول إن إرث ترامب لا يكمن فقط في السياسات التي تبناها، بل في إعادة تعريفه لقواعد الخطاب السياسي ذاته. فقد وسّع حدود المقبول، وكسر قيودًا كانت تُعد ثابتة، وجعل من الكلمة أداة سلطة لا تقل تأثيرًا عن القرار.
وهكذا، قد لا يكون ترامب مجرد رئيس خالف التقاليد، بل نقطة تحوّل كشفت أن تلك التقاليد لم تعد صلبة كما كان يُعتقد، وأن السياسة في عصر الإعلام الرقمي باتت تُصاغ بقدر ما تُدار، وتُبنى بالكلمات بقدر ما تُبنى بالقرارات.
(*) موقع ترامب على منصة تروث سوشيل
